اسمها بساتين القرابيص

عاد يوسف وأبو جمال إلى أرضهما في بساتين القرابيص، أو إلى ما تبقى منها. عاد الأَخوان لزراعة البندورة والسلق والباذنجان والملوخية واللوبياء والقتة والخيار ودوار الشمس والصبارة والفليفلة وغيرها من الخضار، مع قطّتهما وكلابهما والدجاج والحمام. كان فرحهما بسقوط الأسد كبيراً جداً، مع آمال باسترداد أرضهما المسلوبة وعودة أهالي بساتين القرابيص. لكن الأخوين فوجئا بأن الأرض تم اقتراحها في مشروع اسمه «بوليفارد النصر»، وبالتحديد، فيما تمت تسميته «حديقة النصر»، وهو مشروعٌ تَعرَّفَ عليه أهالي حمص في حزيران (يونيو) 2025 فقط عبر مجموعة من اللوحات التي عرضت شكل المشروع، دون أي مشاركة مجتمعية مسبقة لسماع أصوات الناس وقتها.

وزِّعت اللوحات الإعلانية الكبيرة عن المشروع قرب بساتين القرابيص، وفي مناطق مختلفة من حمص. وبساتين القرابيص هي إحدى أهم المناطق الزراعية في غرب المدينة، وقد بقيت تاريخياً أرضاً زراعية، وحتى عند النمو العمراني خارج سور المدينة القديمة، جرى الحفاظ عليها وحمايتها من توسُّع الأحياء.

إحدى لوحات المشروع الإعلانية في حمص – تصوير عمار عزوز 2025

صدر قرار استملاك البساتين من أهاليها في العام 1994، لكن الاستملاك لم يجد طريقه إلى التنفيذ بسبب طعن الأهالي في القرار. وفي العام 2007 اقتُرِحت هذه الأراضي كجزء من مشروع حلم حمص، بقيادة محافظ حمص وقتها محمد إياد غزال. قرّرَ «حلمُ حمص» تحويل البساتين إلى «حديقة الشعب»، لكن الحديقة لم ترَ النور، وكذلك لم يرَ أهل حمص في السنوات التي أعقبت ذلك إلا القتل والحصار والفقر والتهجير.

يقول يوسف وأبو جمال إن بيوتهما في البستان دُمِرت من قبل النظام السابق، ويدلّان على ما تبقى من ركام: «نحنا وبيت عمي وإخواتي كنا هون. كان صف واحد»؛ يُشير يوسف إلى أطلال ماضيهم. بقي الأَخوَان في أرضهما حتى العام 2011، حين خرجا للهروب من خطر الموت. وما تزال أراضي القرابيص موضعَ نزاع قانوني منذ استملاكها في التسعينيات مقابل تعويضات، رفض بعض الأهالي استلامها بسبب انخفاضها الشديد مقارنة بالسعر الحقيقي. يتذكر أبو جمال اعتصام 2007 الذي شارك فيه، حين صدح الناس: «هي الأرض لصحابها، شو جاب الغربا لبوابا»، في مواجهة مشروع حلم حمص.

في 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2007، توجه حشدٌ من عائلات وأهالي بساتين القرابيص إلى نقطة قريبة من القصر الرئاسي في دمشق محتجين على مشروع حلم حمص، الذي تَحوَّلَ بالنسبة لكثير من سكان المدينة إلى «كابوس حمص». توجهت العائلات للاعتصام السلمي اعتراضاً على قرار الاستملاك الجائر لأراضيهم، ورفضاً لتدمير ما تبقى من المساحات الخضراء القليلة في المدينة. تعرضت العائلات يومها للعنف، لكن مع إصرارهم، سُمِح لوفد ثلاثي بالدخول إلى مكاتب حرس القصر الرئاسي.

في بيان أصدرته لجنة من أهالي البساتين، كتبَ الأهالي عن محافظ حمص حينها:

«لكن سيادته بدلاً من التركيز على تطهير الجهات العامة من الفساد الإداري الذي أكده بنفسه، يقترح في سياق حلمه نزع ملكية تلك البساتين، وتحويلها إلى ملكية عامة تقوم عليها الجهات العامة المصابة بمرض الفساد الإداري. فهل ستكون هذه الجهات أكثر أمانة على تلك البساتين من أصحابها؟ ولنا من التجارب المريرة من استملاكات حي الأربعين إلى شارع القوتلي ما يلّون هذا الحلم بالأسود القاتم.

