
أعادت إيران طرح فكرة جمع الدول والمناطق الناطقة بالفارسية ضمن إطار واحد، مقدمة إياها بوصفها مشروعاً يقوم على اللغة والتاريخ والأدب والتراث الحضاري المشترك. لكن توقيت المبادرة، وسط تصاعد المنافسة مع تركيا على النفوذ في آسيا الوسطى، يجعل من الصعب النظر إليها باعتبارها ثقافية فقط. فطهران تبدو كأنها تختبر إمكان تحويل القرابة اللغوية إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي، على غرار ما فعلته تركيا من خلال منظمة الدول التركية.
مشروع قديم يعود في سياق جديد
في شهر آب/ أغسطس الحالي، اقترح النائب الأول للرئيس الإيراني محمد رضا عارف، خلال اجتماعه بوزير الطاقة والموارد المائية الطاجيكي دلير جمعة، إنشاء اتحاد للدول والمناطق الناطقة بالفارسية. ودعا إلى متابعة الفكرة بجدية خلال اللقاءات والزيارات المقبلة بين مسؤولي إيران وطاجيكستان.
لم يحصر عارف المبادرة في المجال الثقافي، بل ربطها بتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري والعلمي، إضافة إلى الطاقة والسياحة. وهذا ينقل المقترح من الاحتفاء بهوية مشتركة إلى محاولة منحها مضموناً مؤسسياً ومصالح عملية.
ولا تعد الفكرة جديدة. فقد شهد عهد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد اجتماعات ومقترحات تعاون جمعت إيران وطاجيكستان وأفغانستان. لكنها لم تتحول إلى منظمة فاعلة بسبب الخلافات السياسية وتغير الحكومات وضعف الروابط الاقتصادية.
وتعود المبادرة بعد تحسن العلاقات بين طهران ودوشنبه، اللتين تجاوزتا مرحلة توتر، وفي السنوات الأخيرة وسع البلدان التعاون في التجارة والطاقة والنقل والأمن، وألغيا تأشيرات السفر الجوي ضمن شروط محددة، ووقعا عشرات مذكرات التفاهم. ومن ثم توفر العلاقات الثنائية قاعدة أكثر ملاءمة لإحياء المشروع، وإن لم تعلن طاجيكستان موافقتها على إنشاء الاتحاد.
لكن لغة مشتركة لا تصنع كتلة متماسكة
تتكون النواة الأساسية للمجال الفارسي من إيران وطاجيكستان وجزء كبير من أفغانستان. فالفارسية الإيرانية والدارية الأفغانية والطاجيكية تنتمي إلى أصل لغوي واحد، لكن عقوداً من التطور السياسي المنفصل أوجدت اختلافات مؤسسية وثقافية عميقة. يستخدم الإيرانيون والأفغان الحرف الفارسي العربي، بينما تكتب الطاجيكية بالأبجدية السيريلية نتيجة الإرث السوفييتي.
كما توجد جماعات ناطقة بالفارسية خارج هذه الدول، ولا سيما في سمرقند وبخارى داخل أوزبكستان. وربما يفسر ذلك استخدام عارف تعبير الدول و”المناطق”. غير أن إدخال جماعات داخل دول أخرى في مشروع تقوده طهران قد يثير حساسيات مرتبطة بالسيادة والهوية الوطنية.
وتبقى أفغانستان العقبة الأكبر. فالدارية لغة رسمية ويتحدث بها قطاع واسع من السكان، لكن حكومة طالبان لا تحظى باعتراف دولي واسع، كما تحكم علاقاتها مع إيران وطاجيكستان خلافات حول المياه والأمن والجماعات المتشددة ووضع الطاجيك والهزارة. وقد امتنعت كابول عن حضور اجتماع إقليمي استضافته طهران في كانون الأول/ ديسمبر 2025، ما يكشف صعوبة إنشاء اتحاد فارسي من دون شريك أفغاني مستقر.
نموذج تركي يصعب استنساخه
يصعب فصل المبادرة عن صعود منظمة الدول التركية، التي تضم تركيا وأذربيجان وكازاخستان وقرغيزستان وأوزبكستان، إلى جانب مراقبين من بينهم تركمانستان والمجر. فمنذ تحولها من المجلس التركي إلى منظمة عام 2021، توسع نشاطها من الثقافة واللغة إلى الاقتصاد والنقل والطاقة والأمن والإعلام والتكنولوجيا.
وفي قمة غابالا عام 2025، أعلنت المنظمة تنسيق التعاون في أكثر من 40 قطاعاً، واعتمدت صيغة OTS+ للانفتاح على شركاء من خارجها، كما تستفيد من الممر الأوسط الذي يربط الصين وآسيا الوسطى بتركيا وأوروبا، بعيداً عن الأراضي الروسية والإيرانية.
وتمثل طاجيكستان الحلقة الأكثر أهمية في التصور الإيراني، فهي الدولة الوحيدة ذات الغالبية الناطقة بالفارسية في آسيا الوسطى، وسط فضاء تهيمن عليه اللغات التركية. ويمنح التعاون معها طهران منفذاً رمزياً وسياسياً إلى وسط آسيا، بينما يمنح دوشنبه طريقاً إضافياً إلى الموانئ والأسواق الإيرانية.
لكن العلاقة غير متكافئة في أهدافها، تريد إيران تحويل التقارب الثقافي إلى نفوذ إقليمي، فيما تنظر طاجيكستان إليه غالباً باعتباره وسيلة لتنويع شركائها، لا أساساً للانضمام إلى محور تقوده طهران. فهي حريصة على علاقاتها مع روسيا والصين وتركيا والغرب، وقد ترحب بالطاقة والاستثمارات والموانئ الإيرانية من دون قبول اصطفاف سياسي.
من هذه الزاوية، يبدو الاتحاد الفارسي محاولة أولية لصناعة ثقل يوازن اتساع الحضور التركي. لكن وصفه بأنه كتلة مضادة لأنقرة سيكون سابقاً لأوانه، فطهران لم تقدم ميثاقاً أو قائمة أعضاء أو ميزانية أو جدولاً زمنياً.
وقد يبقى المشروع في المدى القريب مظلة للفعاليات الثقافية واللجان الاقتصادية. ومع ذلك، تكشف المبادرة أن إيران لا تريد ترك المجال الثقافي في آسيا الوسطى للنفوذ التركي وحده. لكنها لا تزال تعرض هوية تبحث عن مؤسسة، في مقابل منظمة تركية أصبحت تملك أعضاء ومشروعات وممرات تجارية وأجهزة تعاون قائمة بالفعل.