وجّهت بيروت، التي كظمت غيظها طوال تلك السنوات، رسالتها اليوم إلى الماضي وإلى من لا يزالون متشبّثين بحباله: الأيّام الجميلة لا بدّ آتية، وبيروت التي تتطلّع إلى المستقبل لا مكان فيها لأحلامٍ ضيّقة تصنعها عقول “ربّات الحِجال”.
في المصيطبة، حيث عرين صائب سلام، وعلى بُعد خطوات من منزل الرئيس الفرنسيّ الراحل شارل ديغول، وأمتار من منزل كمال جنبلاط، وفي المكان الذي تلتقي فيه طلعة “الإنسي” بمقرّ جمعيّة المقاصد، كانت الموقعة البيروتيّة النبيلة تُخاض في مقرّ اتّحاد عائلات بيروت: موقعةٌ تستعيد فيها العاصمة بعضاً من روحها.
أدّى أبناء بيروت صلاة الجمعة في مساجدها، واستمعوا إلى خطبائها في مسجد الأمين مع أمين الفتوى الشيخ أمين الكردي، وفي الحمرا مع الشيخ مصطفى حمادة، وفي الجامع العمريّ مع شيخ قرّاء بيروت محمّد عكّاوي، وفي مسجد المصيطبة وذي النورين، وجامع الإمام عليّ والخاشقجي، ثمّ توجّهوا جميعاً عند الساعة الثانية إلى مقرّ اتّحاد العائلات في شارع مار إلياس.
دخلوا، تعانقوا، واستذكروا ما مضى، وتواعدوا على صناعة ما سيأتي. صوّتوا كما لم يصوّتوا من قبل. انتخبوا على الطريقة البيروتيّة القديمة التي وصفها صائب سلام يوماً من الأيّام بـ”الصوت العقابيّ”. اختاروا من لائحتهم المستقلّة ما يكفي لصنع الانتصار، وأسقطوا منها من رأوا أنّه يشبه الماضي بكثير من الملامح والأخبار، واختاروا من اللائحة المنافسة بضعة من الشباب الكرام.
العائلات تختار روح الشّباب
نعم، اختارت العائلات البيروتيّة روح الشباب: ابن الشعّار وابن الحوت، والصبيّتين القادمتين من آل عضاضة وآل يمّوت. راهنوا على حيويّة ابن القرق وتجربة وليد كبّي، وقالوا: “نحن نواجه الماضي، ولكنّنا لا ننكر الجميل من هذا الماضي”. صوّت البيارتة على صورتهم من دون أيّ تعديل: من يحبّنا نحبّه، ومن يكرهنا نعاقبه. بيروت لأهلها وناسها. نحبّ الجميع، أهل صيدا وإقليم الخروب وطرابلس والبقاع، حتّى من كان منّا يقطن في قرية ميس الريم، لكن إيّاكم أن تمسّوا بقرارنا، فقرارنا لنا.
يقول الله في كتابه الكريم في سورة الحشر: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. نعم، هذا ما يجب أن ينصت إليه من وقف إلى جانب الماضي، فالعبرة في أربع نقاط:
1- خسارة رئيس لائحة الماضي، العزيز محيي الدين كشلي، وكان الأجدر به أن يكتفي بولاية واحدة وأن يسمح للشباب بالتغيير.
2- خسارة كلّ من أحمد هاشميّة، لأنّه لم يُجِد اللعب بقواعد العهود والوعود لبيروت ورجالاتها، ورئيس الهيئات الاقتصاديّة محمّد شقير الذي بدا أنه “هاوي” انتخابات أكثر مما هو ملّم بأصواتها.
3- خسارة المندوب السامي في وزارة الداخليّة جلال كبريت، فمرشّحة عائلته لم تستطِع أن تعبر عتبة الفوز، وتلك رسالة من بيارتة يجيدون المعاقبة والتدبير، وما بقي من حساب مقبلٌ من دون تأخير.
4- الأكثريّة الساحقة من الفائزين هم من الشباب الذين يجيدون استعمال الذكاء الاصطناعيّ، ويجيدون العزف على اللوائح الإلكترونيّة وبرامجها وتقنيّاتها. هم الذين يصنعون الغد، وهم المستقبل الذي ننشده، وليس الماضي الذي لم يعُد لنا ما نستذكر فيه سوى غصّات مزعجة عند كلّ نفير.
انتصرت عائلات بيروت، كلّ عائلات بيروت، فبيروت ليست إرثاً نتقاسمه، بل بيروت لنا جميعاً، فائزين وخاسرين. ومن بداية الأسبوع المقبل، حين ينتخب الفائزون مجلس إدارتهم، يبدأ يوم جديد. الاتّحاد للجميع وسيعمل للجميع. وما تحقّق هو رسالة للجميع، نعم، كلّ الجميع.