لكننا سنختم أن الفرق بين الحلم والكابوس هو نفسه الفرق بين الاستثمار والتنمية، الرفاه والضرورة، الفردية والعمل الجماعي المدروس والمنظم، الربحية الريعية والحسابات المؤسساتية المسؤولة. إن حلماً مثيراً كحلم سيادته، يُوضع عادة من قبل الإدارات على اختلافها في شكل خطط خمسية قد تتجاوز الثلاث. ولا يُطرَح مطلقاً بمنطق رجال الأعمال منفردين بحساباتهم التي لا تتعدى الأرباح والخسائر. من هنا كانت الكابوسية، كابوسية حلم سيادته لحمص».

على الرغم من كبت الحريات حينها في عهد الأسد، كانت كلمات أهالي البساتين جريئة في نقد مشروع حلم حمص، المدينة التي تحولت في سنوات الحرب لاحقاً إلى «عاصمة الثورة». انتقدَ السكان المشروع ومخططات استملاك أراضيهم منهم، وقاموا بتنظيم اعتصامات، وتُظهر إحدى الصور التي نشرتها زمان الوصل وقتها سيدات يحملن لافتات مثل: «بساتيننا الحمصية مجبولة بعرقنا وعرق أجدادنا فلا تجعلوها مجبولة بدمائنا»، و«احترموا القانون».

خلال سنوات الحرب، تحولت هذه البساتين إلى جبهة قتال، اقتُلِعَت أشجارها وهُدِّمت بيوت سكانها وهُجِّروا، وتحولت إلى أرض عجفاء خالية من أشجارها القديمة المُعمِّرة ومن نباتاتها وأهلها. اليوم، وفي وسط عوالم الموت التي أضحت عليها بساتين القرابيص، ثمة بستانٌ يعود للحياة بين ركام أهل حمص، بستانٌ مُحاط من كل الجهات بتلالٍ صغيرة من ركام ما تبقى من جدران بيوت الأهالي المُفتتة كالرمل ومن سقوف بيوتهم المُحطمة، وبقايا أثاثهم وملابسهم وأحذيتهم.

بستان يعود إلى الحياة وسط الدمار – تصوير عمار عزوز 2025

في بعض الأحيان، يأتي أشخاص للبحث في الركام عمّا يستطيعون تجميعه وبيعه، لكن زيارتي لم تكن للتفكير في الركام فحسب، بل لمعرفة من قام بتحويل قطعة من هذه الأرض الخاوية على عروشها إلى مكان للآمال والتخيُّل بين أطلال حمص. أرى من بعيد رجلاً يزرع أرضه ويرويها، في صورة شبه خيالية. يبدو بستانه كحديقة في مدينة الرماد، جنة صغيرة في أرض قُتلت فيها الطبيعة. وفي الخلف، تقف أبراج الموت الشاهقة كعلامة من علامات سنين الحرب. كان من المفترض أن تكون هذه الأبراج، أبراج الغاردينيا، أبنية سكنية وفندقاً لأغنياء المدينة والمغتربين، لكنها أضحت مكاناً لقنّاصة الأسد بحكم أنها تكشفُ كافة جهات المدينة.

استثمار وليس إعادة إعمار: بوليفارد النصر، لمن؟

في حطام بساتين القرابيص، تَرتفعُ أعلام ناديَي الوثبة والكرامة جنباً الى جنب، وكأنَّ المشهد جزءٌ من فكاهة حمص، فالفريقان عادةً يلعبان ضد بعضهما، ومحبو كرة القدم في حمص ينقسمون في تشجيع أحد الفريقين. إلى جانب العلمين، يرتفع أيضاً علم الثورة السورية. هنا شجرة تنمو في وسط بستان مليء بالنباتات، وكأنها مكان قد تحول من أرض خراب إلى أرض حياة.

الأعلام متجاورة في بساتين القرابيص – تصوير عمار عزوز 2025

«هادا الرمان، وهادا من القديم كان»، يُشيرُ العم يوسف إلى بعض الأشجار القليلة التي نجت من الحرب، منها شجرة رمان وشجرة تين أبيض وشجرة تين أسود: «هدول الوحيدات البقيانات من الحرب»، وكأن الأشجار رفضت كل الموت وبقيت بالرغم من كل الدمار في بساتين القرابيص. في هذه الأرض، عاد العمان أبو جمال ويوسف لفلاحة بُستانهما الذي بقيا فيه حتى بداية الثورة. قبل الحرب، ثمانية أُسَرٍ من عائلة الأخوين الكبيرة عاشت سوياً في البساتين. جرى تهجير هذه العوائل من بيوتها.

