صدرت حديثًا عن دار زمان للطباعة والنشر والتوزيع رواية “إيثاكا” للروائي والشاعر السوري سليم بركات. غلاف الرواية لوحتان للمؤلف نفسه.
“التاريخ إلى يمين الأسئلة”- هذه العبارة تحضر في حوار بين أشخاص هذه الرواية الضخمة (750 صفحة). البعض يسأل البعض: لماذا ليس على يسار الأسئلة؟ الرواية لا تجيب. إنها مشحونة حتى الانفجار بمواقف مجنونة.
بطل الرواية شخص يوناني هجر زوجته بينيلوبي بعد ولادة ابنه تيليماك بأقل من سنة. التحق بمفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة والعاملة في أفغانستان. بعد سنتين من العمل تخطفه حركة طالبان مع زميل له اسمه إيومينوس، وامرأة فرنسية أفريقية الأصل اسمها إفرا.
يدوم خطف أوديسياس وزميله اليوناني الآخر 14 سنة ينتقل بهما الخاطفون من كهف إلى كهف لتضليل أية جهة تحاول اقتفاءهم. الخاطفون يساومون الأمم المتحدة وقوات التحالف على إطلاق سراح الشخصين، أما زميلتهما إفرا فتتزوج حارسًا أفغانيًا من الحراس بعد سنتين من تنقلهم بين ستة كهوف. وهذه السيدة كما سنعرف من أحاديثها مع الرجلين مهندسة إضاءة في بعض المسارح الفرنسية قبل انضمامها إلى المفوضية. ومن وحي مهنتها الفنية تدور حوارات غنية جدًا ساخرة وعميقة عن كيفية تشكيل ظلال حراسهم على جدران الكهوف لو قامت بتوزيعها هندسيًا باستخدام الإضاءة.
الجانب التراجيدي مبني كله على عودة أوديسياس إلى البيت في جزيرة إيثاكا. إنه لا يجد شيئًا يخصه على الإطلاق. زوجته بينيلوبي التي توقع أنها تنتظر متلهفة لعودته، لا تظهر عليها أية لهفة: عندها ستة عشاق، وسيمون وأغنياء يتنافسون على الفوز بها.
وضعت المرأة الجميلة الجذابة شروطًا لعشاقها في التنافس: مَن منهم يصبر حتى النهاية في علاقتها المفتوحة معهم سيكون شريك حياتها. الصبر هو مفتاح المنافسة. الذين سيخذلهم صبرهم سينسحبون. قد تستمر علاقتها بالستة سنين طويلة. الشرط مفهوم. والمؤلف بركات صبور أيضًا. يكتب عن وجود العشاق معها أربع سنوات صامدين لا يُبدي أحد منهم مللًا. إنهم غير مستعجلين. يقيمون في فندق قريب جدًا من بيت بينيلوبي. فندق يتبع منتجعًا للاستجمام طول السنة. عندهم أعمال يذهبون لإدارتها في المدينة نهارًا ويعودون مساءً إلى الفندق كأنهم يسكنون فيه. وفي نهاية ليلة كل سبت من أيام السَّمر يبقى واحد منهم شريكًا لها في سريرها.
يأتي تتابع الأحداث في الرواية الضخمة على عدة أقسام مدروسة:
القسم الأول هو التحقيق مع أوديسياس في مركز للشرطة عن مجزرة حصلت في بيت زوجته. تحقيق ينحرف في تفاصيله إلى ما يشبه العبث. أوديسياس يتلاعب بالمحققين. يتصرف كأنه غائب عن واقع اليونان الراهن. أو كأنه داخل شيء من أسطورة هوميروس بسبب تكراره لاستحضار اسم طروادة.
القسم الثاني يتعلق بعملية الخطف والاحتجاز 14 سنة في عشرات الصفحات المثيرة. ينقل الخاطفون أوديسياس وصاحبه إيومينوس والسيدة الفرنسية الأفريقية بين ستة كهوف للتمويه على مخبئهم. الرواية لا تخبرنا بما يجري من المفاوضات بين طالبان والأمم المتحدة وقوات التحالف. المهم في السرد هو وقائع الحياة في الكهوف: فصل طويل يزخر بالتفاصيل المرعبة جدًا لثلاثة أشخاص يخضعون لرقابة صارمة على حركاتهم وكلامهم من حراس لا تفاهمَ معهم باللغة.
