بدا المشهد الافتتاحيّ للحرب الأميركيّة – الإسرائيليّة على إيران في الثامن والعشرين من شباط الماضي مصمّماً ليكون الضربة القاضية لنظام اعتقد كثيرون أنّه يتهاوى أصلاً بفعل موجات متعاقبة وعارمة من الاحتجاجات وصلت إلى محافظات البلاد الإحدى والثلاثين. كان كلّ من في الشارع المنتفض، وبشكل فرديّ الى حدّ كبير، يعرف جيّداً ما يرفضه. بلغت الأزمة الاقتصاديّة مستويات غير مسبوقة، وتشعّب الاستياء الشعبي ليخرج من دائرة الاعتراض المطلبيّ ويأخذ طابعاً سياسيّاً حيناً وقوميّاً أحياناً، فيما وقف الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب متوعّداً النظام ومتعهّداً للإيرانيّين بأنّ “المساعدة في الطريق”، داعياً إيّاهم إلى حفظ أسماء قتلتهم.
سرعان ما اتّضح أنّ هذا الرفض الواسع لم ينتج تصوّراً سياسيّاً جامعاً لما يجب أن يحلّ مكان النظام: معارضة كثيرة الأصوات قليلة الأدوات، في مقابل سلطة تملك من خبرة البقاء والقمع أكثر ممّا تملك من الحلول لأزمتها الاقتصاديّة وعزلتها، وقوى خارجية تعرف جيّداً ما لا تريده في طهران من دون أن تملك بديلاً جاهزاً.
لماذا صمد النّظام الإيرانيّ رغم تراكم شروط الانهيار؟
منذ ذلك الحين حصل تقريباً كلّ ما اعتادت مطابخ التحليل المتعجّلة تقديمه كوصفات مضمونة لإسقاط الأنظمة. دخلت إيران حرباً قاربت شهرها السادس ضربت فيها الولايات المتّحدة وإسرائيل آلاف الأهداف. قُتل رأس الدولة في اليوم الأوّل وسقط معه عدد كبير من قادة المؤسّسة العسكريّة والأمنيّة كاشفاً عن اختراق إسرائيليّ لم تُعرف حدوده بعد، وانتقلت الجمهوريّة الإسلاميّة تحت النار إلى قيادة جديدة لا يزال مرشدها غائباً وتحوم شكوك جدّيّة حول قدرته على ممارسة صلاحيّاته وحجم السلطة التي انتقلت إلى الحلقة العسكريّة والأمنيّة المحيطة به، فيما تعمّقت الأزمة الاقتصاديّة داخليّاً وتوسّعت مروحة الأعداء خارجيّاً. لكنّ النظام صمد.
بدأ التصدّع يظهر داخل السلطة، فقد بات واضحاً أنّ هناك جناحاً يميل إلى العودة إلى مذكّرة التفاهم مع الولايات المتّحدة التي يعتبر أنّها حقّقت لإيران مكاسب اقتصاديّة ربّما لن تتمكّن من تعويضها لو أفضى الجمود الحاليّ إلى عودة انفجار التصعيد، فيما يرى الجناح الراديكاليّ العقائديّ أنّ التصعيد الأفقيّ والتشبّث بالمطالب يحقّق الهدف الأسمى المتمثّل بإعادة فرض إيران قطباً مهيمناً في الإقليم، وهذا ما سيوفّر للنظام الحصانة الحقيقيّة والمكاسب الوفيرة بغضّ النظر عن الأكلاف الاقتصاديّة والاجتماعيّة التي تترتّب على هذا الخيار في الداخل. وقد بدا التنافر واضحاً بين تصريحات رئيس الجمهوريّة مسعود بزشكيان شبه اليوميّة التي تدعو إلى الوحدة وتنبّه إلى مخاطر الوضع الاقتصاديّ وتدعو إلى إنهاء حالة اللاحرب واللاسلم، فيما تشي التعيينات الأخيرة في مجلس الأمن القوميّ والحرس والباسيج أنّ الخيار البوليسيّ- العسكريّ يتقدّم أكثر.
