بعد أن تنبأت بالعواصف والأوبئة وتقلبات الأسعار، تثبت الخوارزميات أنها سيدة الموقف عندما يتعلق الأمر بالتنبؤ بنتائج المباريات.
لم يعد غريبا أن نقرأ خبرا يقول إن لعبة فيديو توقعت بطل كأس العالم المقبل. شركة “إي.أي سبورتس”، عبر محاكاة أجرتها في لعبتها الشهيرة، رجحت أن يتوج منتخب إسبانيا بلقب مونديال 2026. للوهلة الأولى يبدو الأمر مجرد دعابة، لكن حين نكتشف أن هذه اللعبة أصابت بالفعل في توقع الفائز بأربع نسخ متتالية، يصبح السؤال مشروعا: هل باتت الخوارزميات أكثر دقة من خبراء التحليل الرياضي؟
منذ سنوات، تحولت ألعاب الفيديو من مجرد تسلية إلى منصات تجمع بيانات ضخمة عن اللاعبين والمنتخبات. اللعبة لا تكتفي بتقديم رسوميات جميلة، بل تحاكي الأداء الواقعي بناءً على إحصاءات دقيقة. حين توقعت فوز إسبانيا عام 2010، ثم ألمانيا في 2014، وفرنسا في 2018، والأرجنتين في 2022، بدا الأمر مصادفة. لكن تكرار النجاح أربع مرات متتالية جعل من هذه المحاكاة مادة للنقاش الجدي. فجأة، لم تعد اللعبة مجرد وسيلة لتسلية المراهقين، بل منافسًا غير معلن لمحللي القنوات الرياضية.
إسبانيا تدخل مونديال 2026 وهي تحمل لقب بطولة أمم أوروبا 2024، بعد أن فازت في جميع مبارياتها السبع واختتمت مشوارها بانتصار على إنجلترا في النهائي. يقودها المدرب لويس دي لا فوينتي، ويعتمد على مجموعة من النجوم الذين أعادوا للكرة الإسبانية بريقها: رودري الذي نال جائزة أفضل لاعب في البطولة، لامين يامال الموهبة الشابة المتألقة، داني أولمو، وميكيل أويارزابال صاحب هدف الفوز في النهائي. هذه الأسماء ليست مجرد أوراق على شاشة، بل عناصر حقيقية تمنح التوقعات وزنًا إضافيًا.
لكن خلف هذا التفاؤل، هناك ذاكرة لا تُمحى. بعد تتويج 2010، عانت إسبانيا من إخفاقات متتالية: خروج من دور المجموعات في 2014، ثم وداع من دور الـ16 في 2018 و2022 بركلات الترجيح أمام روسيا والمغرب. هذه السلسلة جعلت كثيرين يشككون في قدرة المنتخب على العودة إلى القمة. غير أن التتويج الأوروبي الأخير أعاد الثقة، وربما منح اللعبة سببًا إضافيًا لترشيح إسبانيا للقب.
التكنولوجيا اليوم لا تكتفي بتسجيل الأهداف، بل تحاول التنبؤ بها. شركات الألعاب تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل آلاف البيانات: سرعة اللاعب، دقة التمرير، قوة الدفاع، وحتى الحالة البدنية. النتيجة محاكاة تبدو أقرب إلى الواقع.
الجمهور يتعامل مع هذه التوقعات بطرق مختلفة. البعض يراها مجرد لعبة لا أكثر، والبعض الآخر يتعامل معها بجدية، خاصة حين تتكرر الإصابة في التوقعات. في المقاهي وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، تتحول هذه الأخبار إلى مادة للنقاش والجدل، تضيف طبقة جديدة من المتعة إلى كرة القدم. فالمباريات ليست فقط ما يحدث على أرض الملعب، بل أيضًا ما يُتخيل ويُناقش خارجها.
في النهاية، سواء صدقت اللعبة أو لا، فإنها تمنح كرة القدم نكهة المستقبل. كرة القدم ستظل لعبة البشر، لكن ألعاب الفيديو تضيف إليها بعدًا جديدًا، يجعل من كل بطولة قصة تُروى مرتين: مرة على العشب الأخضر، ومرة على شاشة مضيئة. وإذا كان المنتخب الإسباني بالفعل في طريقه إلى لقب ثانٍ، فإن اللعبة تكون قد أثبتت أن الترفيه قد يتحول أحيانًا إلى نبوءة.