تُكثر السرديّات الإيرانيّة الحديث عن دور العامل الداخليّ الأميركيّ في الاتّجاه نحو الحرب أو التفاوض. تروّج هذه السرديّات لوقائع الوضع الدقيق للرئيس دونالد ترامب قبيل الانتخابات في تشرين الثاني المقبل، وللمراهنة على أن يخسر الأكثريّة في مجلسَي النوّاب والشيوخ. فشل الحزب الديمقراطيّ في استصدار قرار بوقف الحرب على إيران أكثر من مرّة لكنّه قد ينجح لاحقاً… تلتحق أذرع طهران بهذه المراهنة، فصار بعض الممانعين يلبسون ثوب “الخبراء” في أعماق واشنطن. يقولون: انظروا ماذا يجري في الكونغرس! لكنّ هذه السرديّات تحرف الأنظار عمّا يشهده الداخل الإيرانيّ من حراك اعتراضيّ على الحرب.
لطالما اعتمد القادة الإيرانيّون أسلوب المماطلة وكسب الوقت مع الإدارات الأميركيّة المتشدّدة تجاه البرنامج النوويّ وتمدّد “حرس الثورة” في الإقليم، وتحويل البلد المحوريّ إلى ديكتاتوريّة دينيّة عسكريّة، بانتظار مجيء إدارة جديدة تغيّر أسلوبها معهم. لطهران تجارب سابقة تمكّنت خلالها من تحقيق نتائج لمصلحتها في التفاوض مع الإدارات الأميركيّة المتعاقبة. بات انتظار تغيير حاكم البيت الأبيض قاعدة رئيسة في تفاوضها مع واشنطن.
القاعدة الإيرانيّة: انتظار التّغيير بالكونغرس
في حالة ترامب في البيت الأبيض، صارت هذه القاعدة غير ذات فائدة نظراً إلى أنّه يخوض المواجهة مع إيران، بالنيابة عن الدولة العميقة في واشنطن، في سياق استراتيجية التحكّم بمصادر الطاقة من أجل إضعاف اندفاع الصين على الصعيد الدوليّ نحو منافسة أميركا على القطبيّة الأحاديّة… بات الهدف يتخطّى التحكّم باللعبة في الشرق الأوسط وشمال غربيّ آسيا. والقسوة التي قرّر التعامل بها مع طهران باتت حساباتها أوسع أفقاً وأعمق أهدافاً. صارت قواعد التفاوض أو المواجهة السابقة التي اعتمدتها طهران غير صالحة في المواجهة الطويلة النفس مع “الشيطان الأكبر”.
كيف يفهم “الحرس” قاعدة حفظ ماء الوجه
على الرغم من أنّ ترامب تخلّى عن هدف تغيير النظام، أبقى تصميمه على تغيير سلوكه على قاعدة تفاوضيّة أميركيّة مع طهران قائمة على التجاوب مع مبدأ “حفظ ماء الوجه” لحكّام الدولة الفارسيّة.
لذلك تضمّنت “مذكّرة التفاهم” الأميركيّة – الإٍيرانيّة عبارات ملتبسة. أتاحت تلك العبارات لحكّام طهران ممارسة سياسة الإنكار المعهودة بالحديث عن الانتصار. قادت سرديّات “الحرس” عن هزيمة أميركا إلى تصديق قادته الكذبة التي روّجوا لها عن أنّ المذكّرة تشرِّع إدارة مضيق “هرمز”. استتبعت سرديّة الانتظار غلطة قصف سفن سعوديّة وقطريّة وقبرصيّة أدّت إلى إطلاق الحملة العسكريّة الأميركيّة الأخيرة في 11 تمّوز.
استعاض “الحرس” عن مواصلة المواجهة المباشرة بتحريك الأذرع، لا سيما في اليمن والعراق (مع إطلاق “الحزب” المنهك مسيّرة ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ في لبنان)، توفيراً لمزيد من الخسائر. ترافق ذلك مع تنشيط قنوات التفاوض الخلفيّة وإبداء الاستعداد للعودة إلى صيغة إسلام آباد، بموازاة التهيّؤ لفتح مضيق “هرمز”. بلغ الأمر بالمراهقة الحوثيّة وصف المملكة السعوديّة بـ”العدوّ”، واستجلب استهداف طهران لدول الخليج والوجود الأميركيّ في الأردن اشتراك المملكة السعوديّة في التصدّي لها، فيما لوّح ترامب باستدعاء “الاحتياطيّ” الإسرائيليّ.