لكنّ خمسة أشهر من الضربات والحصار والاختراق والتنافر السياسيّ الداخليّ لم تنتج تمرّداً سياسيّاً قابلاً للحياة داخل الدولة، ولم ينشقّ جناح من الحرس ليقدم نفسه وريثاً للنظام، ولم تتحوّل المعارضة في الخارج إلى مركز قرار في الداخل. ولم تظهر مؤشّرات حتّى الآن توحي بأنّ هذا التنافر السياسيّ قد بدأ يترجم في الأجهزة الأمنيّة والعسكريّة تعدّداً في الولاءات، أو رفضاً لأوامر إطلاق النار، أو خروجاً من الثكنات، أو حتّى حدوث تصادم دمويّ أو حوادث أمنيّة أو اغتيالات سياسيّة داخل أجنحة النظام.
وقد شهدت إيران في تاريخها الحديث تحوّلين جذريَّين قاد أوّلهما إلى إنهاء حكم القاجار وثانيهما إلى إنهاء الحكم البهلوي من دون أن يبدو أيّ بديل متاحاً حتّى الآن لإنهاء حكم الإسلاميّين. فلماذا لم تنتج الأزمة الحاليّة رضا شاه أو خمينيّاً جديداً على الرغم من تراكم العناصر التي كان من الممكن أن تفتح طريق التغيير في ظروف تاريخيّة مختلفة؟
حين يظهر البديل قبل سقوط النّظام
حين دخل رضا خان طهران على رأس قوّات القوزاق في شباط 1921 كانت البلاد الخارجة من الحرب العالميّة الأولى أقرب إلى كيان منهك منها إلى دولة مكتملة السيادة ذات خزينة شبه فارغة، وقوّة عسكرية موزّعة الولاءات، وأقاليم تتمتّع بهوامش واسعة من الاستقلال الفعليّ، ونفوذ روسيّ وبريطاني ثقيل فوق ملكيّة قاجاريّة أصبحت تستمرّ شكليّاً أكثر ممّا تحكم.
في هذا الفراغ بدأ صعود الرجل الذي سيصبح رضا شاه. تحرّك من داخل الدولة في ظرف دوليّ ساعد على فتح الطريق أمام انقلاب 1921، فأصبح وزيراً للحرب وحلّ الوحدات العسكريّة المستقلّة وشرع في بناء أوّل جيش إيرانيّ موحّد، ثمّ انتقل إلى رئاسة الوزراء عام 1923. وعندما صوّت مجلس الشورى الوطنيّ في تشرين الأوّل سنة 1925 على عزل أحمد شاه قاجار وإنهاء حكم الأسرة القاجاريّة، لم يكن يخترع قوّة جديدة بقدر ما كان يعترف بميزان قوّة سبق القرار السياسيّ. وبعد أسابيع التأمت الجمعيّة التأسيسيّة لتُتوّجه شاهاً مؤسّساً للدولة البهلويّة.
لم يسقط القاجار ثمّ ظهر رضا شاه، بل ظهر البديل أوّلاً، وبوجوده أصبح إسقاط القاجار ممكناً. والمقصود بالبديل هنا ليس الرجل وحده كرجل عظيم مخلّص، إنّما كقائد لمركز قوّة منظّم إداريّاً وعسكريّاً استفاد من ظرف دوليّ مؤات ليشكّل بديلاً ذا مصداقية للاستحواذ على وظائف الدولة. فالأزمات السياسيّة الكبيرة لا تنتج التغيير لأنّ الدولة القديمة أصبحت سيّئة بما يكفي، بل تحتاج في لحظة ما إلى فاعل من داخل الدولة أو خارجها يستطيع التقاط السلطة المتساقطة منها وسلبها شرعيّة الحكم. وهذا ما حدث مرّة أخرى عام 1979 بطريقة مختلفة تماماً.
