-
-
-
يُجمِعُ العاملون في توزيع وبيع الفروج على أن شهر رمضان يشهد سنوياً زيادة كبيرة في الطلب وارتفاعاً في الأسعار، إلّا أن هذا العام سجّل ارتفاعاً غير مسبوق؛ إذ قفز سعر كيلو الفروج المذبوح من 15 ألف ليرة سورية إلى 30 ألف ليرة (قديمة) مع بداية رمضان، واستمر بالارتفاع طوال الشهر وحتى ما بعد العيد.
وجاء قرار توحيد الأسعار، الصادر عن مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك في المحافظات قُبيلَ شهر رمضان الماضي، ليُشكّل صدمة للمُوزّعين وباعة المُفرَّق على حد سواء، نظراً لانخفاض التسعيرة الرسمية الكبير عن الأسعار الحقيقية المتداولة في المسالخ وعند باعة الجملة. وقد دفعَ هذا الفارقُ محالَّ كثيرة إلى إغلاق أبوابها، خشية دوريات التموين التي تجوب الأسواق بحثاً عن أي مُخالف للتسعيرة الرسمية. كما دفع المواطنين من جهة أخرى إلى إطلاق دعوات مكثّفة على وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة لمقاطعة الفروج.
يُبيِّنُ رئيس لجنة تربية الدواجن في اتحاد الغرف الزراعية، نزار سعد الدين، في حديثه لـ«الجمهورية.نت» أن خسائر المربين بدأت مباشرة بعد سقوط نظام الأسد، حين سُمِحَ باستيراد الفروج المُجمَّد، ما أدى إلى إغراق الأسواق. وقد خسر المربون 3 دورات إنتاجية متتالية، ما دفع كثيرين منهم إلى التوقف عن التربية، ثم بعد مطالبات عديدة، استجابت الحكومة وأوقفت استيراد الفروج. ويعزو سعد الدين سببَ ارتفاع الأسعار إلى زيادة تكاليف التربية، ثم ارتفاع كلفة الكهرباء، فضلاً عن القفزة في سعر العلف بنحو 20 بالمئة؛ يقول: «طالبنا الحكومة بإعفاء المربين من الضرائب والرسوم لمدة سنة واحدة، حتى يستعيد القطاع عافيته».
بعد إيقاف الاستيراد، عاد السوق إلى آليات التسعير القائمة على العرض والطلب، فظهرت فروقات واضحة بين المحلات تبعاً لتكاليف كل منها، فيما بقي الطلب مستقراً ليبلغ ذروته قبيل شهر رمضان، لتصدر نشرة الأسعار الموحدة.
وعن صدور تعرفة موحّدة لأول مرة منذ سقوط نظام الأسد، يوضح سعد الدين أن لجنة الدواجن عقدت اجتماعاً لبحث واقع القطاع، نتجَ عنه توحيد سعر مبيع كيلوغرام الفروج الحي خلال شهر رمضان. وحُدِّد الحدّ الأقصى للمبيع بـ240 ليرة جديدة (24 ألف ليرة قديمة) للكيلوغرام، يُضيف إليها المربي 10 ليرات جديدة (ألف ليرة قديمة) كهامش ربح، وهو ما يعتبره سعد الدين هامشاً «مقبولاً».
تنتشر في ريف دمشق كثير من المداجن، لكن معظمها بسيطة، لا يتجاوز إنتاجها 3 إلى 10 آلاف فروج في الدورة الواحدة التي تستمر بين 40 و45 يوماً، في حين أن إنتاج المداجن في محافظات سورية أخرى يتراوح ما بين 800 ألف ومليون فروج في الدورة. في إدلب مثلاً توّزع شركات خاصة كبرى الفروج على الباعة، ولديها منافذ بيع خاصة بها، ومنها: اليمامة والمراعي والعواد والعيسى، وغيرها.
ويواجه المربون تحديات كبيرة نتيجة ارتفاع أسعار الأعلاف والأدوية، إضافة إلى تكاليف المازوت والفحم في فصل الشتاء، فضلاً عن ثمن الصوص الذي يشترونه من مراكز التفقيس المنتشرة في معظم المحافظات. يقول أبو عدنان، وهو مربي دواجن في ريف دمشق: «قبل شهر رمضان وصلت تكلفة كيلو الفروج إلى 18 ألف، لكن اضطرينا نبيع بـ13 أو 14 ألف للكيلو. بعد 45 يوم من عمر الفروج بزيد أكله ومرضه، منشان هيك منبيع ولو بخسارة». ويُشاركه المشكلة ذاتها عبد العزيز سليم، مربي دواجن في إدلب، قائلاً: «خسرنا خلال الأشهر الماضية مئات الدولارات في الطن الواحد، وفُرِضَت علينا تسعيرة لا تُغطي التكلفةَ ورسومَ النقل بين المحافظات».
