
تمتد الحدود بين تركيا وإيران لنحو 560 كيلومتراً. لكن الرقم الأكثر إثارة ليس طولها، بل عمرها. فمنذ معاهدة قصر شيرين عام 1639 استقر الخط العام الفاصل بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، وإن احتاج ترسيمه الدقيق لاحقاً إلى اتفاقات وتسويات امتدت قروناً. سقطت الإمبراطوريات وتبدلت الأنظمة، فيما بقيت الجغرافيا على حالها تقريباً.
لم يكن ما سبق ذلك هادئاً. فمنذ صعود الدولة الصفوية مطلع القرن السادس عشر، دخل العثمانيون والصفويون حروباً طويلة امتزج فيها الصراع على العراق والأناضول والقوقاز بالمنافسة الإمبراطورية والانقسام المذهبي. وكانت جالديران عام 1514 إحدى لحظاتها المؤسسة. إذ على الرغم من انتصار السلطان سليم الأول العثماني على الشاه إسماعيل الأول، ودخول العثمانيين إلى تبريز لفترة قصيرة، فهم لم يعملوا على القضاء على الدولة الصفوية.
لكن ما استقر لاحقاً كان أهم من الحدود نفسها. فقد تعلمت قوتان متجاورتان، لكل منهما مشروعها وطموحها، أن أياً منهما لا تستطيع إلغاء الأخرى. ومنذ أن توقفت المدافع العثمانية–الفارسية عن رسم الحدود، لم يتوقف التنافس؛ الذي تغير تدريجياً هو طريقة إدارته.
فالتاريخ التركي–الإيراني ليس تاريخ صداقة، بل تاريخ تعلم طويل لكيفية إبقاء المنافسة دون مستوى الحرب.
التنافس داخل الحدود والحفاظ عليها
لم تختف أسباب المنافسة في العصر الحديث. تتقاطع مصالح تركيا وإيران في العراق وسوريا والقوقاز وآسيا الوسطى، وفي الطاقة، والتجارة، والمياه، والممرات. لكنهما طورتا قدرة لافتة على فصل الملفات ومنع الخلاف في أحدها من ابتلاع العلاقة كلها.
العراق نموذج واضح. فقد بنت إيران بعد 2003 نفوذاً واسعاً داخل النظام السياسي والقوى الشيعية والفصائل المسلحة، فيما ركزت تركيا على أمن حدودها، وحزب العمال الكردستاني، والتركمان، والطاقة والتجارة وإقليم كردستان.
لكن الدولتين التقتا ضد استقلال الإقليم عام 2017. فالتنافس على النفوذ داخل العراق شيء، وتغيير حدوده وقيام دولة كردية مستقلة شيء آخر.
ولهذا حذر وزير الخارجية التركي حاقان فيدان، خلال حرب 2026، من إشعال صراع داخلي في إيران على أسس قومية أو مذهبية. فبقاء إيران دولة متماسكة ليس بالنسبة إلى أنقرة خدمة لطهران، بل مصلحة أمن قومي تركية.
سوريا: إدارة التراجع الإيراني
كانت سوريا الاختبار الأقسى لهذه القدرة على إدارة التناقض. بعد 2011 وقفت الدولتان على طرفي الحرب: استثمرت طهران في بقاء بشار الأسد باعتبار سوريا حلقة مركزية في امتدادها نحو لبنان، فيما دعمت أنقرة المعارضة. ومع ذلك لم تتحاربا، بل جلستا لاحقاً مع روسيا في آستانا لإدارة حرب كانتا تقفان فيها على ضفتين مختلفتين.
ثم سقط الأسد أواخر 2024، فتغير الميزان بوضوح. خسرت إيران أهم جسورها نحو المشرق، فيما أصبحت تركيا صاحبة نفوذ استثنائي في سوريا الجديدة.
لكن أنقرة لا تبدو راغبة في استكمال انتصارها حتى نهايته المنطقية. فهي تريد إخراج البنية العسكرية الإيرانية من سوريا وتقوية الدولة الجديدة، لكنها لا تريد تحويل سوريا إلى جبهة في حرب تصفية الحساب مع إيران وحزب الله.
ومن هنا تكتسب المعلومات عن تشجيع تركيا السوريين على عدم الانخراط عسكرياً ضد حزب الله أهمية خاصة، كما تكتسب قنوات الاتصال التركية مع الحزب دلالة تتجاوز لبنان. ولا تكفي المعلومات المتاحة للحديث عن وساطة تركية متكاملة بين دمشق والحزب، لكنها تشير إلى محاولة لمنع الاحتكاك بين المجال السوري الجديد والمجال الإيراني المتراجع من التحول إلى حرب.