لكن مخاوف «حلم حمص» تعود اليوم مع ما يسمى «بوليفارد النصر». يقوم المشروع على أربع مناطق متصلة ببعضها وهي، حي القرابيص، بساتين القرابيص، المصابغ، وسوق الهال. يتصدر المشهد  رفاعي حمادة، رئيس مجلس إدارة شركة العمران ومؤسس شركة هيسكو للاستشارات الهندسية في المملكة العربية السعودية (تظهر عناوين الشركتين على البوسترات المعروضة في حمص عن البوليفارد).

الدكتور عماد المصري، الذي كان عميداً لكلية الهندسة المعمارية في دمشق، ويشغلُ حالياً منصب معاون وزير الأشغال العامة والإسكان لشؤون التخطيط والدراسات، كتب على فيسبوك في حزيران (يونيو) 2025:

«مشروع بوليفارد النصر في حمص …. هو ليس بوليفارداً !! … وليس نصراً !!…. وبمهنية وشفافية … لست راضياً عنه …. وكثيرون من يملكون المعرفة والمهارة ليصبح على المسار الصحيح …  إن سمعت عمران وهيسكو النصح ….هي هيك…»

أدى إطلاق المشروع إلى غضب في الشارع الحمصي، فالمشروع على سبيل المثال اقترحَ تدمير حي القرابيص المُطل على بساتينها. الحي، الذي وبالرغم من التدمير الذي لحق به في سنوات الحرب، ما يزال معظمه موجوداً وكثير من سكانه عادوا ورمَّموا بيوتهم في المباني المتضررة جزئياً والقابلة للترميم. ترميمهم لبيوتهم كلفهم الكثير، فسكان حمص اليوم يفكرون في سعر الشباك والباب والدهان وغير ذلك. كل تفصيلة من تفاصيل الترميم كلّفت جزءاً كبيراً من مدخراتهم. كيف لهم أن يخسروا كل ما قدموه؟ كيف لهم بعد سنين من التهجير القسري أن يُهجَّروا مرة أخرى؟ فبعد كل الموت والدمار التي تعرضت له حمص، لماذا تأتي شركة من خارج حمص لتقترحَ تدميراً؟ ألم يكن التدمير الذي مرت به المدينة كافياً؟ هل نحن بحاجة تدمير جديد في المدينة؟ ألم يكن من الأفضل دعم العوائل لترميم بيوتها بدل إطلاق مشاريع تُعيد محو ذاكرة المدينة وتُركّز على الاستثمار؟

في الوقت نفسه، ظهرت حسابات عدة تُروج للمشروع، ليبدو الأمر جزءاً من حملة تُنظِّمها الشركة لتسويقه، خاصة من قبل مؤثرين لهم عدد كبير من المتابعين. حمل الترويج وعوداً لمّاعة بدون أي شرح، وعوداً تقول إن المشروع سيقدم آلافاً من فرص العمل. أنشأت شركة العمران المسؤولة عن المشروع صفحة على فيسبوك في آب (أغسطس) 2025، ما يدعو للتساؤل عن تاريخ الشركة وأعمالها وسبب تمكينها من مشاريع ضخمة كهذه. على موقعهم الإلكتروني، الذي يبدو أيضاً حديثاً، يوجد قسم لـ«المشاريع»، لكن كل المشاريع التي يعرضها عبارة عن صور ثلاثية الأبعاد مُصمَّمة رقمياً، مع صور لمبنيين اثنين حقيقين فقط، يُشبهان عشرات المباني التي كنا نراها قبل الحرب. فلماذا اختيرت هذه الشركة؟

مع تصاعد غضب الشارع الحمصي، وإصدار قرار يمنع سكان حي القرابيص من الترميم والإكساء وغيرها من الأعمال، خرجت العديد من المظاهرات في الحي ضد المشروع. «لن نستسلم. لن نساوم. لن نتهجّر»، «بيوتنا لنا. حق لنا»، «لا بوليفارد. لا للتهجير». حملوا لافتات تقول أيضاً: «لا حلم حمص 2».

تسعة عشر عاماً تفصل «حلم حمص» عن «بوليفارد النصر»، مظاهرات اليوم تُذكِّرنا بمظاهرات الأمس، وكوابيس حلم حمص تعود مرة ثانية لتُذكِّرَ أهل حمص بمشاريع استثمار غالباً ما جرى تصميمها واقتراحها ودراستها بمعزل عن الناس، وبالنيابة عنهم، وكأن الناس الذين يعيشون في هذه الأراضي آخر ما يهمّ. هذه المشاريع التي تتبع استراتيجيات من الأعلى إلى الأسفل، تُنتِجُ موجات جديدة من الإقصاء والتهميش لسكان عانوا في الأصل من الإقصاء والتهميش في سنوات الحرب، وقبلها.