حراك الدّاخل الإيرانيّ: لا للحرب
لكنّ جبهة أخرى تحرّكت منذ منتصف تمّوز، وهي الجبهة الداخليّة الإيرانيّة، بعكس حسابات “الحرس” الصبيانيّة والتبسيطيّة المراهنة على الداخل الأميركيّ.
أنتج تجدّد الحرب من مضيق هرمز، وتراكم مآسيها المتراكمة اقتصاديّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً، حراكاً أهليّاً ما لبث أن اتّسعت رقعته بصدور بيان موقّع من عشرات المثقّفين والأكاديميّين تحت عنوان “لا نريد الحرب نريد السلام”. وانتشر على مواقع التواصل الاجتماعيّ الإيرانيّة شعار “لا للحرب”. خرق هذا الحراك حالة التضامن القوميّ الإيرانيّ إزاء “العدوّ” التي نشأت بعد اندلاع الحرب في 28 شباط الماضي، والتي جمعت المعارضين والمتشدّدين، والأصوليّين والإصلاحيّين.
”
هجوم الأصوليّين على رافضي الحرب
أطلق الوقوف ضدّ تجدّد المواجهات سجالاً داخليّاً عبّرت عنه الصحف الإيرانيّة منذ منتصف تمّوز الماضي:
- اعتبر رموز الأصوليّين أنّ انتشار شعار “لا للحرب” في الفضاء الإلكتروني الإيراني يطمس الفارق بين المعتدي والمدافع، ويضعف إيران بمواجهة عدوان خارجيّ.
رأت صحيفة “وطن أمروز” الأصوليّة أنّ الدعوة إلى السلام ينبغي ألّا تكون منفصلة عن سياق الحرب، وأنّ السلام هو وقف العدوان وانسحاب أميركا. وربطت بين انتشار هذه الشعارات وبين زعزعة الاستقرار الداخليّ. وحذّرت من استغلال الانقسامات الاجتماعيّة والعرقيّة لإضعاف وحدة إيران.
ذهب بعض الإعلام الأصوليّ إلى حدّ التهليل لاستهداف الحوثيّين المملكة السعوديّة. وحين أعلن ترامب تعليق الضربات لإيران قبل أسبوع، بناء على طلب الوسطاء، واصل الأصوليّون الترويج لـ”إذعان” القوّات الأميركيّة، بعد تعرّضها للخسائر التي دفعتها للبحث عن وقف النار. توقّعت الكتابات الأصوليّة أن تتواصل المواجهة العسكريّة حتى انتخابات التجديد النصفيّ للكونغرس الأميركيّ، معتبرة أنّ نتائجها سيكون لها تأثير مباشر في مسار الصراع.
الإصلاحيّون: الحرب لم تعُد خياراً
- ردّ الذين يطلقُ عليهم تصنيف “الإصلاحيّين” على الحملات ضدّهم بالتأكيد أنّ دعوتهم للسلام لا تعني الاستسلام، وأنّ مفهومهم للسلام يبدأ بالالتفات إلى مراعاة الوضع الداخليّ المأزوم جرّاء الحرب.
أوضحت الصحف الموالية للإصلاحيّين أنّ صدور تصريحات إيرانيّة بشأن قبول السلام والالتزام بأيّ وقف لإطلاق النار (الرئيس مسعود بزشكيان ووزير خارجيّته عبّاس عراقجي) تعكس تهيئة الرأي العامّ لمرحلة تفاوضيّة جديدة. رأى هؤلاء أنّ وقف إطلاق النار يصبّ في مصلحة جميع الأطراف، بما في ذلك إيران، الولايات المتّحدة، دول المنطقة والقوى الاقتصاديّة الكبرى. أكّدوا صراحة في مقالات لهم أنّ “استمرار الحرب لم يعد خياراً مجدياً، والتسوية السياسيّة تمثّل المسار الأكثر واقعيّة في المرحلة المقبلة”.
تحدّثت الأنباء عن تظاهرات في الشارع احتجاجاً على التدهور الاقتصاديّ إلى درجة عدم حصول قطاعات في الدولة ومؤسّسات خاصّة على رواتب موظّفيها.
هل نشهد سباقاً بين الرهان على تأثير الوضع الداخليّ الأميركيّ وبين الرهان على الحراك الداخليّ الإيرانيّ؟
