ورغم ذلك، فسرعان ما وجدت أن لي علاقة نوستالجية سابقة، قراءة وكتابة، مع إحدى روايات همنغواي، خاصة تلك الموسومة بـ”الوليمة المتنقلة”، في صيغتها العربية، بترجمة بديعة للدكتور علي القاسمي صدرت في طبعة أولى عن دار المدى للثقافة والنشر (2001)، تلتها طبعة ثانية عن منشورات الزمن (2002)، فطبعة ثالثة عن المركز الثقافي العربي (2016).
لقد حصل أن تعمقت صلتي بهذه الرواية، تبعًا لصلتي كذلك بمترجمها الصديق الأديب والباحث العراقي المقيم في المغرب علي القاسمي، هذا الذي يعرف في الوسط الثقافي العربي بإسهاماته الكثيرة والمضيئة في عديد من مجالات الكتابة الأدبية، كالقصة والرواية والسيرة الروائية، والتأليف في قضايا ثقافية وإنسانية وحقوقية وتنموية، باللغتين العربية والإنكليزية، والبحث اللغوي والنقد، وكذلك الترجمة… وفي هذا السياق، أنجز على القاسمي بعض الترجمات الرصينة إلى العربية عن اللغة الإنكليزية تحديدًا، لأمهات الأعمال والروائع الأدبية القصصية والروائية والمسرحية العالمية لهمنغواي وهولبرغ، وغيرهما، فضلًا عن ترجمته لروائع من القصص القصيرة لثمانية عشر كاتبًا أميركيًا، صدرت في كتاب بعنوان “مرافئ على الشاطئ الآخر”، عن منشورات أفريقيا الشرق، الدار البيضاء/ بيروت، سنة 2003…
وفضلًا عن إتقان المترجم للغتين، المترجم منها والمترجم إليها، فهو يمتلك معرفة لافتة بالعوالم والفضاءات التي يتحدث عنها همنغواي ويحكي عنها في روايته “الوليمة”، بما هي عوالم وفضاءات تقتضي حتمًا من المترجم التوفر على معرفة دقيقة بالجغرافيا والطبوغرافيا الباريسية، باعتبار مدينة باريس، هنا، هي التي تشكل بؤرة الحكاية في هذا النص، وما يرتبط بها من أسماء المواقع والأحياء والشوارع والمتاحف، إلى جانب توفر معرفة دقيقة لدى المترجم بعوالم الأدب والرسم وأسماء الأدباء وأعمالهم، وأنواع الأكل والشرب…، وغيرها من الخصائص الدقيقة التي اغتنى بها هذا النص، في انتقاله إلى اللغة العربية.
يحصل كثيرًا أن تغرينا بعض المدن والأمكنة، هنا وهناك، بزيارتها وقراءة ما كتب عنها من نصوص، انطلاقًا من ارتباطها بكتاب وأدباء مروا بها، أو عاشوا فيها، أو ارتبط مصيرهم بها، ويكفي، هنا، أن نذكر مدينة باريس لوحدها، التي راكمت حولها تراكمًا روائيًا مهمًا وكبيرًا ومتزايدًا من قبل مجموعة من أبرز كتاب العالم وأدبائه، بمن فيهم الكتاب والأدباء العرب أنفسهم.
وهذه مدينة طنجة، أيضًا، في ارتباطها بـ”جيل الغضب” (وليام بورووز، وبول بولز)، وكذلك بمحمد شكري. فهؤلاء، وغيرهم، من نقلوا صورة طنجة إلى العالمية، كذلك الشأن بالنسبة لمدينة مراكش في ارتباطها بجانب من إنتاج الروائي العالمي خوان غويتسولو، ومدينة القاهرة في ارتباطها بإنتاج نجيب محفوظ الروائي، وكذلك مدينة الإسكندرية التي شكلت محور معظم روايات إبراهيم عبد المجيد، وغيرهما، ومدينة لندن في اقترانها بالروائي تشارلز ديكنز، ومدينة دبلن في علاقتها بالروائي جيمس جويس، ومدينة سان بطرسبورغ التي اتخذ منها فيودور دوستويفسكي خلفية لأغلب رواياته، كما هي الحال بالنسبة لمدينة نيويورك التي شكلت الإطار الفضائي لـ”ثلاثية نيويورك” للروائي بول أوستر، وغيرها كثير من المدن العالمية، التي ساهمت الرواية في ذيوع شهرتها إنسانيًا وروائيًا وجغرافيًا…
وحين نذكر مدينة باريس عشرينيات القرن الماضي، فسرعان ما يتبادر إلى الذهن اسم إرنست همنغواي، على وجه الخصوص، في ارتباطه الاستثنائي بهذه المدينة، فيتملكنا الإحساس والرغبة في تتبع خطاه في هذه المدينة المدهشة التي تعلق بها همنغواي، كما فعل ذلك مترجم “الوليمة المتنقلة” نفسه، في اقتفائه أثر همنغواي في باريس، عبر تنقله بين أزقة المدينة وحواريها ومقاهيها ومطاعمها، وهو يباشر ترجمة هذه الرواية العاكسة بدورها لسيرة مدينة روائية بامتياز.