الوصف السردي وتصوير العلاقة بالإشارات 14 سنة يقدمان مشاهد قوية، ومثيرة في هذا العمل الحساس لصناعة عالم مجنون لا يُحتمل. لكن العلاقة بين الثلاثة المخطوفين تجعل من ذلك العالم محتملًا بالسحر اللغوي، وظرافة الحوارات وجاذبية المواقف، والمفارقات الساخرة حتى يوم إطلاق سراح اليونانيين بطريقة غريبة.
القسم الثالث هو عودة أوديسياس إلى مسقط رأسه جزيرة إيثاكا في اليونان بعد سنوات الخطف الطويلة، ليواجه عالمًا في بيته لا يقل قسوة عما عاناه 14 سنة من الخطف: بيته الذي عاد إليه ليس هو بيته الذي غادره، وزوجته ليست هي الزوجة التي غادرها، وابنه الذي غادره وهو طفل صار شابًا. كلبه فقط يتعرف عليه.
الصدمة العنيفة هي وجود ستة عشاق يتقاسمون سرير زوجته كل أسبوع. اختارتهم بينيلوبي على شرط أن يفوز واحد منهم بها كما ذكرنا سابقًا. العنف ليس خارجيًا في هذا القسم من الرواية. إنه داخلي في قلب أوديسياس المهان، الذي يقبل الإقامة مع صاحبه في كوخ صيفي ملحق ببيته لأن الزوجة رفضت إقامته معها في البيت.
القسم الرابع هو كيف تعرفت بينيلوبي إلى عشاقها الستة دفعة واحدة في مطعم من منتجع على البحر، قريب جدًا من بيتها. وكيف تطور لقاؤها بهؤلاء الستة الأثرياء المقيمين في فندق المنتجع إلى علاقة وضعت شرطًا لاستمرارها هو “الصبر”. المسألة معقدة هنا. علينا أن ننتظر انسحاب خمسة من هؤلاء ليحظى واحد منهم ببينيلوبي شريكة تخصه وحده. إنهم لا ينسحبون. يبدون مستمتعين بسهراتهم في بيتها طوال عدة سنين حتى النهاية الجهنمية بحدوث مجزرة.
القسم الخامس يمتد على عدة فصول من علاقة أوديسياس بعشاق زوجته يسهر معهم ليلة كل سبت. وفي كل ليلة من هذه الليالي يتبادلون حوارات تتَّسم بالسخرية العنيفة وبالتجريح حتى الإهانة. بركات يبني هنا سلسلة من المواجهات النفسية ترتبط حلقة بأخرى حتى التشكيل الدموي للنهاية التراجيدية في الرواية.
أوديسياس وصديقه إيومينوس يضعان الخطط مع استدراج الابن تيليماك، للمشاركة في تنفيذها. ونحن سنتعرف من خلال الرواية إلى شخصية الإبن كشاب مراهق بارع في صيد الأسماك بالقوس والسهم.
الملفت أن شخصية إيومينوس، صاحب أوديسياس، تكاد تكون هي شخصية أوديسياس، أو الوجه الثاني منها: أوديسياس كتوم لم يخرجه الموقف الجارح من وجود العشاق في بيته عن ضبط النفس. إيومينوس أكثر حدَّة. سخريته مهينة ويبدو عنيفًا في الأحاديث. ونحن سنتفاجأ بقوة من إقدام أوديسياس على قتله. الصدمة أننا نظل في صورة واضحة طوال الرواية عن أنهما على انسجام كبير. تيليماك الابن يصعق مما فعله الأب الذي يقدم تفسيرًا غامضًا غير مفهوم لابنه: “لقد هشمتُ المرآة”. ماذا يعني ذلك؟ تكتفي الرواية بإحالة الموقف إلى صيغة ملغزة: “لم يشرح أوديسياس لابنه، في تلك البرهة المتصدِّعة من ثقل القسوة، معنى عبارته؛ وهو ـ قطعًا ـ لن يشرحها لنفسه”.