وهذا ليس إنقاذاً للنفوذ الإيراني، بل حسن إدارة لانحساره.
اقتصاد العقوبات
لكن العلاقة لها وجه أقل ظهوراً: الاقتصاد والمال.
تركيا عضو في الناتو، واقتصادها متصل بأوروبا والنظام المالي الغربي. لكنها أيضاً جار لإيران، ومستورد للطاقة، وشريك تجاري، وممر بري، ووجهة لملايين من السياح الإيرانيين ولعدد كبير من الشركات ورؤوس الأموال الإيرانية.
ولهذا خلقت العقوبات مفارقة. فهي قلصت التجارة الطبيعية بين اقتصادين كبيرين متجاورين، لكنها زادت في الوقت نفسه قيمة تركيا بالنسبة إلى إيران.
وليست الظاهرة جديدة. فقضية بنك «خلق» Halkbank التركي كشفت قبل أكثر من عقد عن شبكة معقدة استخدمت، وفق الاتهامات الأميركية، تجارة الذهب وآليات مالية للوصول إلى عائدات النفط والغاز الإيرانية المقيدة.
وفي أيلول الجاري عادت المسألة إلى الواجهة عندما فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على مصرف Golden Global وشركتين تابعتين له في إسطنبول، متهمة إياها بتسهيل تحويل عائدات نفط إيرانية إلى أموال وذهب وتوفير خدمات مالية مرتبطة بفيلق القدس. ونفى المصرف الاتهامات.
ولا تثبت هذه الوقائع أن الدولة التركية تدير الالتفاف على العقوبات. لكنها تكشف أن المجال التركي يشكل أحد المنافذ التي تستطيع شبكات اقتصادية إيرانية العمل من خلالها. غير أن هذه المنافذ ليست بلا حدود.
وقد زادت واشنطن الضغط إلى حد دفع وزير المالية محمد شيمشك إلى القول إن أنقرة أخذت علماً بالإجراءات الأميركية الجديدة المتعلقة بالتعامل مع إيران. وبعد نحو أسبوعين من العقوبات على Golden Global، ألغت هيئة التنظيم والرقابة المصرفية التركية ترخيص فرع Bank MELLAT الإيراني، مستندة رسمياً إلى اعتبارات تتعلق بحقوق المودعين وأمن النظام المالي، ولم تربطها بقرارات العقوبات الأميركية. وتزامن ذلك مع وقف شركة ماهان Mahan Air الإيرانية رحلاتها إلى تركيا نتيجة الضغوط الأميركية عليها.
وهنا تختلف تركيا عن الصين وروسيا. فروسيا تتعامل مع إيران من خارج النظام الغربي وتحت العقوبات، والصين تستطيع تحمل قدر من المخاطر بفضل حجم اقتصادها. أما قيمة تركيا فتكمن جزئياً في العكس: إيران تحتاج تركيا لأنها داخل النظام الاقتصادي الغربي، لا لأنها خارجه. لكنه يجعلها في الوقت نفسه أكثر تعرضاً للضغط الأميركي وأكثر حرصاً على حماية مصارفها وشركاتها من العقوبات الأميركية.
لكن العقوبات تمنح تركيا مكاسب أخرى أيضاً. فعزلة إيران تقلل قدرتها على جذب الاستثمار الدولي وعلى منافسة تركيا كطريق بين آسيا وأوروبا. ومع اضطراب هرمز ازدادت أهمية مشاريع مثل «طريق التنمية» عبر العراق و«الممر الأوسط» عبر القوقاز وآسيا الوسطى، وهما يرفعان القيمة الجيو-اقتصادية لتركيا فيما يتجاوزان إيران جزئياً. وتشير دراسات حديثة إلى أن الحرب أعطت إعادة تصميم طرق التجارة الإقليمية زخماً إضافياً، وهو ما قد تستفيد منه أنقرة.
لكن لهذه الاستفادة حدوداً. فتركيا تحتاج الغاز الإيراني، والسوق الإيرانية، والتجارة الحدودية، والاستقرار على حدودها. ولذلك فهي تستطيع الاستفادة من عزلة إيران ومن ضعف نفوذها، لكنها لا تستفيد من اختناق اقتصادها أو انهيار دولتها.
إسرائيل تغير الحساب
وهنا تدخل إسرائيل بقوة في المعادلة.