لقد عرف إرنست همنغواي بكثرة انتقاله وسفره وارتحاله إلى عديد من الأمكنة في العالم، كما اشتغل في مجموعة من المنابر والمواقع، حيث بدأ حياته بالعمل في إحدى الصحف الأميركية (كانساس سيتي ستار). سافر إلى أوروبا للمشاركة في الحرب، وهناك اشتغل سائقًا لسيارة إسعاف تابعة للصليب الأحمر. وفي 1918 عبَر باريس ــ التي سيعود إليها ليستقر فيها لسنوات ــ في اتجاه میلانو، فعمل على توزيع السجائر والشوكولاته على الجنود. أصيب بكسر في ساقيه، فقضى فترة علاج بمستشفى ميلانو. مرض بعد ذلك، ثم تلقى العلاج، مرة أخرى، في المستشفى نفسها، فسقط في حب ممرضة شابة، هي التي شكلت نموذج بطلة روايته الشهيرة “وداعًا للسلاح”.
ارتبط الحب عند همنغواي بالحرب، في حياته كما في أعماله، عاد إلى الولايات المتحدة الأميركية. فعمل صحافيًا في شيكاغو، ثم انتابه الحنين إلى باريس التي حل بها في ديسمبر/ كانون الأول عام 1921، رفقة زوجته الأولى. وهذا الارتباط بين همنغواي وأوروبا عمومًا، يأتي لديه من الرغبة في التجذر من جديد في الزمان وفي المكان، وهذا بالضبط ما ذهب همنغواي لأجله في فرنسا وإسبانيا.
كتب همنغواي، خلال العقد العشريني، من القرن الماضي، عددًا من القصص القصيرة الجيدة بأسلوب جديد، موظفًا فيها ثيمات جديدة. وتعد مجموعته القصصية “من أيامنا هاته” من بين أهم المجموعات القصصية التي جعلت منه واحدًا من كبار كتاب الأدب الحديث، فأصبحت له بعد ذلك شهرة عالمية واسعة، فكتب عددًا من القصص القصيرة، حتى رآه بعضهم، إثر ذلك، أحد أساتذة القصة القصيرة في العالم.
استغل همنغواي تجربته في السفر والرياضة في مجال الكتابة، فبدأت بعض الثيمات الجديدة تتسلل إلى كتاباته القصصية والروائية، كما وهبته الحرب الأهلية الإسبانية مجالًا خصبًا للإبداع، إذ مكنته من الوسائل اللازمة لكتابة رائعته “لمن تقرع الأجراس”، وفيها وظف همنغواي جميع الإمكانات الأوتوبيوغرافية المستمدة من تجاربه في مرحلة الشباب. وتعد تلك الرائعة الرواية الأكثر طموحًا وطولًا من بين رواياته الأخرى، كما اعتبرت لحظة صدورها أهم نص كتبه همنغواي. وعمومًا، فالحروب التي عمل همنغواي كمراسل في مواقعها (حرب إيطاليا، الحرب الإسبانية، الحرب الصينية، الحرب العالمية الثانية) قد أغنت بشكل لافت، تجاربه الحياتية والكتابية…
تحكي رواية “الوليمة المتنقلة”، ببساطة عميقة، عن ذكريات همنغواي في باريس العشرينيات من القرن الماضي، وفي بعض المدن الأخرى التي زارها أو مر فيها، انطلاقًا من باريس. وهو نص لم يصدر إلا بعد وفاة همنغواي بسنتين، اهتم به الفرنسيون، فترجموه تحت عنوان مغاير، هو “باريس عيد” (Paris est une fête)، وفي اعتقادي أن الفرنسيين كان يهمهم، في ترجمتهم للرواية، إبراز اسم مدينتهم على مستوى العنوان والغلاف، بدل أن يتركوه هكذا مجردًا من دون اسم مدينة باريس، كما في الصيغة الإنكليزية للعنوان (A Moveable Feast)، وهو ما فطن إليه علي القاسمي مترجم الرواية إلى العربية، أو قد يكون هو الناشر نفسه، في الطبعة الثالثة للترجمة، حين تم فيها الجمع بين العنوانين معًا، فجاء عنوان هذه الطبعة كالتالي: “باريس عيد/ وليمة متنقلة”…
