في جوّ مشحون بخمسة عشر عاماً من الدم والخوف والانتظار وعدم اليقين، بدا قصر العدل في دمشق، يوم الثلاثاء الماضي، وكأنّه يحتضن لحظة انتصار تأخّرت طويلاً. ارتفعت الزغاريد والتكبيرات بعد صدور أحكام الإعدام حضوريّاً بحقّ عاطف نجيب وغيابيّاً بحقّ بشّار الأسد وماهر الأسد وعدد من كبار مسؤولي النظام السابق، ورُفعت صور الضحايا ووُزّعت الحلوى، فيما ردّد المحتفلون هتافات تعلن أنّ العدالة وصلت أخيراً إلى من ظلّوا لعقودٍ محرومين منها.
في درعا، حيث انطلقت شرارة الاحتجاجات ضدّ نظام الأسد المخلوع إثر اعتقال عدد من الأطفال، استُعيدت أسماء حمزة الخطيب وأطفال درعا إلى جانب أسماء أوائل الضحايا الذين سقطوا في بدايات الثورة. واختصر أحد المحتفلين المعنى العاطفيّ للحكم بقوله إنّ حمزة الخطيب وأطفال سوريا يستطيعون الآن أن “يناموا مرتاحين”.
من الصعب النظر إلى هذه المشاهد من دون استحضار ما تعنيه للضحايا. فبالنسبة إلى كثيرين، لم يكن عاطف نجيب متّهماً يقف خلف القضبان، ولم يكن اسم بشّار الأسد اسماً يرد في حكم غيابيّ. كان المشهد، في جوهره، انقلاباً في علاقة ظلّت طويلاً على حالها بين الجلّاد والضحيّة: من امتلك سلطة الاعتقال والقتل والإخفاء أصبح هو نفسه محكوماً، ومن عاش عاجزاً حتّى عن السؤال عن مصير ابنه، وجد نفسه هذه المرّة يُصغي إلى حكم يصدر بحقّ أحد رموز المنظومة التي سلبته إيّاه.
لهذا تحمل هذه الأحكام قيمة رمزيّة كبيرة، لا ينبغي إنكارها أو التقليل من شأنها . غير أنّ هذه الرمزيّة لا تلغي السؤال الأكثر صعوبة: هل تكفي إدانة الجلّاد بحدّ ذاتها لكي تتحقّق العدالة، أم يقتضي إنصاف الضحايا أيضاً أن تكون المحاكمة على قدر من الصلابة والنزاهة، وهو ما يجعل أحكامها قادرة على الصمود بعد أن تهدأ الهتافات وتخفت مشاعر اللحظة؟
يمكن النظر إلى الحكم على الأسد بوصفه اعترافاً قضائيّاً مهمّاً، لكنّه لا يرقى وحده إلى محاسبة مكتملة. فالاختبار الحقيقيّ يبدأ عندما يمثل المتّهم أمام القضاء، وتُعرض الأوامر وسلسلة القيادة والأدلّة والشهادات، وتُثبت مسؤوليّته الفرديّة في محاكمة مستقلّة لا تحتاج إلى الرمزيّة كي تبرّر قوّتها.
تحقّقت القيمة النفسيّة لهذا الحكم، إلى حدّ كبير، مع انتقال أسماء ارتبطت طويلاً بالسلطة المطلقة إلى خانة المتّهمين والمحكوم عليهم. أمّا قيمته القضائيّة فستُقاس بقدرته على الصمود أمام القانون ومعاييره، لا بمدى صداه في الشارع أو تأثيره في لحظة الاحتفال.
حين تسبق الإدانة بناء العدالة
هنا يكمن واحد من الإشكالات في هذه المحاكمة: محاكمة جرائم دوليّة شديدة التعقيد بأدوات قانون جزائيّ وطنيّ لم يُصمّم أصلاً لهذا النوع من الجرائم.
إذ لا يزال القانون السوريّ يفتقر إلى منظومة جزائيّة متكاملة تُعرّف الجرائم ضدّ الإنسانيّة وجرائم الحرب، وتحدّد أركانها وأنماط المسؤولية عنها، بما في ذلك مسؤوليّة القادة. وفي المقابل، استند الحكم إلى مزيج من قواعد القانون الجنائيّ الدوليّ ونصوص من القانون الجزائيّ السوريّ. لكنّ الإشكال لا يكمن في استخدام توصيفات قانونيّة واسعة، بل في ضرورة وجود أساس قانونيّ واضح يحدّد بدقّة أركان الجريمة، والأسس التي تقوم عليها المسؤوليّة الفرديّة عنها.
