بعد منتصف الليل، اقتحمت قوة أمنية منزل شاهو في طهران. ضربه أفرادها أمام عائلته، ثم اقتادوه من دون أن يقولوا إلى أين.
قال والده لـ”الحرة”، وهو رجل كردي يقيم في العاصمة الإيرانية منذ سنوات: “داهموا منزلنا بعد منتصف الليل، وانهالوا على ابني بالضرب، ثم ساقوه إلى جهة مجهولة”.
مضى نحو أسبوع، ولا تزال العائلة تجهل مكان احتجازه.
وتعكس قصة شاهو طريقة شائعة من الاعتقالات التي يقول ناشطون ومعارضون إيرانيون إنها تصاعدت منذ مطلع العام، واستهدفت متظاهرين وناشطين وشبانا سبق أن شاركوا في احتجاجات أو أنشطة سياسية.
وبحسب هؤلاء، تنفذ استخبارات الحرس الثوري، بالتعاون مع قوات الباسيج، مداهمات ليلية في أحياء سكنية بعدد من المدن، فيما اضطر بعض المطلوبين إلى تغيير أماكن إقامتهم أو مغادرة مدنهم، وتمكن عدد محدود منهم من الفرار إلى تركيا وأذربيجان وإقليم كردستان العراق عبر طرق تهريب، بعد تشديد الرقابة على الحدود.
ويقول ناشطون يتابعون ملفات المعتقلين ويتواصلون مع عائلاتهم إن عدد من اعتقلتهم الأجهزة الأمنية خلال الأشهر السبعة الماضية قد يتجاوز عشرة آلاف شخص. لكن تعذر الوصول إلى السجون والمعتقلات، وغياب إحصاءات مستقلة شاملة، يجعلان من الصعب التحقق من العدد.
وتشمل الاتهامات الموجهة إلى المعتقلين، بحسب المصادر، “المحاربة”، والتعاون مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، والمشاركة في أنشطة سياسية أو أمنية ضد النظام.
وقال الناشطون إن كثيرا من المعتقلين نُقلوا في البداية إلى مراكز احتجاز تابعة لاستخبارات الحرس الثوري، قبل إحالتهم إلى محاكمات وصفوها بأنها سريعة وتفتقر إلى الضمانات القانونية.
اعتقال للمرة الثانية
قال والد شاهو إن هذه هي المرة الثانية التي تعتقل فيها السلطات ابنه خلال العام الحالي.
وأضاف: “في المرة الأولى، اعتُقل بعد مشاركته مع عدد من أصدقائه في التظاهرات التي شهدتها طهران ومدن أخرى مطلع العام. وبعد نحو شهر من الاحتجاز، تمكنت من إطلاق سراحه بعد دفع مبلغ مالي كبير”.
أما هذه المرة، فلا يعرف مكانه.
وقال إنه تواصل، عبر وسطاء، مع مسؤولين وعدوا بالبحث عن مكان احتجاز ابنه وإبلاغه مقابل المال.
ولا يخفي الأب خشيته من أن يُحكم على شاهو بالإعدام أو السجن المؤبد، لكنه ما زال يأمل في أن يتمكن من إطلاق سراحه مرة أخرى.
وتقول عائلات وناشطون إن السلطات لا تعلن العدد الكامل للمحتجزين، وتصدر من حين إلى آخر بيانات تتحدث عن تفكيك “شبكات تجسس” مرتبطة بإسرائيل، في حين يقول معارضون إن بعض من تشملهم هذه البيانات ناشطون ومتظاهرون.
لكن المتحدث باسم السلطة القضائية الإيرانية، أصغر جهانغير، أقر في يونيو بأن آلاف الأشخاص اعتُقلوا منذ مطلع العام على خلفية قضايا أمنية وسياسية.
وقال جهانغير لوكالة “فارس” إن الأجهزة الأمنية اعتقلت 3292 شخصا حتى يونيو، بتهم شملت التجسس، والتعاون مع حكومات معادية، وممارسة أنشطة سياسية مناهضة للنظام.
وأضاف أن 684 شخصا خضعوا للمحاكمة بتهمة تنفيذ عمليات لصالح إسرائيل، وأن 657 آخرين حوكموا بتهمة التعاون الاقتصادي أو المالي أو التقني معها، فيما حوكم 21 شخصا بتهمة تقديم المساعدة لإسرائيل.
وقال أيضا إن 1258 شخصا صدرت بحقهم أحكام في قضايا مرتبطة بأنشطة سياسية أو إعلامية أو دعائية، وإن 193 شخصا حوكموا بسبب استخدام أو حيازة أو شراء أو بيع أجهزة إلكترونية أو معدات اتصال بالإنترنت من دون ترخيص.
