استطاعت منظومة السلطة والدولة العميقة في النظام الإيرانيّ استيعاب الصدمة الأولى التي لحقت بها إثر اغتيال المرشد الأعلى عليّ خامنئيّ، في اللحظات الأولى لبدء الحرب الأميركيّة ـ الإسرائيليّة التي تعرّضت لها إيران. وتمكّنت من تحويل حالة الغضب الشعبيّ التي أعقبت الاغتيال، والناتجة عن تنامي الشعور الوطنيّ والقوميّ الرافض للعدوان على إيران بوصفها وطناً وأرضاً وهويّةً وعلَماً، إلى حالة تعبئة شعبيّة مستمرّة في ساحات العاصمة طهران والمدن الأخرى.
تحوّلت هذه الساحات إلى منابر مفتوحة أمام مختلف الشرائح الاجتماعيّة والسياسيّة للتعبير عن تضامنها ووقوفها خلف إيران في مواجهة الأزمة والتحدّيات الناتجة عن الحرب والتهديدات التي استهدفت البلاد بما تمثّله من هويّة وجغرافيا وسيادة.
في موازاة استمرار العمليّات العسكريّة والضربات التي تعرّضت لها إيران، عملت السلطة وأجهزتها ومؤسّساتها على إعادة ترتيب الأوضاع ووضع الخطط اللازمة لتنظيم مراسم تشييع المرشد بعد إعلان وقف إطلاق النار، وتحويل هذا اليوم، عبر الحشود الشعبيّة، إلى ما يشبه يوم البيعة للنظام والمرشد الجديد، وبداية مرحلة جديدة للجمهوريّة الإسلاميّة.
إيران وتوظيف المذهب في خدمة السّياسة
أمام المشهديّة التي رافقت مراسم التشييع في طهران وقم ومشهد، إضافة إلى المشهديّة العراقيّة في النجف وكربلاء، نجح النظام في توظيف المناسبة باعتبارها حالة تضامن شعبيّ وتحصين للشعور الوطنيّ، وفرصة لإعادة إحياء خطابه الأيديولوجيّ الكربلائيّ القائم على رفض الاستسلام لأيّ شروط قد يفرضها الخصم الأميركيّ، أو لأيّ تسوية تمسّ السيادة والاستقلال السياسيّ والفكريّ لإيران.
إلّا أنّ هذا المشهد أظهر في المقابل جدلاً مختلفاً، وإن كان ذا طابع أيديولوجيّ وعقائديّ، يمكن توصيفه بأنّه صراع بين منطق عقلانيّ في استحضار الماضي وتوظيفه، وبين منطق عاطفيّ غير منضبط يقترب في دوافعه من الحسابات المصلحيّة الضيّقة.
يتداخل في هذا الاستحضار بعدان أساسيّان: الأوّل مصلحيّ يرى في استمرار الخطاب الكربلائيّ وسيلة للحفاظ على المصالح وتعزيز فرص البقاء في السلطة، والثاني أيديولوجيّ يرى في استمرار هذا النهج قدراً تاريخيّاً للجماعة الشيعيّة في معركتها بين الحقّ والباطل. ووفق هذا المنظور، لا تصبح الخسائر، مهما كان حجمها، عائقاً ما دامت تنسجم مع النموذج التاريخيّ المستعاد من كربلاء والغاية النهائيّة المتمثّلة في الوصول إلى المهديّ المنتظر ورفع راية النصر معه.
يجد هذا المنطق تعبيره في المقولة الشهيرة للأمين العامّ الأسبق لـ”الحزب” حسن نصرالله: “نحن قوم إذا فزنا فنحن منتصرون، وإذا استشهدنا فنحن منتصرون”، وهي مقولة تستعيد شعار “إمّا النصر أو الشهادة”، باعتبار أنّ كلا الخيارين يمثّل انتصاراً في الوعي العقائديّ لهذا التيّار.
مقابل ذلك، يبرز المنطق العقلانيّ الأكثر واقعيّة في قراءة الماضي وإسقاطاته على الحاضر، من خلال البحث عن مخارج لا تؤدّي إلى التهلكة، ولا تمسّ في الوقت نفسه جوهر العقيدة والأيديولوجية، كما ظهر سابقاً في استحضار نموذج صلح الإمام الحسن لتسويغ الاتّفاق النوويّ مع واشنطن.
