حين سُئل الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب قبل أسابيع عن الاجتماع الخليجيّ الإيرانيّ الذي كان مرتقباً في صلالة في سلطنة عمان، قال مُتبرّماً إنّه “لا يهمّه”، وإنّ الأمر متروك لأصحابه. قبل ذلك، في آذار الماضي، تساءل عن جدوى أن تتحمّل واشنطن وحدها كلفة حماية مسارات الطاقة في الخليج. غير أنّ الرجل الذي يعوّل على سجلّ إنجازات في الشرق الأوسط، سارع إلى دعوة قادة المنطقة المتوفّرين في الاجتماع السنويّ للجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة على عجل.
جرى الحدث في 22 أيلول الجاري في نيويورك على هامش المناسبة الأمميّة الكبيرة. بدا أنّ ترامب، الذي “لا يهمّه” اجتماع صلالة (الملغى) والمتبرّم من أعباء حماية المنطقة، صار يحتاج قادة المنطقة أكثر ممّا يحتاجون إليه. كانت الدعوات الأولى قد أُرسلت إلى دول مجلس التعاون. لكنّ القاعة ضمّت في النهاية الخليجيّين، ومعهم العاهل الأردنيّ ورئيسَي حكومتَي العراق ولبنان والرئيسَين السوريّ والتركيّ ووزير الخارجيّة المصريّ. سهل على المراقب استنتاج اتّساع مسرح العمليّات العسكريّة من مضيق هرمز إلى مضيق باب المندب، وحراك جماعة الحوثيّ وفصائل العراق لاستهداف السعوديّة، وما يعنيه الأمر للمنطقة برمّتها، لفهم اتّساع دعوة ترامب إلى كلّ قادة المنطقة.
ترامب أمام أسئلة المنطقة و”القرار الكبير”
لم يكن اجتماع نيويورك لقاءً شكليّاً، ولم يكن توقيته عشوائيّاً. سبق الاجتماع بيومين قمّة ترامب والزعيم الصينيّ شي جين بينغ في واشنطن، وجاء بعد أيّام من إلغاء اجتماع صلالة بين إيران ودول خليجيّة، وبعد ساعات من تراجع أميركيّ في اللحظة الأخيرة عن غارة جاهزة ضدّ الحوثيّين.
بدا أنّ ترامب أمام “قرار كبير”، كما قال، ويحتاج إلى أن يتداول ويتشاور ويطّلع من عواصم المنطقة على ما لا يدركه. قبل وصوله إلى نيويورك كان قد هدّد بـ”أمّ المعارك” ضدّ إيران، وبعد الوصول بدا مرتاحاً في الكشف عن اجتماع عقده صديقه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر مع مسؤولين إيرانيّين، ووصفه بأنّه “كان إيجابيّاً وواعداً”. تطوّرت الحرب وتمدّدت، وباتت، بعد إغلاق مضيق هرمز، تهدّد بإغلاق مضيق باب المندب، فيما اشتعال جبهات اليمن يضغط مباشرة على السعوديّة ويطرق أبواب حلفائها، من مصر إلى تركيا مروراً بباكستان.
صادف الاجتماع كثيراً من الأسئلة التي تطرحها المنطقة عمّا تخطّط له إدارة ترامب. من الأسئلة حديث البنتاغون عن تخفيف الوجود العسكريّ، وتواصل واشنطن المعلن مع الحوثيّين، واتّفاق مزعوم على عدم اعتراض السفن الأميركيّة، وغضّ الطرف عن إعلانهم أنّ الاستهداف سيطال السفن السعوديّة وحدها، ثمّ التراجع عن ضربة كانت المقاتلات الأميركيّة قد حُمّلت ذخائرها لتنفيذها ضدّ “الجماعة” في اليمن.
طاولة إقليميّة واسعة قبل قمّة ترامب وشي
قالت همهمات في واشنطن إنّ الملفّ بات مركّباً ولا يقتصر على الخليج وحده. تتأثّر دول المنطقة جميعها بإغلاق الممرّات، وبوكلاء إيران في اليمن والعراق ولبنان، وبأيّ تسوية محتملة تطلّ برأسها. حضرت تركيا صاحبة معادلات سوريا والطاقة والممرّات. وحضرت سوريا لأنّ أيّ خطّة لـ”اليوم التالي” تمسّ دمشق مباشرة. وحضرت مصر والأردن لأنّ أمن البحر الأحمر وغزّة والطاقة يمرّ عبرهما. في واشنطن همسٌ بأنّ الأخيرة، “من الآخر”، تريد إدارة الحرب مع إيران من خلال طاولة إقليميّة واسعة تمنحها غطاءً سياسيّاً قبل قمّة ترامب – شي.
