هل تختلف إيران عن سائر الدول، وما الجامع بينها وبين سواها، دولاً وثورات؟ انطلقت الجمهورية الإسلامية عام 1979 دولةً وثورةً في آن، ساعيةً إلى تثبيت مرتكزات الدولة الدينية وتصدير الثورة إلى محيطها الإقليمي.
كانت البداية في لبنان، ثم العراق واليمن ودول أخرى لم تكن متاحة. أما مع سوريا، فأقامت إيران علاقة وطيدة مع النظام الحاكم الذي رسم حدوداً للنفوذ الإيراني في الداخل السوري، وفتح في المقابل باب “الحزب” في لبنان. وتبدلت الأوضاع مع بشار الأسد، ولا سيما خلال سنوات الحرب في سوريا، حين بات الدور الإيراني ودور الحزب حاجةً ماسة.
أما في فلسطين، فناصرت طهران حركتي حماس والجهاد الإسلامي سعياً إلى تعزيز نفوذها في مواجهة إسرائيل وأميركا من جهة، والسلطة الوطنية الفلسطينية من جهة أخرى، ولم يكن التحرير في صدارة الأولويات.
من جهتها، سعت دول الخليج، شأنها شأن سائر الدول المتاخمة لجار طامح إلى التمدد والنفوذ، في البداية إلى تجنب المواجهة. لكن سرعان ما حصلت القطيعة مع السعودية، ووقع الصدام في البحرين، ومعه بدأت المواجهة الهادفة إلى وضع حد للتمدد الإيراني العسكري والسياسي والديني، الذي بات يُنظر إليه بوصفه تهديداً لدول الخليج.
إسرائيل وإيران: اختلاف الأهداف وتبدل الأدوات
أما إسرائيل، فحالتها مختلفة في الأساس. فقد انتقلت من طموحات “إسرائيل الكبرى” في بدايات الحركة الصهيونية إلى المرحلة الراهنة، حيث تتقدم أولويات الاحتلال والتهويد في فلسطين. وواقعياً، لم يبقَ من مشروع “إسرائيل الكبرى” سوى الشعار، وإن كان رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يستحضره للاستهلاك الدعائي والتهديد. وقد وقّعت إسرائيل معاهدة سلام مع مصر، وبعد سنوات مع الأردن، فيما فككت مستوطناتها في سيناء وأعادت طابا إلى مصر عبر التحكيم الدولي. كما انسحب رئيس الحكومة السابق آرييل شارون من غزة وأزال المستوطنات.
والواقع أنه بعد سقوط النظام في سوريا، سعت إسرائيل إلى التمدد في المناطق المتاخمة للجولان، بالتزامن مع تفاقم الصدام بين دمشق ودروز السويداء. أما في لبنان، فإن إنهاء حالة الحرب مع الحزب يأتي في الصدارة، وليس السلام البعيد المنال لأسباب كثيرة.
لم تكن إيران الدولة التوسعية الوحيدة في المنطقة، بل سبقتها دول عدة، إلا أن طموحاتها تجاوزت المحيط الإقليمي والأدوات التقليدية لبسط النفوذ. في المقابل، أميركا دولة عظمى وتتصرف على هذا الأساس في المنطقة والعالم. لكن مع الرئيس دونالد ترامب، رافع شعار “أميركا أولاً”، وتجاوزت واشنطن حدود المألوف في السياسة الدولية تجاه الحلفاء والأعداء على حد سواء.
إيران أيضاً تبدلت منذ زمن الخميني إلى اليوم. انشغلت في البداية بالحرب مع العراق طوال ثماني سنوات، لكن مع السيد علي خامنئي توسعت الطموحات، وبات الحزب حجر الزاوية في المواجهة، في ظل مفهوم “وحدة الساحات” وتحكّم الحرس الثوري بمفاصل السلطة داخل إيران وخارجها.
من الثورة إلى الحفاظ على النظام
في المحصلة، إيران اليوم دولة سلطوية قائمة على نواة صلبة بقيادة الحرس الثوري، وبغطاء ديني يشبه أي أيديولوجيا في الأنظمة المماثلة. أما الغاية فهي المحافظة على النظام وحماية أصحاب النفوذ، مثلما هو سلوك الحكام في الأنظمة السلطوية المهددة من الداخل أو الخارج. هكذا كانت حال حزب البعث، مثلاً، الذي وصل إلى السلطة في العراق وسوريا عام 1963، وتبدلت أهدافه وأساليبه مع احتدام الصراعات داخل الصف الواحد، ولم يعد قائماً رغم استئثار نواة ضيقة بالسلطة، وصلت في سوريا إلى حد التوريث.
في لبنان، راهنت فئات من اللبنانيين، من مختلف الطوائف والاتجاهات، على الخارج، وبدا جلياً أن مصالح الجهات الخارجية غالباً ما تأتي على حساب لبنان وأطراف الداخل المقربين منها. هكذا كانت الحال مع منظمة التحرير وسوريا وإسرائيل وجهات أخرى، ومثلها الحال اليوم مع إيران.
في المذكرة الأميركية-الإيرانية، كان وقف إطلاق النار المطلوب في لبنان مرتبطاً بالتزام إيران به مع دول الخليج قبل إلزام غيرها. وفي إيران قدرات كبرى تبدأ بالجغرافيا، من المساحة الهائلة إلى مضيق هرمز، وصولاً إلى النفط والقدرات النووية، خلافاً لأوضاع لبنان وقدراته المحدودة.
تبدلت إيران، كما تبدلت المنطقة والعالم، وتبدل لبنان، باستثناء الحزب ورهاناته وخطابه المعلن. تتفاوض إيران لاستعادة سيادتها، بينما السيادة في لبنان، وفق الحزب وإيران، طريقها المواجهات العسكرية التي تجيدها إسرائيل احتلالاً وتوسعاً.
لبنان في قلب الحلقة المفرغة
إنها حلقة مفرغة من الدوران المكلف، ساحتها لبنان، ما دام افتراض البعض أن سياسات إيران وغاياتها لا تتبدل. فأولويات إيران المحاصرة تأتي في الصدارة، مثلما هي أولويات أي دولة. وحتى العقيدة الدينية التي تميز إيران عن سواها تبدلت وظائفها، مقارنة بما كانت عليه زمن الخميني، في ظل الانقسامات الداخلية والمرشد الأعلى الجديد. وسواء كانت المسألة حالة إنكار أو شد حبال بين أجنحة الداخل، فإن المحظور انكسر، والموقف الدولي من إيران بات أكثر وضوحاً وحزماً.
الواضح أن إيران لا تريد التخلي عن السيطرة على مضيق هرمز، وبذلك تعتقد أنّها تقطع الطريق على طرح ملفها النووي الأكثر تعقيداً وهذا غير مؤكّد. هكذا يستعيد الربط حضوره بين إيران وأميركا، وبين لبنان كساحة، ولكن في اتجاهات تخدم مصالح الأطراف جميعها على حساب لبنان.
