للمرة الأولى في تاريخه، يستضيف متحف بوشكين معرضًا للفنّ البوذي في روسيا بعنوان: “العربة الماسيّة”. يعدّ هذا المشروع، الذي يضمّ أكثر من 700 معروض، فرصةً يتعرّف من خلالها عشاق الفنّ البوذيّ على قطعٍ أثريّة نادرة جُلِبَت من متاحفٍ روسيّة عدّة، أبرزها: متحف بوشكين نفسه، ومتحف الفنّ الشرقي، ومتاحف في مناطق بورياتيا، وتوفا، وكالميكيا، في أعماق سيبيريا على حدود منغوليا.
يبعث هذا المعرض الحياة في مفاهيم روحية بوذيّة، مثل “تناسخ الأرواح” و”النيرفانا ــ إطفاء شعلة الرغبات والشهوات/ Nirvana”، ويبرزها بألوانٍ نابضة بالحياة لم يخفت بريقها على مرّ القرون. بالإضافة إلى ذلك، كان من اللافت للنظر نجاح المعرض في تقديم الفنّ المقدّس للبوذيّة الروسيّة بأسلوبٍ رائع ومبهر من النواحي كافّة.
يمكن اعتبار معرض “العربة الماسيّة” بحقّ أبرز أحداث الصيف المنصرم، إذ شهدت قاعات العرض إقبالًا كبيرًا، حتى في أيام الأسبوع العاديّة، وهو أمرٌ لافتٌ للنظر، خاصّة وأنّ موضوع المعرض نفسه يتطلّب من الزائر قدرًا معقولًا من المعرفة المسبقة به. غير أنّ أهميّة المعرض الأساسيّة تكمن في توفيره للجمهور طرقًا متعدّدة لاستكشافه، بما في ذلك خيارات تناسب الزائر غير الملمّ بتفاصيل الفنّ البوذيّ.
يتميّز المعرض، قبل كلّ شيءٍ، بجمالٍ أخّاذ: فلوحات “التانغا/ Thangkas”، وهي إيقوناتٍ بوذيّة تصوّر بوذا، وكذلك آلهة المجمّع المقدّس اللّامي، متألّقة بالوانٍ الزاهية، بالإضافة صفوف من تماثيل “البوديساتفا” المذهّبة التي تلمع تحت أضواء صالات العرض. من تحت الأقنعةً الملوّنة التي تغطي وجوه آلهة الغضب (وهم حماة البوذية)، تبرز أسنانها العظيمة، وهي تستعدّ لأداء طقوس رقصة “تسام/ Tsam”. كما يضمّ المعرض مجموعة صورٍ قديمة تمثّل الرقصات المقدّسة كانت قد التقطت عام 1928 بالأبيض والأسود، في أثناء تصوير فيلم “وريث جنكيزخان” للمخرج فسيفولود بودوفكين. كان الهدف من الفيلم، في حقيقة الأمر، السخرية من المعتقدات الدينيّة ــ تماشيًا مع السياسة المهيمنة آنئذٍ ــ، ولكنّه وثّق مع ذلك، عن غير قصد، للأجيال القادمة، صورة رهبان “اللاما” وهم يرقصون مرتدين أزياءهم وأقنعتهم الملوّنة. علاوةً على ذلك، يضمّ المعرض نماذج حيّة من هذه الأزياء المصنوعة في الغالب من أقمشة البروكار والحرير، تزيّنها أحجار الكهرمان والمالاكيت. تذكّرنا هذه الأزياء، وتلك الأقنعة المهيبة، بأنّ الفنّ كان في الماضي معنيًّا أكثر بالأسرار وبالطقوس، وأنّ الجماليات تلعب دورًا ثانويًّا فقط.
من ناحيةٍ أخرى، وحتى لا يثقل كاهل الزائر بتفاصيل مبالغ بها، يحاول المعرض أن يسرد تاريخ البوذيّة في روسيا بلمحاتٍ عامّةٍ موجزة. فالمعرض يركّز في المرتبة الأولى على “العربة الماسية” (فاجرايانا)، وهي فرعٌ من الديانة البوذيّة ظهرت بداياته في منتصف الألفيّة الأولى. ومع الوقت، أصبح نمط البوذية المنغولية ــ التيبتية “فاجريانا” هو الشكل الأكثر انتشارًا في روسيا الاتحاديّة، حيث تشير التقديرات إلى وجود قرابة 700 ألف إلى 1.4 مليون إنسان روسيّ من أتباع الديانة البوذيّة (التيبتية أو اللاميّة)، يتركز معظمهم في أوساط شعوب البوريات والكاميك وآلتاي وتوفا قرب الحدود المنغولية. وكانت الإمبراطورة إليزابيث بتروفنا قد اعترفت رسميًّا عام 1741 بوجود “العقيدة اللاميّة”، أي البوذيّة. وعرفانًا بجميل الإمبراطورة، سارع رهبان البوريات إلى تطويبها مجسّدةً لإلهة الحكمة والخير “تارا البيضاء”. فتحت خطوة رهبان اللاميّة هذه، من دون قصدٍ، الطريق لإرساء بدعةٍ جديدة. فبعد مرور زمنٍ طويل على تطويبهم الإمبراطورة إليزابيث، عاد رجال الدين البوذيون في بورياتا عام 2006، وأعلنوا تطويب ديمتري ميدفيدييف، رئيس الاتحاد الروسي آنذاك، باعتباره تجسيدًا لـ”تارا البيضاء”.