داخل اجتماع نيويورك، كما خارجه، أكّد ترامب ثوابته في مواجهة إيران لجهة عزلها ماليّاً، ومنعها من امتلاك سلاح نوويّ، وضمان تدفّق النفط. كرّر للحاضرين أنّ البحريّة الأميركيّة أخرجت أكثر من مليار برميل عبر الخليج، وأنّ المواقع النوويّة ضُربت بنسبة 99 في المئة، وأنّ جبل الفأس قد يُضرب إن ظهر فيه نشاط مريب. وفي المقابل، بدا حريصاً على إظهار أنّ باب التفاوض لم يغلَق، لدرجة أنّه كشف عن أنّ اجتماع ويتكوف وكوشنر مع الإيرانيّين، الذي استغرق 3 ساعات، كان “مثمراً”، مستنتجاً وجود “زخم” للذهاب نحو اتّفاق.
أسرَّ مصدر حضر الاجتماع أنّ الرجل أوحى بأنّه يفاوض ويضغط في آن واحد، وأنّه يريد من الاجتماع غطاءً لتصعيد أو تسوية لا تُظهر واشنطن وكأنّها تخلّت عن الحلفاء. لكنّ مصادر أخرى لم يفُتها أنّ أهميّة الاجتماع تتّصل أيضاً بالقمّة مع شي. يحتاج ترامب إلى تهدئة نسبيّة في أسواق الطاقة وعدم فتح جبهة جديدة تضعف موقفه أمام الزعيم الصينيّ، وإلى إشارة جماعيّة إلى أنّ المنطقة لا تزال ضمن المظلّة الأميركيّة، لا تحت ترتيبات إيرانيّة أو صينيّة موازية.
كلمة سرّ خليجيّة وخلاصات الاجتماع
بدا أنّ كلمة سرّ أبقت ما دار داخل الاجتماع مغلقاً. وجاءت البيانات الرسميّة الخليجيّة مجمعة على رواية واحدة عن محاور شملت:
1- مستجدّات الشرق الأوسط.
2- تداعيات التصعيد على الأمن والاستقرار.
3- أمن وحرّية الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب.
4- احتواء التوتّرات، وتعزيز المسارات السياسيّة والدبلوماسيّة.
وصف العاهل الأردنيّ الملك عبدالله الثاني اللقاء بأنّه “جيّد جدّاً”. سمع ترامب ما حمله الحاضرون من أسئلة وما عبّروا عنه من هواجس وما يطالبون به في الأمن والاستقرار. واستمع ترامب إلى الحضور من دون أيّ معلومات دقيقة عمّا إذا كان مصغياً.
غير أنّ قراءة للمناسبة والحدث قد تخرج بخلاصات أهمّها:
1 ـ أعادت واشنطن الملفّ إلى حضنها بعد إلغاء اجتماع صلالة.
2 ـ أثبتت أنّ أيّ مخرج لإيران أو لليمن لن يُصاغ بعيداً عن الطاولة الأميركيّة.
3 ـ منحت ترامب غطاء، على الأقلّ شكليّ، يذهب به إلى قمّته مع الزعيم الصيني.
4 ـ أبقت الخيار العسكريّ قائماً من دون التزام بتنفيذه فوراً. فلا وقف إطلاق نار شاملاً أُعلن، ولا ضمان مكتوباً لحرّية الملاحة بلا رسوم أو وصاية إيرانيّة، ولا تعهّد علنيّاً ببقاء الانتشار الأميركيّ على حاله.
مطالب المنطقة وخيارات ترامب المفتوحة
بالمقابل فإنّ ما تريده المنطقة يُختصر بعناوين تكرّرت في التقديرات الخليجيّة قبل الاجتماع وبعده:
1- وقف إطلاق نار يشمل الوكلاء في اليمن والعراق، ورفض تلك الهُدن التي تحمي السفن الأميركيّة وتترك المنشآت الخليجيّة مكشوفة.
2- ضمان حرّيّة الملاحة من دون رسوم إيرانيّة أو صلاحيّات أوسع لطهران في هرمز.
3- إبقاء مظلّة أميركيّة كافية للردع، وعدم القبول بأعراض ضعف تُظهرها واشنطن تُقرأ في طهران على أنّها انسحاب.
يحتاج ترامب إلى إبقاء الخيارات مفتوحة. ويحتاج أيضاً إلى مواصلة الضغط على إيران من دون إغلاق باب التفاوض، وإلى منع اتّساع الحرب بما يهدّد أسواق الطاقة والممرّات البحريّة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على اصطفاف حلفائه الإقليميّين خلف واشنطن. وتحتاج المنطقة إلى إسماعه منطقها بأنّ على ذلك “القرار الكبير” أن يمرّ حتماً عبر عواصمها وتحت سقوفها، وأنّ تطوّر اليمن “كسر جرّة” قد يصعب الوثوق بإصلاحها.