لم يمتلك الخمينيّ جيش رضا شاه، لكنّه امتلك شبكة طاعة موازية للدولة امتدّت من المساجد ورجال الدين والبازار إلى الجامعات وعمّال النفط فيما كان الخارج قد بدأ بدوره يتكيّف مع فكرة انتهاء عهد الشاه بدل الذهاب بعيداً في إنقاذه مرّة ثانية كما فعل عام 1953، حتّى صار التوجيه الصادر من ضاحية باريس (حيث كان الخمينيّ يقيم قبل تسلّمه السلطة) قابلاً للتحوّل إلى فعل داخل طهران. اختلف الرجلان في المشروع والأداة، لكنّهما التقيا عند نقطة واحدة: حين أخذ النظام القديم يفقد القدرة، كان هناك بديل واقعيّ يمكن أن تنتقل إليه السلطة. وهذا تحديداً ما تفتقده إيران اليوم، فمن هم في مواقع القرار يتنافسون على كيفيّة إنقاذ الجمهوريّة الإسلاميّة لا على وراثتها. لكي يظهر رضا شاه جديد لا يكفي وجود جنرال قويّ، يجب أن يكون هناك قائد أو مجموعة أو تشكيل مسلّح يستطيع تحويل جزء من أدوات الدولة إلى ولاء جديد له أو لهم، وأن يقنع بقيّة الأجهزة إمّا بالانضمام إليه أو بعدم قتاله.
ذاكرة الثّورة تمنع الثّورة؟
المفارقة أنّ أشهر المرشّحين لوراثة النظام يحمل اسم رضا شاه نفسه. يملك رضا بهلوي حضوراً دوليّاً وقاعدة مؤيّدة في المنفى واسماً لا يحتاج إلى تعريف، لكنّه لا يملك حتّى الآن ما ملكه جدّه: أداة داخل الدولة أو تنظيماً وطنيّاً حقيقيّاً يستطيع تحويل موقف يصدر عنه إلى قرار في وزارة أو إضراب في قطاع حيويّ أو انشقاق في ثكنة. أمّا شخصيّات الداخل الأكثر قبولاً فمحاصرة أو مسجونة، والتنظيمات القوميّة أكثر تماسكاً لكنّها محدودة الجغرافيا، ومنظّمة “مجاهدو خلق” أكثر تنظيماً لكنّ إرثهم يحدّ من قدرتهم على اكتساب شرعيّة وطنيّة. فمن يملك بعض الشرعية لا يملك القوّة التنظيميّة أو العسكريّة، ومن يملك تنظيماً محليّاً لا يملك الشرعيّة الوطنيّة، ومن يملك الدعم الخارجيّ لا يستطيع إثبات امتلاكه الداخل.
عليه لا تكمن أزمة المعارضة في تشتّتها وحده. فبين نقص الشرعيّة ونقص القدرة لم تتمكّن المعارضات الإيرانيّة من تقديم أيّ بديل جماعيّ أو منفرد عن النظام الحاليّ يمكن الاجتماع عليه وتأجيل الاتّفاق على شكل اليوم التالي إلى مرحلة لاحقة. وقد يرجع هذا الاستعصاء إلى ذاكرة عام 1979 نفسها حين انخرط الشيوعيّون ومجاهدو خلق وغيرهم من التشكيلات المعارضة لحكم الشاه مع الإسلاميّين في ما اعتقدوا أنّه ثورتهم جميعاً فانتهى كثير منهم في القبور وعلى المشانق وفي السجون أو المنافي فيما امتلك الإسلاميّون وحدهم الدولة.
قتلت الضربات الأميركيّة والإسرائيليّة قيادات النظام واخترقت مؤسّساته وأضعفته على نحو غير مسبوق، لكنّها دفعت أيضاً ما بقي من الدولة إلى الاحتماء أكثر بالحرس، وزادت من جماعيّة القرار الأمنيّ، وأعادت رجال الخبرة العسكريّة والأمنيّة إلى الواجهة. أضعفت الحرب الجمهوريّة الإسلاميّة، لكنّها قوّت البنية التي تجعل ظهور رضا شاه جديد من داخلها أو خمينيّ من خارجها أكثر صعوبة.
هكذا تراوح إيران في حالة عقم بين سلطة غير قادرة على إيقاف النزيف ومعارضة غير قادرة على تقديم البديل. هي أزمة بلد يعرف على نحو متزايد أنّ النظام القديم لا يصلح لمستقبله، ولا يرى بعد من يستطيع أن يأخذ الدولة منه من دون أن يأخذ إيران معه إلى الهاوية.