بالنسبة لزوار المعرض من ذوّاقة الفنّ، يقدّم المعرض كنوزًا نادرة، مثل مخطوط أطلس الطبّ التيبتي، المزيّن بورق الذهب، الذي وثّق لأول مرّة في مطلع القرن الثامن عشر تقاليد العلاج القديم. بعد قرنين من الزمن، ظهرت في هضبة التيبت نسخة جديدة من هذا الأطلس، التي نُقلت من ثمّ إلى منطقة “ترانس بايكال”. هذه النسخة بالذات هي التي تُعرض حاليًا في متحف بوشكين، وتتيح للزوار وقتًا كافيًا لتأمّل الرسوم التفصيليّة للأعشاب الطبيّة، ولتفحّص أدوات الأطباء القديمة، وهي أدواتٌ تبدو غريبة وغير مألوفة وفقًا للمعايير الحديثة.
وكما هي الحال مع جميع أشكال الفنّ المتجذّرة في التقاليد الموروثة، فقد أولى الفنّ البوذيّ الروسي أهميّة كبيرة للقواعد والأصول الفنيّة المعتمدة (الكانون). ومع ذلك، ظهرت بعض التنويعات الحرّة، سواءً على المستوى الإقليمي، أو حتى في أعمال بعض الفنانين الأفراد. من أبرز الأمثلة على ذلك أعمال الزعيم الروحي للبوذية الروسيّة “زانابازار”، المعروف بـ”مايكل أنجلو المنغولي”، الذي أبدع منحوتات رائعة فائقة الدقّة والتفاصيل، أهمّها منحوته تجسّد “أميتايوس”، أو بوذا الحياة الأبدية. لم يقتصر نشاط زانابازار على الجانب الروحي والعمل الفني، بل وأسّس أيضًا مدرسةً فنيّة متكاملة. بالإضافة إلى ذلك، كان زانابازار شخصيّة سياسيّة بارزة، وعالم لغات ابتكر الكتابة المنغوليّة المقدّسة المسمّاة بـ”سويومبو”، التي اقترنت باسمه بعد أن أصبحت الرمز الوطني لمنغوليا، وتزيّن علمها اليوم.
يروي المعرض أيضًا قصّة أخرى، وهي قصّة تتسم بطابعٍ قاتم إلى حدٍّ ما. ففي ثلاثينيات القرن العشرين، دخلت الحملة التي شنّتها السلطة السوفياتية على الأديان ورموزها مرحلةً متقدّمة من الوحشيّة، فأُغلقت عددًا من الأديرة البوذيّة، وكذلك الأديرة والكنائس الأرثوذكسيّة، والمساجد الإسلامية، وصودرت المنحوتات المقدّسة من المعابد، وتمّ تدميرها بشكلٍ شبه كامل. ولكنْ، ولحسن الحظ، وعلى الرغم من الإجراءات الصارمة المعادية للأديان، فقد نجت بعض الأعمال الفنيّة بأعجوبةٍ من الدمار. ففي عام 1994، أعلن سيرجي ميركوروف، مدير متحف بوشكين، عن اكتشاف مئات الأطنان من المنحوتات البوذيّة في إحدى ساحات مصنعٍ في مدينة “سوخوي لوغ” في منطقة سفيردلوفسك. كانت المنحوتات مرميّة بشكلٍ عشوائيّ في الساحة بانتظار صهرها. تحرّك ميركوروف بسرعة، وقام بتشكيل فريق من خبراء الفنّ أُرسل على وجه السرعة إلى الموقع. وبعد الكشف على الموجودات وفحصها، اختار الخبراء من أكوام الخردة 229 قطعة تضمّنت تماثيل مشوّهة وشظايا منحوتات مبعثرة، وأُخضعت لعمليات ترميم دقيقة في ما بعد، لتنضمّ إلى مقتنيات المتاحف الروسية، وليشاهدها الجمهور للمرة الأولى في معرض متحف بوشكين الحالي.