ويعمل المربون على عدة دورات إنتاجية خلال العام، تتفاوت فيها الأرباح؛ فقد تُمنى إحداها بالخسارة، وتقتصر أخرى على هامش ربح محدود، وإذا ارتفعت الأسعار كما هو الحال الآن، يتسع هامش الربح أكثر، ما يُعوض خسائر الدورات السابقة. ويشتكي أبو عدنان من المسالخ بقوله: «في بعض الأحيان دور المسالخ بكون سلبي كثير بموضوع الأسعار، بتشتري من المداجن بسعر قليل وبتبيع للتجار بسعر أعلى بكثير».
في شباط (فبراير) الماضي، أصدرت اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير القرار رقم (6) لعام 2026، الذي سمح باستيراد فروج الريش خلال شهر رمضان فقط، بسبب تراجع الكميات المطروحة في الأسواق نتيجة ارتفاع الطلب وفتح المنطقة الشرقية، كما جاء في البيان. وتوقّعَ المدير العام للمؤسسة العامة للدواجن، فاضل حاج هاشم، في تصريحه لصحيفة «الثورة السورية»، أن يكون لهذا القرار أثر إيجابي في خفض سعر الفروج، وأن يشعر المواطن بتأثيره بشكل سريع ومباشر، وأن يُعيد توازن الأسعار في السوق مع الحفاظ على مصالح المربين، ولا سيما أن قسماً كبيراً منهم يعيش من الدورة المالية لهذا المُنتَج، إضافة إلى عدد من العمال، غير أن ما حدث كان معاكساً تماماً، إذ واصلت الأسعار ارتفاعها.
أبو وجيه مرزوق، تاجر جملة لبيع الفروج في دمشق، توجّه مع أربعة تجار آخرين إلى إدلب لشراء الفروج ونقله إلى دمشق عملاً بالقرار الجديد. لكن ما واجهوه لم يكن في حساباتهم. فبعد أن حمّلت السيارات الفروج منذ السادسة صباحاً يوم 9 آذار (مارس)، بحمولة تقدَّر بنحو 3 مليارات ليرة قديمة لكل سيارة، وأثناء مرورهم عبر حلب، أوقفتهم دورية بحجة مخالفتهم قراراً صدر في اليوم نفسه يمنع خروج الفروج من حلب من دون موافقة مسبقة.
ودفعَ التجار الخمسة ثمن الطن الواحد في إدلب 2600 دولار، لكنهم أُجبروا على بيعه لمسالخ حلب بثمن 1700 دولار فقط، وحتى أجور الذبح كانت على حسابهم. ويقول أبو وجيه:«شفنا مدير التموين قال بسيطة اعتبروها زكاة. قلنا له معقول ندفع أكثر من مليون ليرة كل يوم زكاة، قال ما فيني ساعدكم، طلع القرار».
أثّر هذا الإجراء سلباً في حركة نقل الفروج من الشمال إلى بقية المحافظات، ومع ارتفاع تكاليف النقل، لم يترك السماح بالاستيراد أي أثر إيجابي ملموس على صعيد سعر الفروج للمُستهلِك.
يقول أبو بشير، وهو تاجر مفرّق يوزّع الفروج على محلات دمشق وريفها: «من وقت سقط النظام ما في تسعيرة، وكان البيع عرض وطلب. هلق العالم صارت تغش، تحقن مَيْ أو تجيب بضاعة شو ما كان مشان تبيع بسعر التموين». وخلال جولتنا في سوق باب سريجة بدمشق، لاحظنا اختلاف سعر المبيع عن السعر المُعلن. وتحدّثنا مع ماهر، أحد باعة الفروج هناك، فقال: «أغلقت محلي 8 أيام في بداية شهر رمضان بسبب الأسعار. سعر النشرة أقل من سعر الجملة بـ10 آلاف ليرة؛ معقول نبيع بخسارة؟».
ويشتكي أصحاب المحال من أن دوريات التموين تتجه دائماً نحوهم، بينما تغضّ النظر عن التجار الكبار وأصحاب المسالخ. ففي دمشق، أغلقت الدوريات عدداً من المحال بالشمع الأحمر لمدة سبعة أيام بسبب البيع بسعر أعلى من التسعيرة الرسمية، بينها ما لا يقل عن سبعة محال في سوق باب سريجة، بعضها له تاريخ طويل في المهنة، مثل محل أبو طلال بني المرجة الذي يعمل في بيع الفروج منذ أكثر من أربعين عاماً.
بالمقابل، يؤكد مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك في إدلب، ضياء العلي، أن المديرية تابعت الموضوع لدى جميع الحلقات، من مربي الدواجن إلى أصحاب المسالخ وباعة المفرّق، وأن عدم التزام المربين وأصحاب المسالخ بنشرة الأسعار التأشيرية الصادرة عن الوزارة دفعَ إلى بيع المادة لباعة المفرّق، وجرى اتخاذ الإجراءات اللازمة بحقهم.