يحدث هذا، بعد كل ما أضفاه همنغواي على باريس من فتنة إبداعية نادرة، وأيضًا بعد كل ما منحته له من نشاط وتوافق مع الحياة، فقد بهرته هذه المدينة التي أعجب بها أشد إعجاب، فلازمته طوال حياته، فخلدها في واحد من أجمل نصوصه السردية، حيث شكلت باريس سنوات العشرينيات بالنسبة لهمنغواي مكانًا مثاليًا ومرتعًا خصبًا للتلقي الأدبي وللإبداع الفني والانطلاق نحو الشهرة، كما تعد السنوات الست التي قضاها فيها همنغواي، الممتدة من 1921 إلى 1926، من أجمل سنوات عمره وأسعدها وأغناها، هو القائل: “إذا واتاك الحظ بما فيه الكفاية لتعيش في باريس وأنت شاب، فإن ذكراها ستبقى معك أينما ذهبت طوال حياتك، لأن باريس وليمة متنقلة” (إرنست همنغواي، من رسالة إلى صديق عام 1950، في مفتتح “الوليمة المتنقلة”).
على هذا النحو، إذًا، تعد رواية “الوليمة المتنقلة”، واحدة من أروع الروايات التي كُتبت عن مدينة باريس، حيث لم يكتب فيها همنغواي عن مدينة من الإسمنت فقط، بل عن مدينة من الذكريات والصداقة والبدايات والأحلام. وإذا كان لكل كاتب “باريسه”، فباريس همنغواي قد تختلف كثيرًا عن باريس غيره من الكتاب الآخرين في العالم، ممن تفاعلوا مع هذه المدينة في رواياتهم وسيرهم الذاتية ورحلاتهم، وهم كثر، بمن فيهم الروائيون العرب أنفسهم، وقد تصاعدت لديهم، في السنوات الأخيرة، بشكل متواصل، كتابة الرواية عن باريس.
ويمكن أن نتتبع، أيضًا، في نص “الوليمة المتنقلة” استعادة بعض السير الموازية والمتجاورة في ما بينها داخل الرواية. فإلى جانب سيرة همنغواي (المشار إليه باسمه الحقيقي في هذا النص) الخاصة والعائلية والكتابية، تحكي “الوليمة” كذلك عن سير مجموعة من الكتاب والفنانين العالميين الآخرين، كما تحكي أساسًا عن سيرة مدينة باريس القديمة والحديثة، بفضاءاتها المفتوحة والمغلقة، من شوارع وأحياء ومقاه ومطاعم وفنادق وأكشاك ومكتبات ومتاحف وحلبات سباق الخيل ومقاه أدبية وصالونات، من أشهرها صالون غرتورد شتاين التي كانت تستضيف فيه شتاين أشهر الأدباء والرسامين، من بينهم همنغواي نفسه، قبل أن تسوء علاقته بها، هو الذي قام بالتأريخ لصالونها في “وليمته”، بعد كل ما قدمته له شتاين من نصائح وتشجيعات على الكتابة والخلق والتعبير بشكل أفضل، بمثل حكيها عن تحوّل فصول مدينة باريس، ووصف جغرافيتها ومسالكها.
هكذا، إذًا، يقدم لنا همنغواي نصًا استثنائيًا طافحًا بالحياة والمعرفة والمتعة، وغنيًا بالمعطيات التاريخية والاجتماعية والأدبية والفنية حول عدد من المحافل والأحداث. كما أنه نص طافح بأشكال الحكي عن عادات الأكل والشرب واللباس والقمار والجنس والسفر، السائدة وقتئذ، إلى جانب حكيه عن سيرة الكتابة القصصية والروائية، كما كانت تتشكل في تجربة همنغواي، أو في تجارب غيره من الكتاب الآخرين، من الأصدقاء وغيرهم ممن أقاموا في باريس، فضلًا عن حكيه، وبجرأة نادرة، عن فن الرسم في تلك المرحلة، وعن مسألة القراءة والانتشار، وقضايا النشر والنقد الأدبي….