ما الذي حدث ليقتل الصديق صديقه؟ بين سطور الرواية حدثٌ شديد الاختصار: لقد حصلت علاقة جسدية عابرة جدًا بين إيومينوس وبينيلوبي. لقد حدسَ أوديسياس بحصول ذلك: “أتذوَّقتَ بينيلوبي؟”، تلك هي كلمات يواجه بها صاحبه بطريقة لا يريد المؤلف أن نتوقف عندها بل عند نتيجتها.
أسماء الشخصيات تتوافق مع أسماء شخصيات الأوديسا الكلاسيكية لهوميروس. لكن اسم أوديسياس فيه تحريف خفيف عن اسم بطل الأسطورة أوديسيوس الذي نعرفه في القراءة العربية باسم يوليس. فهل قصَدَ بركات بهذا التحريف أن يفصل بين أوديسا تخصه تجري وقائعها في جزيرة إيثاكا اليوم وبين إيثاكا في أوديسا هوميروس، التي هي محور عودة بطله بعد حرب طروادة ليدافع عن بيته الذي غزاه كثير من المعجبين بجمال زوجته يريدون الزواج منها، وهي تدعي أنها ستختار أحدهم حين تنتهي من نسج سجادة في الحكاية المعروفة.
لا تبحثوا عن أوديسيوس هوميروس في هذه الرواية. لا تبحثوا عن أوديسا هوميروس. بينيلوبي الزوجة مستسلمة لملذاتها مع ستة عشاق. لا تنتظر زوجها. بل تفاجئه حين يعود إلى البيت بسؤال شديد القسوة: “لماذا عُدتَ؟”. أوديسياس محتار مما يجري، منكسر من إحساسه بالإهانة وهو يكتم غضبه حتى اللحظة التي لا يحتمل بعدها أن تستمر المواقف والوقائع على ما هي عليه.
تجدر الإشارة إلى مهنة بينيلوبي: تصنع تماثيل من الطين الفخَّار تشبه نماذج أثرية من أساطير الإغريق، تبيعها لدكاكين الأنتيكات في أثينا. وبين ما تصنعه تمثال ضخم لحصان تتخيله أن يكون على صورة حصان طروادة. أوديسياس سيهشم الحصان في ختام الرواية قطعة قطعة مع مونولوغ متواصل بعد كل ضربة بالمطرقة.
لا يمكن الإحاطة بوقائع هذه الرواية الممتدة على مدى أكثر من 15 سنة في عرض مختصر. هذا عمل يشبه الكلاسيكيات الكبيرة كُتب بعناية كالنحت.
جاء في التعريف بها على الغلاف الخلفي: ” أوديسياس في هذه الرواية ليس أوديسيوس (أوْ يوليسيس) في أوديسا هوميروس، العائد إلى إيثاكا من حرب طروادة، بل هو شخص يوناني، عائد بدوره إلى بيته في جزيرة إيثاكا، بعد اختطافٍ دامَ أربع عشرة سنة في أفغانستان، متطوعًا في المفوضية السامية لشؤون اللاَّجئين التابعة للأمم المتحدة. لا ترحيبَ بنجاته ينتظره، بل جنونٌ يقلب البيت منفجرًا بالجميع: إنها ولادة أوديسا أخرى”.
تجدر الإشارة إلى أن سيرة سليم بركات وهو في منتصف سبعيناته من العمر، بلغت 26 كتابًا شعريًا، و 33 رواية، وسيرتين، و3 كتب خواطر ومقالات أدبية. هي محصلة تزيد عن 62 عملًا حتى الآن.
هنا مقتطفات من هذه الرواية الجديدة خص بها المؤلف منبر “ضفة ثالثة”:
1ـ مضى من الليل بعضُه على ثرثرات العشاق جالسين في بهو البيت. تناست الألسنة غيابَ أوديسياس وابنه، وصاحبه. حضرَ شيءٌ من الحديث عن اختفاء الكلب أرغوس، وعن مسرحية “روميو وجولييت” لم تزل عروضُها قائمةً، ولم تزل الردودُ النقدُ على تفاعلٍ بين استحسانٍ، واستظراف للتحويل الجنسي لهوية روميو إلى أنثى؛ وبين استغراب، واستنكار، ووسطيَّةٍ تُطْري جرأةَ المُخرجة، لكنْ بلا إطراءٍ للإخراج نفْسه.
