ما شهدناه مؤخراً من خطوات سريعة في سياق عملية دمج «قسد» وهيئات ومؤسسات «الإدارة الذاتية» في محافظة الحسكة ومنطقة كوباني/عين العرب ضمن وزارات ومؤسسات الدولة السورية، كان حصيلة توافقات وضغوط إقليمية ودولية، وبالتنسيق والتفاهم مع الإدارة السورية بطبيعة الحال.
فعلى إثر عدم الرضا الذي أعلن عنه الرئيس أحمد الشرع نفسه بخصوص التباطؤ في سير العملية المذكورة، وبعد الاعتداءات التي تعرّض لها العائدون من مهجّري رأس العين/سري كانيه، كان الاعتقاد السائد أن القوى المناهضة لعملية الاندماج، سواء ضمن صفوف حزب العمال، الذي من المفترض أن تعلن الحكومة التركية بصورة رسمية أنه قد حُلّ بالفعل حينما تتأكد من ذلك عبر أجهزتها الأمنية، أم بعض تلك القوى التي تلتحف بالحكومة السورية، ستحاول بشتى السبل عرقلة عملية الدمج، لتظل ممسكة بأوراق ضغط تستخدمها وقت اللزوم.
ولكن ما تم التصريح به بخصوص استكمال عمليات الدمج يشير إلى احتمال تراجع تأثير جناح قنديل مقارنة بنفوذ أوجلان، الذي يبدو أن مساعيه قد تكاملت مع التوافقات الإقليمية والدولية حول هذا الموضوع.
وبمعزل عن الدوافع التي كانت، والمسوغات التي قُدّمت من جانب الحكومة و«قسد»، يُلاحظ وجود ارتياح عام بين السوريين لما آلت إليه الأمور حتى الآن بين الطرفين. هذا مع وجود كثير من الاستفسارات والتساؤلات والهواجس المشروعة التي عبّر عنها الكرد السوريون، والسوريون بصفة عامة، بخصوص ما حصل وما قد يحصل في المستقبل القريب.
أما مبعث الارتياح، فقد تمثّل في رغبة الجميع في عدم تجدد الأعمال القتالية بين قوات الحكومة و«قسد»، وتفكيك خطاب الكراهية بين العرب والكرد؛ وهو الخطاب الذي كان من الواضح، منذ بدايات الثورة السورية، أن بعض القوى المتسلقة هنا وهناك، وبعض الجهات الخارجية، كانت تقف وراءه لتحقيق أهداف خاصة بها، وهي أهداف تتناقض مع مصلحة السوريين بكل مكوناتهم المجتمعية، ومن دون أي استثناء.
ولكن، وباعتبار أننا نمر بمرحلة انتقالية تأسيسية لا يمكن إنجاز مهامها من دون تحقيق العدالة الانتقالية، فلا بد أن نعمل من أجل إنصاف المظلومين وطمأنة الناس، حتى يشعروا بأن ما ضحّوا في سبيله وتطلعوا إليه على مدى نحو عقد ونصف العقد هو في طريقه إلى التحقق.
ويتساءل الكرد، كغيرهم من السوريين، عن إمكانية محاسبة أولئك الذين ارتكبوا الانتهاكات بحقهم، وتسببوا في قتل واغتيال وتغييب الناشطين الكرد في مختلف المناطق، ممن كانوا قد تفاعلوا مع الثورة السورية منذ بداياتها الأولى. كما يتطلعون إلى مساءلة ومحاسبة أولئك الذين كانوا وراء اختطاف القاصرين والقاصرات، وأولئك الذين غضّوا النظر أو تستروا على حالات الاختطاف التي كانت تقوم بها مجموعات «الشباب الثوري – جوانن شورشگِر» تحت مرأى ومسمع مسؤولي «قسد» و«الإدارة الذاتية».
كما يتساءل الناس عن مصير الفاسدين الذين كدّسوا، خلال العقد الماضي، ملايين الدولارات عبر الاحتكار وتجارة الممنوعات والضرائب والإتاوات والتسهيلات والامتيازات وغير ذلك؛ وكل ذلك كان بالتفاهم والتنسيق والتشارك مع سلطات الأمر الواقع التي استغلت دورها الوظيفي واستنزفت موارد المنطقة وأرزاق الناس.
ويتساءلون أيضاً عن سر حفر الخنادق وجدواها ومصيرها؛ تلك الخنادق التي خلخلت البنية العمرانية المتهالكة أصلاً في مدن وبلدات منطقة الجزيرة.
اليوم، هناك قوائم بأسماء آلاف العناصر المرشحين، ممن كانوا ضمن صفوف «قسد» و«الأسايش» وتشكيلات «الإدارة الذاتية»، للانضمام إلى وزارات ومؤسسات ودوائر الدولة في سياق عمليات الدمج الجارية؛ هذا في حين أن شباب تنسيقيات الثورة السورية وأعضاء ومناصري الأحزاب الكردية السورية في مختلف المناطق الكردية ظلوا خارج العملية، بل إن العديد منهم ما زالوا غير قادرين على العودة إلى مناطقهم خوفاً من تعرضهم للاعتداءات والتغييب، خاصة أن هناك سوابق في هذا المجال.