إيران المعاصرة: أيّ خيار بعد الحرب؟
إذا تمّ اعتماد المنهج الإسقاطيّ في استحضار الماضي وقراءته في ضوء الصراع الراهن داخل إيران بين الداعين إلى الاتّفاق مع واشنطن وإنهاء حالة العداء والتحوّل إلى دولة أكثر طبيعيّة في محيطها الإقليميّ والدوليّ، وبين الرافضين لهذا المسار والمطالبين بعدم الثقة بالولايات المتّحدة والعودة إلى المواجهة انتقاماً للمرشد وتحقيقاً للنصر، فإنّ مرحلة ما بعد الحرب وما يرافقها من مفاوضات تضع إيران والنظام أمام ثلاثة خيارات أساسيّة مستندة إلى نماذج تاريخيّة في الموروث الشيعيّ بعد كربلاء:
1 ـ خيار حركة التوّابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي، التي انطلقت بعد أربع سنوات من واقعة كربلاء، سنة (65هـ)، كردّ فعل على الشعور بالندم لعدم نصرة الإمام الحسين، وسعياً للثأر ممّن شاركوا في قتله. وقد رفعت هذه الحركة الرايات الحمر بوصفها رمزاً للانتقام، لكنّها انتهت سريعاً بعدما تمكّنت الدولة الأمويّة من القضاء عليها بسبب اختلال موازين القوّة.
2 ـ خيار المختار الثقفيّ الذي خرج من الكوفة ضدّ الدولة الأمويّة سنة (66هـ)، رافعاً شعار “يا لثارات الحسين”، وتمكّن من الوصول إلى عدد من قادة معركة كربلاء وقتلهم ثأراً للإمام الحسين. إلّا أنّ هذا المشروع لم يحصل على الشرعيّة السياسيّة والدينيّة من الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين، وتحوّل تدريجاً من مشروع ثأر إلى مشروع سلطة بديلة دخل في صراعات معقّدة مع القوى المنافسة، خصوصاً المشروع الزبيريّ بقيادة عبدالله ومصعب ابنَي الزبير. وانتهى هذا المشروع بالقضاء على المختار وأنصاره في معركة دامية مع مصعب في الكوفة، بعدما فشلت محاولاته في تثبيت شرعيّته أو فرض شراكته في الحكم.
3 ـ خيار الإمام عليّ بن الحسين زين العابدين، الذي ابتعد عن الصراع المباشر مع السلطة، واتّجه نحو مشروع بناء الأمّة ثقافيّاً واجتماعيّاً ودينيّاً. وقد ذكرت بعض المصادر الشيعيّة، ومنها كتاب “الكافي” للشيخ الكُلَيني، أنّ الإمام السجّاد بايع يزيد بن معاوية بعد واقعة الحرّة، وهي رواية بقيت موضع جدل داخل الفكر الشيعيّ، حيث يرى البعض أنّها جاءت في إطار التقيّة لا الاعتراف بشرعيّة السلطة.
صراع التّيّارات
حاليّاً، وفي ظلّ الصراع الداخليّ في إيران، تحضر هذه النماذج التاريخيّة الثلاثة في قراءة خيارات المرحلة المقبلة. فأنصار خيار التوّابين يرون في المواجهة والشهادة امتداداً لتجربة الحسين في كربلاء، ويعتبرون التضحية انتصاراً بحدّ ذاتها. أمّا بعض التيّارات ذات الحسابات المصلحيّة، فترى في استمرار المواجهة فرصة لتعزيز نفوذها والحفاظ على موقعها داخل منظومة القرار.
في المقابل، يبدو أنّ التيّار الداعي إلى الحوار والتفاوض وإنهاء حالة العداء، إعادة ترتيب الأولويّات الإيرانيّة في ظلّ الأزمات المتراكمة، هو الأقرب إلى المنطق العقلانيّ الذي مثّله الإمام زين العابدين، من دون التخلّي عن مركزيّة كربلاء في البناء العقائديّ والأيديولوجيّ للنظام.
يحظى هذا الاتّجاه بدعم المرشد الجديد السيّد مجتبى خامنئي، بحكم موقعه بوصفه ولياً للفقيه ومرشداً للثورة والنظام، إلّا أنّه يتعامل بحذر في دفع خياراته إلى الأمام، لتجنّب منح التيّارات الراديكاليّة الرافضة لأيّ تسوية الذرائع اللازمة لمواجهة هذا المسار، ومنع تحوّل الخلاف السياسيّ إلى صراع داخليّ قد يهدّد ما يعتبره النظام مكاسب سياسيّة وعسكريّة واقتصاديّة وفكريّة.
في النهاية، لا يتعلّق الصراع داخل إيران بخيارات سياسيّة مرتبطة بالمرحلة الراهنة فقط، بل يرتبط أيضاً بطريقة فهم التاريخ وتوظيفه. فبينما يرى تيّار أنّ كربلاء تمثّل نموذجاً دائماً للمواجهة والتضحية، يرى تيّار آخر أنّها تجربة يمكن استلهامها لإدارة الصراع بحكمة وواقعيّة. ومن هنا يصبح الاختيار بين هذه المسارات اختباراً حاسماً لقدرة النظام الإيرانيّ على الموازنة بين إرثه الأيديولوجيّ ومتطلّبات الواقع السياسيّ.