بسبب الضغط الشعبي، قامت شركة العمران في آب 2025 بإصدار بيان أعلنت فيه إلغاء مشروع حي القرابيص، لكن مع استمرار عملها على باقي مناطق مشروع «البوليفارد»، بما يشملُ بستان العمَّين يوسف وأبو جمال. قامت محافظة حمص أيضاً بإلغاء قرار منع السكان من ترميم بيوتهم في حي القرابيص. في الشهر نفسه وقَّعَ محافظ حمص عبد الرحمن الأعمى مذكرة تفاهم استثمارية مع شركة العمران للتطوير والاستثمار العقاري بحضور الرئيس في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، وعُقِد أيضاً مؤتمر صحفي لشرح المشروع بشكل أكبر. لمَ لا تُعقد نقاشات شفّافة وعامة مع الناس قبل تصميم واقتراح وتوقيع اتفاقيات مشاريع دون التشارك مع المجتمعات المحلية؟

تبدو هذه النقاشات اليوم كعمليات تجميلية تشملُ توجيه رسائل للناس. يقول المحافظ إن الحديقة سيكون فيها مبانٍ تخديمية مثل الملاعب والمطاعم والمقاهي، أي بكلمات أخرى ستُحوّل بساتين القرابيص إلى مشاريع استثمارية تأكل من روح المدينة وأرضها الخضراء. يقول رئيس مجلس إدارة شركة العمران رفاعي حمادة في مؤتمر آب:

«الهدف الرئيسي إعادة الإعمار. كلياتنا منتضامن ومنعيد إعمارا، وما حدا بدو ينظلم. كل الناس بإذنه تعالى بتاخد حقا وزود. نحنا عنا ثقة بهالدولة، والدولة عادلة. لا رح تخلينا نظلم العالم، ونحني ما عنا نية إطلاقاً، إطلاقاً، إطلاقاً، حط عليها تلت خطوط، إنو نحنا نتعدى على حدا، أو نظلم حدا… أو حدا يدعي علينا. نحنا يلي بدنا ياه واضح، بدنا الناس تكون مرتاحة، ونعمل مجتمع عمراني جديد، بيوت عمرها 50 و60 سنة؟ لاء. تصير كلياتها جديدة، نسيج متكامل، متجانس، ما البيوت كلياتها جنب بعضها. نسبة إشغال القرابيص الحالية 65-70 بالمية يعني بين البيت والبيت، بيت. نحنا بدنا نحاول نبعد شوي، بحيث الضو يجي وكل البيوت مُنارة… كل البيوت تكون بأحسن حلّة».

تتميز المدن بجماليات نسيجها الاجتماعي والعمراني والمعماري، وفي مدننا السورية، تعيش المجتمعات السكانية جنباً إلى جنب، وتتفاخر المدن في العالم بعمرها وعُمر مبانيها، لكن يبدو أن لحمادة وجهة نظر مختلفة، ربما بحكم إقامته في الخليج. الخوف في مدننا العربية اليوم هو سلخ تاريخ المدن، وتغيير طرق معيشة السكان قسراً، ودفع الفقراء إلى فقر أكبر وتمكين المستثمر من الربح ومعه شريحة صغيرة من المستفيدين. الخوف أيضاً من مشاريع لا تشبه مدننا وقرانا، واستيراد تصاميم عمرانية ومعمارية لا تتصل بالهوية الاجتماعية والثقافية في المدينة. في المجال الأكاديمي، يصف البعض عمليات هدم المدن وإعمارها على طابع طراز عالمي وحديث بـ«دوبايزيشين» (Dubaisation)، في كلمة تصف النموذج المعماري الذي يأخذ دبي نموذجاً للمدينة. يجري في هذه المشاريع تدمير المباني باسم التحديث والتطوير، وتشييد مبانٍ لا تكون فيها «البيوت كلياتها جنب بعض». حينها يُصبح الناس غرباء عن بعضهم بعضاً، وغرباء في المدينة، ولا يعيشون في حي يُشبههم ويُشبه عاداتهم وحياتهم اليومية.