تلك هي مدينة باريس، كما عاشها همنغواي، واشتغل فيها وكتب عنها، وتنقل داخل فضاءاتها وعوالمها ومقاهيها وحاناتها ومتاحفها، وأيضًا كما أثرت في حياته وفي ذاكرته الفنية والأدبية والتاريخية. وكأننا بهمنغواي، في هذا النص، يكتب عن باريس انطلاقًا من ذكرياته فيها، على اعتبار أن جلّ كتاباته السردية تنبثق، كما قيل بصددها، من حياته هو، ومما اكتسبه من تجارب وخبرات، ومما خاضه من مغامرات مفرحة ومحزنة، ناجحة ومحبطة، ومما قام به من سفريات وجولات وانتقالات في مجموعة من الأقطار في العالم، بحكم مهماته ونشاطه الصحافي.
من ثم، نجد أن طبيعة “المحكي السيري” الذي يؤطر الفضاء الحكائي لنص “الوليمة المتنقلة”، يجعل منه فضاء سرديًا ينضح بالذكريات والأسماء والوجوه والفضاءات والقراءات والكتب والمغامرات، كما يجعل منه نصًا يبدو بعيدًا عن قالب الرواية، كما كتبها همنغواي في نصوصه الأخرى. فقيمة هذا النص تأتي من طبيعة المادة الحكائية التي يقدمها فيه همنغواي، في سيولة تعبيرية ورشاقة حكائية ممتعة، مستثمرًا فترة إقامته في باريس بتفاصيلها الدقيقة، كما سبق له أن فعل ذلك في نص آخر يحكي فيه عن فترات من حياته وتجاربه، كما قضاها في كوبا. وهذا التوجه العام في الكتابة عند همنغواي، هو الذي يؤطر الأسس الجوهرية لنظريته الأدبية التي كونها في سنوات العشرينيات بباريس، حيث “إن التخييل عنده يجب أن يتأسس على تجربة شعورية، وعلى ثقافة حقيقية”.
وما ساعد إرنست همنغواي، في تمثله الدقيق ورصده الباهر لمدينة باريس، في “وليمته المتنقلة”، كونه يتميّز بحس مرهف، وبقدرة خارقة على التصوير والوصف، والتقاط التفاصيل الصغرى والجزئية. وفي هذا النص نصادف مجموعة من المشاهد التي نخالها تتحرك أمامنا بواسطة كاميرا، وليس بواسطة عين لاقطة وذاكرة حية. كما يشكل هذا النص جزءًا واحدًا فقط عن باريس، كما جاء في نص الوليمة نفسه: “هذه نهاية الفصل الأول من باريس وباريس لن تكون المدينة نفسها مرة أخرى، على الرغم من أنها دائمًا باريس، ونحن تغيرنا، كما تغيرت” (الوليمة المتنقلة، ص 205). ففي تلك الفترة أيضًا، كما تحكي البيوغرافيات التي صيغت بصدد حياة همنغواي، وكما يروي هو نفسه في وليمته، كسب همنغواي صداقة كبار الفنانين والكتاب المهمين، كهنري جيمس، وإزرا باوند، وسكوت فتزجيرالد، وفورد مادوكس فورد، وبيكاسو… هؤلاء، حسب ما ورد في “معجم الكتاب”، هم الذين مكنوه من نشر أعماله وشجعوه على قراءة كيبلينغ، وكونراد، وستيفان كران، وتولستوي، وفلوبير، وموباسان، وستندال. وهؤلاء كذلك أثروا في فكر همنغواي كما في فنه.
هكذا، إذًا، نجد أن باريس لم تكن مجرد مدينة أقام فيها إرنست همنغواي، بل كانت الورشة الحقيقية التي تشكل فيها وعيه، هو الذي وصلها شابًا، فقيرًا ومغمورًا، في مطلع عشرينيات القرن الماضي، وفيها احتك بكبار الأدباء والفنانين الذين كانوا يصنعون الحداثة الأدبية والفنية في النصف الأول من القرن العشرين، ما يعني أن همنغواي لم يرث مجده الأدبي جاهزًا، كما قد يبدو، بل صنعه في مقاهي باريس وشوارعها الضيقة، وعلى ضفاف نهر السين.
لقد رحل همنغواي عن عالمنا، لكن ما يزال هناك، في مكان ما، صياد عجوز يقاوم البحر، وكاتب شاب يكتب في مقهى باريسي، وقارئ يكتشف للمرة الأولى أن الأدب يمكن أن يكون حياةً كاملةً…