قبل نحو أسبوع من نهاية شهر رمضان، وتحديداً في 14 آذار (مارس)، صدرت تعرفة جديدة عن مديريات التجارة الداخلية وحماية المستهلك، وجاءت أعلى من سابقتها. لكن الأسعار الفعلية في سوقي الجملة والمفرق شهدت تذبذباً؛ إذ تراجعت أسعار الكستا والفخاد (الوردة والدبوس) والجناح بسبب قلة الطلب عليها، بينما ارتفعت أسعار الفروج الحي والمذبوح والشرحات نتيجة الإقبال الكبير عليها من المطاعم ومحلات بيع الفروج الجاهز، التي تستأنف نشاطها عادة في هذا التوقيت، بعد إغلاقات الصيانة في مطلع رمضان أو بسبب ضعف الطلب في نصفه الأول.
ثم حافظت أسعار الفروج على ارتفاعها بعد نهاية عيد الفطر، ما دفع اللجنة الوطنية للاستيراد والتصدير إلى إصدار القرار رقم (8)، الذي مددت فيه العمل بالقرار رقم (6) لعام 2026 المتضمن السماح باستيراد الفروج من خارج سوريا، وجاء هذا القرار تزامناً مع دعوات المواطنين لمقاطعة الفروج حتى تنخفض أسعاره وهو ما حدث بالفعل، إذ انخفضت الأسعار الفعلية في السوق عمّا كانت عليه.
ويرى نزار سعد الدين في تصريح لصحيفة الوطن السورية؛ أن الانخفاض سببه دخول كميات كبيرة من الفروج بعد تمديد فترة السماح باستيراده أكثر من المقاطعة. ويؤكد أن القرار أضرَّ بالمُنتَج المحلي، مرجحاً أن نشهد خلال الأيام القليلة القادمة خروج نسبة من المربين من السوق بعد الخسائر التي تكبدوها، مشيراً إلى أن تكلفة كيلو الفروج الحي اليوم على المُربي 24.5 ألفاً ويباع بسعر 22 ألفاً بالليرة القديمة.
فيما مضى، كانت دراسة التسعيرة تجري بحضور ممثلين عن الجهات المعنية كافة: مندوب من وزارة التموين – دائرة الأسعار، ومندوب من جمعية اللحّامين، ومندوب من المسالخ، وآخر من السياحة إضافة إلى مندوب من غرفة التجارة. كانوا يجتمعون ويتفقون على تسعيرة تُرضي جميع الأطراف، وتُراجَع كل 48 ساعة.
كان الحديث الأخير لنا مع أبو خالد، المعروف بشيخ الكار، والذي يؤكد أن الخلل الحاصل في فرق السعر يتحمل مسؤوليته أصحاب المسالخ تحديداً، بوصفهم صلة الوصل بين المربين والتجار، وهم المعنيون بالتواصل مع مديريات حماية المستهلك بشأن الأسعار. وتعقيباً على موضوع استيراد الفروج من خارج سوريا يقول أبو خالد: «إذا بدهم يستوردوا فروج حي من برا لازم يكون الذبح على الحدود، لأنه ما بيتحمل الطريق، وينحط ببرادات حتى يوصل عالشام أو غير محافظات». ويُقدَّر أبو خالد عدد العاملين في قطاع الدواجن في سوريا بحدود 3 ملايين شخص يتوزعون بين مربين، وأصحاب وعمال مسالخ، وتجار، وباعة، ومطاعم، وهو رقم ليس بقليل على حد تعبيره. وتعني هذه التقديرات أن ما يقارب 10 بالمئة من السكان يعتمدون في معاشهم على العمل في هذا القطاع وما يتصل به، وكانت أرقام وزارة الزراعة قبل العام 2011 تقول إن 5 بالمئة من السكان يعتمدون عليه، ويبدو ارتفاعُ هذه النسبة في السنوات التالية منطقياً مع انهيار عشرات القطاعات الاقتصادية الأخرى في البلد.
يواجه مربّو الدواجن في سوريا، ومنذ سنوات طويلة، الظروف الصعبة ذاتها التي يعيشونها اليوم، وهو ما ينعكس مباشرة على أسعار الفروج بالنسبة للمواطنين. ويُجمِعُ كلُّ من تحدّثنا إليهم على أن الحكومة هي الجهة الوحيدة القادرة على معالجة هذه المشكلات، بدءاً من تأمين مدخلات الإنتاج عبر استيراد العلف والأدوية بدلاً من تركها لقطاع خاص يتحكم بالأسعار، وصولاً إلى دعم المربين بالكهرباء ومواد التدفئة، حتى يتمكن هذا القطاع من النهوض مجدداً.
-
محي الدين عمّورة… الجمهورية .نت