فأنقرة تنظر بقلق متزايد إلى قدرة إسرائيل على استخدام القوة عبر حدود المنطقة، من غزة ولبنان إلى سوريا وإيران. وفي الأيام الأخيرة اتهمت تركيا إسرائيل صراحة بالسعي إلى إبقاء سوريا ودول عربية مجاورة ضعيفة وغير مستقرة.
وهذا يساعد على فهم الموقف التركي من حرب إيران. فقد رفضت أنقرة الهجمات الأميركية–الإسرائيلية على إيران، لكنها رفضت أيضاً استهداف إيران دول الخليج. وحذرت أنقرة الإيرانيين والخليجيين معاً من الانجرار إلى صراع يسهل تحقيق الأهداف الإسرائيلية في المنطقة.
تركيا، إذاً، لا تريد محوراً إيرانياً مهيمناً على الخليج والمشرق، لكنها لا تريد أيضاً أن يؤدي كسر إيران إلى نظام إقليمي تنفرد فيه إسرائيل بتفوق عسكري لا يقابله توازن فعال. وهذه بحسب الكثير من المحللين الأتراك خلاصة فلسفة اتفاق مكة بين السعودية وباكستان وتركيا.
وإذا كانت تركيا تعرف كيف تتنافس مع إيران، فهي لا تعلم تماماً قدرات القوة الإسرائيلية الجديدة التي لمّا تتشكل بعد وكيفية بناء قواعد مستقرة لإدارة المنافسة معها.
فإيران القوية تنافس تركيا في العراق، وسوريا، والقوقاز، والممرات. لكن إيران المنهارة يمكن أن تنتج ملايين اللاجئين، وتفتح المسألة الكردية، وتفجر صراعات داخلية، وتخلق فراغاً استراتيجياً قد لا تكون تركيا هي من يملؤه. ولهذا ترى دراسات حديثة في انهيار الدولة الإيرانية أحد أسوأ السيناريوهات بالنسبة إلى أنقرة، لما يحمله من تفكك وفوضى ومن توسيع هامش الحركة الإسرائيلي.
أي إيران تريدها تركيا؟
بهذا المعنى، لا تسعى تركيا إلى إنقاذ النفوذ الإيراني، لكنها لا تريد استكمال هزيمته حتى انهيار الدولة التي تقف خلفه.
تريد سوريا أقل ارتباطاً بطهران، وعراقاً لا تحتكره القوى الموالية لها، وممرات نحو القوقاز وآسيا الوسطى لا تعتمد عليها، واقتصاداً تركياً يستفيد من التجارة ورؤوس الأموال الإيرانية. لكنها تريد أيضاً إيران مستقرة، وسوقاً قابلة للحياة، ومصدراً للطاقة، وجاراً يضبط حدوده، وقوة تمنع اختلال التوازن الإقليمي بالكامل. حتى رفع العقوبات تراه تركيا مكملاً لهذه الرؤية.
ومن هنا ربما تكون المعادلة التركية أكثر دقة مما تبدو:
تركيا تستفيد من إيران الأضعف، لكنها تخشى إيران المنهارة. وتستفيد من بعض آثار عزلتها، لكنها تحتاج أيضاً إلى بقائها اقتصاداً قابلاً للحياة.
ومن جالديران وقصر شيرين إلى بغداد ودمشق والقوقاز وبيروت، تغيرت ساحات المنافسة وأدواتها. لكن الحقيقة الأساسية بقيت: تركيا وإيران لم تتعلما كيف تتوقفان عن التنافس؛ تعلمتا كيف تتنافسان من دون حرب. والجديد اليوم أن بقاء المنافس نفسه قد يصبح جزءاً من أمن منافسه.
لكن مستقبل إيران بعد الحرب لن تحدده علاقتها بتركيا وحدها، ولا شراكاتها مع الصين وروسيا، ولا قدرتها على إدارة جوارها الخليجي. فخلف هذه العلاقات جميعاً يقف سؤال أكبر رافق الجمهورية الإسلامية منذ ولادتها: علاقتها بالولايات المتحدة.
فإذا كانت إيران قد أمضت نحو نصف قرن تحاول بناء استقلالها الاستراتيجي خارج النظام الذي تقوده واشنطن، فإن السؤال بعد حرب 2026 قد يصبح مختلفاً: هل تستطيع إعادة بناء قوتها واقتصادها وموقعها الإقليمي من دون إعادة ربط علاقتها بأميركا؟