وما يخشاه الناس راهناً هو أن تتحول السلطات المحلية في المناطق ذات الغالبية الكردية، بعد الدمج، إلى سلطات موازية تعلن، من ناحية، ولاءها للدولة السورية وترفع الشعارات الكبرى؛ وتمارس، على الصعيد المحلي من ناحية أخرى، القمع بحق الناس، وتمنعهم من التعبير عن آرائهم وممارسة نشاطاتهم ضمن منظمات المجتمع المدني والهيئات الحقوقية وغيرها، وذلك حتى لا يقترب أحد من سجلاتها المتخمة بالانتهاكات والارتكابات وملفات الفساد.
موضوع حل «قسد»، وتفكيك تشكيلات «الإدارة الذاتية»، خاصة أجهزتها الأمنية، من الأمور التي استقبلها الكرد في المناطق التي عانت من حكم سلطات الأمر الواقع بارتياح وترحاب. ولكن هناك هواجس تتمحور حول إمكانية عودة نفوذ حزب العمال عبر أذرعه السورية بأسماء وواجهات أخرى، خاصة أن القائمين على هذا الحزب خبراء في ميدان إعادة تدوير الكيانات التنظيمية تحت أسماء جديدة براقة، مثل «أخوة الشعوب» و«الشعوب الديمقراطية». وحالياً هناك توجه من قبل الحزب المعني للاتجار بالورقة الكردية السورية بعدما انكشفت أوراقه الأخرى. وليس من المستبعد أن يعمل على تجميع أنصاره مجدداً داخل نطاق حزب سياسي، كردي أو سوري عام، علني، يكون بمثابة واجهة تضليلية تغطي نشاطاته..
ومن بين أهم الأسئلة التي يطرحها الناس في مناقشاتهم المتمحورة حول عملية الدمج، وهي العملية التي أعلن المستشار مصطفى خليل عبدي أنها قد تمت، تأتي الأسئلة الآتية:
هل سيرفع حزب العمال، بغض النظر عن الاسم الذي سيتخذه لنفسه مستقبلاً، يده بالفعل عن واجهاته السورية، ويسمح لها بأن تتصرف فعلياً كقوى كردية سورية تضع برامجها وتضبط سياساتها وفق مقتضيات الخصوصية السورية؟
وهل توجد بالفعل كوادر سورية ملتزمة بالمشروع الوطني السوري ضمن «قسد» وحزب الاتحاد الديمقراطي، كوادر قادرة على فك الارتباط النهائي مع حزب العمال، ولديها الاستعداد لإجراء مراجعة شاملة لسياساتها وممارساتها، والاعتراف بالأخطاء والاعتذار للناس، وإفساح المجال أمام القضاء النزيه المستقل لمساءلة المسيئين ومحاسبتهم، والتصالح مع الضحايا وذويهم، والاعتذار إليهم وتعويضهم بالصيغ المناسبة؟
أم أننا أمام تحوّل، أو تحوّر جديد، فرضته الظروف والضغوط الإقليمية والدولية التي لا يهتم أصحابها كثيراً بمعاناة الناس؟
أسئلة مفتوحة تنتظر الإجابة.
لكن، وبغض النظر عن طبيعة الإجابات التي ستكون، هناك مسؤولية تقع على عاتق الدولة السورية تجاه سائر مواطنيها من جميع الانتماءات والتوجهات. فمن المفترض أن تكون هذه الدولة راعية وحامية ومطمئنة للجميع. وليس من العدل، بأي شكل من الأشكال، أن تنفتح اليوم، لأسباب واعتبارات إقليمية ودولية، على جهة لم تكن يوماً جزءاً من الثورة السورية، بل كانت أداة بيد سلطة آل الأسد لمنع مشاركة الكرد بفعالية في الثورة السورية — وهو الأمر الذي لو حدث في حينه لكان قد عجّل في إسقاط النظام، وهذا ما اعترفت به قيادات حزب العمال وواجهاته السورية — وتُبعد أولئك الذين كانوا مع الثورة منذ بداياتها، وتحمّلوا قمع واجهات حزب العمال، وتعرضوا للطرد والإبعاد والتهديد والحملات الإعلامية؛ في حين أن بعضهم الآخر تعرض للاغتيال والتغييب، وارتُكبت جرائم كبرى في أكثر من مكان ما زالت تنتظر تحقيقات موضوعية نزيهة.
إن حماية السلم الأهلي، وقطع الطريق على احتمالات العنف والعمليات الانتقامية، من الواجبات التي لا يمكن تأجيلها، وهي واجبات لا تكتمل من دون تطبيق العدالة الشفافة المبنية على القوانين.
ولكن الأمر الذي يستوقف أكثر من غيره الآن هو حرص الجانبين، الدولة و«قسد»، على التكتم وعدم الإعلان عن تفاصيل الصفقة التي تمت، والشروط التي كانت، والنقاط الخلافية العالقة التي ما زالت تحتاج إلى مزيد من البحث والمعالجة. وكل هذه المواضيع من حق السوريين معرفتها؛ لأنها تمس مصيرهم ومصير أجيالهم المقبلة.
بقي أن نقول إن القضية الكردية السورية قضية وطنية سورية عامة، لا تُختزل بـ«قسد» أو غيرها من الجهات والتيارات السياسية. وهي قضية تستوجب معالجتها بعقلية انفتاحية استيعابية قادرة على القطع مع المفاهيم والأحكام المسبقة التي رسختها أيديولوجية البعث.
والجدير بالذكر، في هذا السياق، أن المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 يمثل بداية واعدة لمثل هذا الانفتاح؛ بداية تحتاج إلى المثابرة والمتابعة، وتوفير ركائز التطبيق والتطوير.