هناك «مسألة أرضية» في سوريا، معقّدة وعميقة، وملتهبة أحياناً. أقصد بالمسألة الأرضية اجتماع قضايا العمران وإعادة الإعمار، والملكيات والاستملاكات ووضع اليد، وما تراكم قبل الثورة من عمران غير منظّم، وما أضافته سنوات الحرب الأسديّة على مدن سوريا وبلداتها من دمار وتهجير وانزياحات سكانية. وتدخل في المسألة أيضاً التحولات الهائلة في الاقتصاد الزراعي وآثار التغيّرات البيئية خلال عقدٍ ونصف قبل الثورة ومثلِها بعد اندلاعها؛ والتي غيّرت علاقة ملايين السوريين بالأرض، ودفعت أعداداً كبيرة منهم من الأرياف إلى هوامش المدن وعشوائيّاتها.

على الدونم الواحد، سكنياً كان أم زراعياً أم بينَ بين، قد تتقاطع حقوق ووقائع كثيرة: مالك مسجّل، وساكن فعلي، ووارث غائب، واستملاك لم يُدفع عنه تعويض، وواضع يد وصل قبل عقود أو خلال سنوات ما بعد الثورة. وقد يكون البيت مخالفاً بحسب المخطط التنظيمي، مع أن أصحابه اشتروه وبنوه وسكنوه طوال أعمارهم. وربما كانت الأرض زراعية ثم تحولت فعلياً إلى حي، أو استُملكت لمنفعة عامة لم تتحقق، قبل أن تُصبح محطَّ اهتمام مستثمر حقيقي، أو محل تصوّرات سلطوية عن مستثمر ما سيهتم بها.

في شمال السكة بالرقة نشأ حي كامل فوق أراضٍ زراعية جرى تقسيمها وتداولها بصيغ محلية. استقر فيه سكان وحقوق ووقائع اجتماعية لا تختصرها كلمة «عشوائيات». وفي حمص، ما تزال آثار استملاك بساتين القرابيص عام 1994 لإنشاء «حديقة الشعب» قائمة. رفض كثير من المالكين التعويضات الزهيدة، ثم دخلت الأراضي نفسها في مخيالات «حلم حمص» قُبيل الثورة، نفسه الذي صار بعد سقوط الأسد «بوليفارد النصر»، وعاد الأهالي ليحتجّوا تحت يافطة كُتب عليها «القرابيص لنا إلى يوم القيامة».

وتتعقد النزاعات أكثر حين تتعدد أطرافها، سيما حين تدخل فيها المسألة الطائفية، كما في السومرية على أطراف دمشق.

سوريا بلد مثقل بمسألة أرضية يبدو أن السلطة لا ترى مدى عمقها وتعقّدها، ولا صعوبة وتراجيدية حلّها.

يغيب عن الخطاب والسياسات أيُّ حديث جدي عن استراتيجية وطنية لإسكان ملايين السوريين المقيمين في المخيمات، أو بين أنقاض بيوتهم، أو في عشوائيات مهلهلة. ولا يُلمَس عمل مؤسسي يُناسب حجم نزاعات الملكية وحقوق العودة والحاجة إلى الترميم والسكن الميسّر والبنى الأساسية. يحضر، عوضاً عن ذلك، الاستثمار العقاري بكثافة بوصفه رافعة اقتصادية: منتجعات وفنادق، ومراكز تسوّق على الطريقة الخليجية، ومشاريع سكنية للطبقات الوسطى العليا والأثرياء والمغتربين. وفي سبيل هذا التوجُّه، ثمة همّة في إحياء استملاكات قديمة أو إقرار استملاكات جديدة كان من الحصيف، على الأقل، أن تُجمّد لسنواتٍ.