وبحسب جهانغير، أصدرت السلطات 1061 لائحة اتهام في هذه القضايا، وحددت مئات الممتلكات المنقولة وغير المنقولة تمهيدا لمصادرتها.
إعادة اعتقال ناشطين سابقين
وقال جميل أحمدي، وهو ناشط سياسي كردي معارض يقيم في أوروبا، إن جانبا من الحملة الحالية يستهدف أشخاصا سبق أن اعتُقلوا بسبب مشاركتهم في احتجاجات سابقة.
وأضاف لـ”الحرة” أن “الاعتقالات التي تجري الآن تشمل إعادة اعتقال ناشطين ومتظاهرين سبق توقيفهم، كما تستهدف أشخاصا كان لهم دور في قيادة الاحتجاجات أو تنظيمها ولم يُعتقلوا في ذلك الوقت”.
وقال أحمدي إن السلطات تستغل فترات الهدوء وتراجع حدة المواجهة الخارجية لملاحقة الناشطين ومحاكمتهم.
وأضاف أن عددا من الذين أُعدموا في الفترة الأخيرة كانوا قد شاركوا في احتجاجات، خصوصا المظاهرات التي شهدتها البلاد مطلع العام.
وتشير وسائل إعلام إيرانية رسمية إلى أن الأجهزة الأمنية تعتمد في بعض هذه القضايا على قانون مكافحة التجسس، الذي أقر مجلس الشورى نسخة معدلة منه في يوليو 2025.
وينص القانون على عقوبات قد تصل إلى الإعدام ومصادرة الممتلكات في حالات التعاون الاستخباراتي أو التنفيذي مع جهات تصنفها إيران معادية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل.
الأكراد ضمن الأكثر تعرضاً للاعتقال
وبحسب إحصاءات قدمتها منظمة “هانا” الحقوقية، ومقرها كندا، اعتقلت السلطات منذ مطلع العام ما لا يقل عن 720 مواطنا كرديا في مدن كردستان إيران.
وقالت المنظمة، المتخصصة في توثيق الانتهاكات الحقوقية في إيران، إن من بين المعتقلين 38 امرأة و34 قاصرا وثمانية ناشطين بيئيين، وإن ثمانية أشخاص صدرت بحقهم أحكام بالإعدام خلال الفترة نفسها.
وقال رئيس المنظمة، حميد بهرامي، إن الإجراءات الأمنية المشددة لم ترفع خطر الانتهاكات فحسب، بل جعلت رصدها وتوثيقها أكثر صعوبة.
وأضاف لـ”الحرة”: “يتشابه نمط كثير من هذه الاعتقالات مع المخاوف التي تثيرها منظمات حقوق الإنسان سنويا، ومنها الاحتجاز من دون أمر قضائي، وعدم إبلاغ العائلات بأماكن وجود المعتقلين، والحرمان من الاستعانة بمحام، والاستجواب داخل مراكز أمنية”.
وقال إن هذه الممارسات “تحول الإجراءات القانونية إلى أداة للقمع”.
اختفاء قسري وتعذيب
وفي بيان صدر في 29 أبريل، قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، إن السلطات الإيرانية اعتقلت أكثر من أربعة آلاف شخص بتهم تتعلق بالأمن القومي بين 28 فبراير ونهاية أبريل 2026.
وأشار إلى أن كثيرا من المحتجزين تعرضوا للاختفاء القسري أو التعذيب أو غيره من ضروب المعاملة القاسية أو المهينة، بما في ذلك انتزاع اعترافات بالإكراه وعرض بعضها على التلفزيون، إضافة إلى تنفيذ عمليات إعدام وهمية.
وقال إن أفراد الأقليات الإثنية والدينية، ومن بينهم البهائيون والزرادشتيون والأكراد والبلوش، كانوا أكثر عرضة للخطر.
وبحسب البيان، نقلت السلطات عشرات السجناء إلى مواقع مجهولة من دون تقديم معلومات عن مصيرهم، ومن بينهم المحامية البارزة في مجال حقوق الإنسان نسرين ستوده.
ووصف تورك أوضاع الاحتجاز بأنها مروعة، مشيرا إلى الاكتظاظ الشديد، والنقص الحاد في الغذاء والماء ومستلزمات النظافة والأدوية، وحرمان محتجزين من الرعاية الطبية.
ولا تزال عائلة شاهو، بعد نحو أسبوع على اعتقاله، لا تعرف أين يُحتجز أو ما إذا كان ستسمح السلطات برؤيته.