مضى من الليل بعضٌ آخر من حول المائدة، ثم بعضٌ ثالث من العودة إلى بهو البيت بعد الشَّبَع، على عزفٍ من آدامو يُصغى إليه، وعزفٍ يُغْفَل عنه حين يشتد حصارُ النشوة من الشراب على العقول، فتتوازى الأصواتُ بأحاديثها، وتتقاطع، وتتصالب، وتتعرَّج، وتتقوَّس. الخادمتان أندروميدا، وكاساندرا، لم يستثنهما أنتينوس من مشاركة العشاق، وسيدة البيت، استمتاعهم بالشراب، متماديًا أحيانًا في تقبيلهما من الوجنات وليس من الشفاه، وفي احتوائهما بذراعيه عناقًا ينتقل من جوار إحداهما إلى جوار الأخرى على أريكةٍ استأثرتا بالجلوس عليها.
آدامو نفْسه قلَّدَ، بين وصلة من العزف وأخرى، شريكه في العشق أنتينوس، باحتضان الخادمتين، اللتين استسلمتا للمرح بفائضٍ من اللامبالاة إنْ لُمِستا، أو اعتُنِقتا، أو أطرتهما الكلماتُ متفلِّتةً من حذرها، واضحةَ الإشارات شغفًا إلى جسديهما.
نقلت بينيلوبي بصرها مرارًا بين العشاق متخفِّفين من ضوابط السلوك، كأنهم تلك الليلة في حفلٍ من المجون مباحًا في بلاطٍ من بلاطات الأباطرة الخليعين. لم يكن في نظرتها إليهم حكمٌ على السلوك، أو العبارات العارية. كانت تقلِّب أمام بصرها صفحات السنين من تنافس العشاق الستة عليها، وقد بدوا كأنهم يأخذون ذلك التنافس على سيرورةِ حياةٍ عادية، يسهرون فيها معًا سُمَّارًا راضيْنَ برفقة أحدهم للآخر، وراضينَ بالتعاقب على سريرها ليلةَ كل سبت، فيما يرجعون في أيامهم الآُخر إلى وجودٍ يخصُّهم ولا يخصها.
2 ـ طغى عزفُ آدامو على الأصوات ملتهبَ اللحون، بنقرٍ قوي من أنامله على مفاتيح البيانو، يُنشئ خليطًا من مزج فقرات كلاسيكية بفقرات من الأغاني الشعبية الأميركية. هتفَ:
ـ هذا هو البارثينوس.
أطلقَ آدمو عبارته من غير اكتراثٍ إنْ فُهِمَتْ أم لم تُفهم. ولم يتوقف الآخرون عندها في إصغائهم إلى ذلك التسلسل المتناقض، المتنافر، المتداخل الألحان اجتهدَ آدامو على ربطها ببراعة انتقال بين أزمنةِ موسيقيين على اختلاف عصورهم. عبارته، التي أطلقها بلا سياقٍ كانت اختصارًا لولادة مزْجٍ لا يُباح توليدُه. لكنه نقلَ ذلك المزجَ الموسيقي المُسْتَحْدث إلى مقامٍ يربطه بمصطلح “بارثينوس” (Parthenos)، أيْ: “العذراء المُنْجِب”. إنه لقب الإلهة أثينا البتول، إحدى اللواتي رُصِدَتْ عذريتهم للآلهة. وجرى مصكوكُ “البتول المُنجبة” مستقرًا في سِجلِّ الإنسان للمصطلحات، على معنى ثابت هو “الحَبَل بلا دَنس”؛ أيْ: إنجابُ أولادٍ لا تُنسَب حقيقةُ خَلْقهم إلى جِماعٍ بين الذكر والأنثى. وقد اقتبسَ لسانُ العِلْم هذا النشوءَ الغامض للحَبَل بلغةٍ عضويةٍ من أسرار الطبيعة: “التكاثُر البِكْريُّ”. وهو ما يعني علْميًا التكاثُرَ بلا تزاوج، كتكاثر النحل، وتكاثر أنواع من الأسماك.
كرر آدامو عبارتَه مرارًا في الفواصل الضيقة بين لحن وآخر، مستديرًا من مقعده، اثناء العزف، إلى رفاقه العشاق، وإلى عشيقتهم بينيلوبي:
ـ نحن بارثيييينوس.