يحظى مستثمرون عقاريون، ولا سيما الإماراتيون منهم، باهتمام رسمي وإعلامي كبير في زياراتهم وجولاتهم، وتُحلَّل تصريحاتهم اللاحقة على وسائل التواصل وفي مقابلات صحفية بوصفها مؤشرات جوهرية لمستقبل البلد. وهذا الاهتمام بالأسماء الكبيرة هو جزء من هيمنة واسعة للتطوير العقاري وتشييد مساحات الترفيه والتسوّق في ما أُعلن من خطط استثمارية ومذكرات تفاهم ومؤتمرات استثمارية. الرهان هو على مشاريع التطوير الكبرى، التي تراهن بدورها على القفزة في قيمة الأرض وعلى طلب قادم من أصحاب الدخول المرتفعة ومن خارج الاقتصاد المحلي، وفي مصر ومشاريعها اللمّاعة نموذج قريب وحديث. أمّا السوريون الذين يُفترض أن يبدأ الإعمار من سكنهم وعودتهم وعملهم، فالموقع الذي ترسمه لهم هذه الرؤية أضيق بكثير: القسمُ الأكبر يُدبِّر أمره بنفسه، ثم قسمٌ سيعمل في البناء والحراسة إن انطلقت هذه المشاريع؛ وآخرُ مستقبلاً في الفنادق والمطاعم والتجارة والخدمات المرتبطة بالسياحة والتسوّق الموسمي، إن اكتملت، وإن سُكِنت أصلاً بدلَ أن تبقى مغلقةً بيد مضاربين أو كضمانات لسيولة سلاسل متعددة من المستثمرين الماليين.

في مقال عن الموضوع، وصف عبد الحي سيد – محقاً – المرسوم 66 بأنه «تخطيط عمراني بوصفه جريمة حرب». لم تتمسك محافظة دمشق بهذه الجريمة فحسب، بل تلاحق المطالبين بإلغاء المرسوم تحت مسميات من قبيل «المسّ بسمعة وهيبة إدارة عامة». لا. هذا ليس إرثاً معقداً لم يتوافر الوقت بعد لمعالجته، بل قرارٌ سياسي.

كان بشار الأسد قد وضع، قبل الثورة وخلالها، بعض أسُس الطفرة العقارية الممكنة. انسحب النشاط الاقتصادي نحو مراكز المدن، وتركز الاهتمام على الأبنية الأيقونية والساحات والشوارع البارزة كبؤر للاستهلاك ورفع قيمة الأرض، وظهرت مشاريع مثل «حلم حمص»، ثم جاء المرسوم 66 والقوانين التي تلته.

من المنطقي أن تفكر السلطة الحالية في رعاية وتشجيع طفرة عقارية في البلد. أيُّ سلطة تمسك بسوريا ستفكر بذلك. فطبيعة الاقتصاد الإقليمي ومستثمريه، ونمط النهوض الاقتصادي في دول حوض المتوسط (ودورات الركود وانفجار الفقاعات والأزمات المالية المرافقة) تُحتِّم على سوريا أن تتصرّف ضمن سياقه.

قد تكون السياسات الناحية إلى الطفرة العقارية في سياقنا السوري مشكلةً لا بد منها: الاستثمارات الخليجية تميل بطبيعتها إلى العقار والسياحة، وبلدٌ مدمر كسوريا لا يملك ترفَ ألا يعرضَ نفسه على الرساميل المتاحة قربه. ما يجب أن يُقلق سياسياً هو ما بعد ذلك: فوق ماذا ينشأ وعد هذه الطفرة، ومن سيُديرها وكيف، وأيُّ قوى تستطيع ضبطها؟ هذه طفرة تقع، إن وقعت وتجاوزت كونها غمامة مذكرات تفاهم، فوق ملكيات متنازَع عليها، وحقوق غائبين، وبلدات وأحياء مهجّرة، وعشوائيات يسكنها الملايين؛ وتديرها سلطة شديدة التمركز قليلة الشفافية، من دون أثقال مضادة ولا مؤسسات رقابة حقيقية، وبصندوق سيادي يزداد اتساعاً كلما قلّ وضوح دوره. طفرة كهذه لن تُغيّر شكل العمران فحسب، بل ستعيد توزيع الأرض والقيمة والسكان، وإشعاعات الجاه والفساد والإفساد، وستعيد رسم خطوط حيفٍ اجتماعي لن يُخفيها بريق البراندات في مولاتٍ، ولا الألوان الزاهية لريلات المؤثّرين.