لا تتحقّق عدالة الضحايا برفع سقف التوصيف وحسب، وإنّما ببناء اتّهام يستند إلى أساس قانونيّ متين يصمد أمام الاختبار القضائيّ.
لا يتوقّف الأمر عند التكييف القانونيّ. فقد أثيرت انتقادات إجرائيّة تتعلّق بسرعة الاستماع إلى الشهود، مدى اختبار شهاداتهم، وفاعليّة حقّ الدفاع. وتصبح هذه الملاحظات أكثر خطورة عندما تكون النتيجة حكماً بالإعدام. فالعقوبة التي لا يمكن التراجع عنها تفترض محاكمة لا تترك مجالاً معقولاً للشكّ في سلامة إجراءاتها.
قد لا يثير عاطف نجيب أيّ تعاطف، لكنّ ضمانات المحاكمة العادلة لا تُختبر عندما يكون المتّهم مقبولاً اجتماعيّاً، بل عندما يكون مكروهاً ويبدو الحكم الأخلاقيّ عليه محسوماً سلفاً. وفي مثل هذه الحالات تحديداً، يجب أن يثبت القضاء أنّه قادر على الفصل بين ما هو ثابت في الذاكرة السياسيّة والتاريخيّة وبين ما يستطيع إثباته قانونيّاً في حقّ متّهم بعينه.
تطرح عقوبة الإعدام إشكاليّة أخرى. فهي قد تعقّد تسليم بعض الفارّين من دول ترفض هذه العقوبة، وتنفيذها بحقّ إعدام عاطف نجيب قد يحرم مسار العدالة من معلومات محتملة عن سلاسل الأوامر ومصائر المعتقلين والمختفين. لا تتعلّق العدالة الانتقاليّة بالعقاب وحده، وإنّما تشمل أيضاً كشف الحقيقة، توثيق المسؤوليّات، وفهم مصائر الضحايا.
العدالة ليست مشهد انتصار
هنا ينبغي التوقّف عند الفارق بين مشاعر الضحيّة ومسؤوليّة المحكمة. فمن حقّ أمّ فقدت ابنها في فرع أمنيّ ما أن تزغرد عندما تسمع اسم عاطف نجيب مقروناً بكلمة “محكوم”، ومن حقّ طفل درعا الذي أصبح رجلاً أن يشعر بأنّ شيئاً من كرامته عاد إليه عندما يرى أحد رموز الأجهزة الأمنيّة خلف القضبان، وإن لم يكن من الفرع نفسه الذي اعتقله.
ليس مطلوباً من الضحيّة أن تكون محايدة تجاه جلّادها. لكنّ المحكمة مطالبة بشيء مختلف تماماً: أن تحتكم إلى النصّ والدليل والمسؤوليّة، وأن تطبّق هذه المعايير نفسها على كلّ متّهم، بصرف النظر عن اسمه أو موقعه أو مقدار الكراهية التي يثيرها.
لهذا كانت الهتافات في قصر العدل مفهومة. وكانت فرحة الضحايا الأحياء حقيقيّة ولا ينبغي انتزاعها منهم. لكنّ الخطأ يبدأ عندما تتحوّل هذه اللحظة إلى إعلان أنّ العدالة الانتقاليّة قد تحقّقت.
ما جرى يمكن أن يكون لحظة مهمّة في مسار أطول، لكنّه لا يغني عن كشف مصير المفقودين، حفظ الأدلّة، تحديد المسؤوليّات، تعويض الضحايا، إصلاح المؤسّسات، ومنع تكرار الجرائم.
أفضل وفاء لفرحة الضحايا ليس القول إنّ العدالة اكتملت، بل بناء مسار من الصلابة بحيث لا يستطيع خصم سياسيّ، ولا محكمة في الخارج، ولا مؤرّخ في المستقبل وصفه بأنّه عدالة للمنتصرين فقط.
الضحايا لا يحتاجون إلى أحكام أقسى فقط، بل إلى عدالة أقوى.