زار الشرع في آخر شهر آب (أغسطس) من العام الماضي الموقع، ووضعَ حجر الأساس للمشروع على طرف بساتين القرابيص. كان برفقته محافظ حمص ورفاعي حمادة. زرتُ حجر الأساس ووجدته مكسوراً، وكأنها رسالة من أهل حمص عن رفض المشروع. وزرته مرة ثانية في اليوم التالي فوجدتُ الحجر غير موجود واستُبدِل بقطعة خشب صغيرة. الجرافات الآن موجودة في منطقة المصابغ، إحدى المناطق الأربع المقترحة ضمن مشروع بوليفارد النصر، والتي تتصل جغرافياً ببعضها بعضاً. في زيارة لموقع المصابغ وُضِع جدار حول الموقع، مع صور لمقترحات المشروع، مع أقوال مثل: من عاصمة الثورة نبدأ إعادة الإعمار.

لكن هل هذا المشروع يندرج أصلاً ضمن إعادة إعمار؟

لا يُمكن وصف مشروع بوليفارد النصر بأنه مشروع إعادة إعمار؛ إنه مشروع استثمار. ولا يُمكن لنا تَخيُّلُ أنه سيُساعد أهل حمص المتضررين. يعيش تسعة من بين كل عشرة سوريين في الفقر حسب تقارير الأمم المتحدة، ومشاريع كهذه بشقق تتراوح أسعارها بين 90 و260 ألف دولار، مقسّطة على ست سنوات حسب زميل تواصل معهم للاستفسار، ليست مخصصة لعموم السوريين. لن يستطيع تحمّل أسعار كهذه إلا نسبة قليلة جداً ممن يعيشون داخل البلد، وبعض المقتدرين في مدن مثل برلين أو جدة أو دبي أو غيرها. كم من عائلات تعيش على معاش تَقاعُدها الذي لا يتجاوز الخمسين دولاراً شهرياً، وكم من شباب وشابات عاجزين عن إيجاد دخل لدعم أسرهم، أو يعملون بدخل قليل لا يتجاوز بضع مئات الدولارات.

بوليفارد النصر، لمن؟

الفلاحة هي إعادة الإعمار

في منطقتنا العربية، تتعرض مدن وقرى للتدمير في زمن الحرب، من غزة وبيروت إلى الموصل وبنغازي. لكن المؤسف أن الكثير من مشاريع الإعمار أو إعادة الإعمار التي نُفِّذت في الماضي (كما هي حالة مشروع سوليدير في بيروت)، أو التي تُقتَرح خلال سنوات الحرب (مثل مشروع ماروتا سيتي في دمشق)، أو التي يجري اقتراحها اليوم (مثل مشروع بوليفارد النصر) تخلق مساحات جديدة من التقسيم المجتمعي الذي يركز على المجتمعات الغنية بدل التركيز على التعافي الحضري للسكان الذين خسروا بيوتهم وأرزاقهم. شهدت هذه المدن كثيراً من المعاناة، الفقدان، الخسارة، الصدمات، ولا تزال تُعاني من ويلات الحرب كل يوم. لا يزال الجرح في حمص ينزف، وهذه المشاريع اللمّاعة مبنية على التدمير والتهميش والإقصاء، بدل أن تُبنى على خلق مساحات للتعافي، التذكّر، العدالة المكانية والبيئية، العدالة الانتقالية والمشاركة المجتمعية. في زيارتي للعم يوسف في أيلول الماضي، قال لي:

«نحنا وجعنا إنو هاي الأرض من جدودنا من أبّهاتنا لنحنا، عم نفلحها ونزرعها ونستفيد منا. غير هيك، في شي اسمه حزام أخضر، هادا بفيد، بفيد البلد. هادا هون واجهة المدينة، واجهة حمص. أنا خلقت هون. أنا خلقت هون. هلق أنا عمري 61 سنة. أنا خلقت هون. ما فيني أترك من هون. حتى كنت بالحرب روح وأجي وكان ألغام، وروح وأجي. ويعيطوا عليي يقولولي ملغمة، وأنا روح وأجي، بدي فوت على أرضي. ما فيني أتركها. لازم يرجعوا العالم، لازم يرجعوا العالم… منتمنى إنو العالم ترجع، تفلح وتزرع، وتأنتج، منتمنى. ليك أيدينا، وليك أجرينا محفورة بالأرض وبالشغل. صعب هاي تنعم، طول مانك عم تشتغل بالأرض.

تصوير عمار عزوز 2025

يبدو البستان أحد أنجح محاولات التعافي في حمص. هنا رجلان يفلحان سوياً لتحويل الدمار إلى جنة. ليس البستان مجرد مساحة خضراء ترمز للحياة، لكنها أيضاً حالة دراسية مهمة على التناقض ما بين واقع الناس وأحلام المستثمرين والسياسيين. قد تكون بساتين القرابيص فرصة جديدة للسعي إلى العدالة في حمص، ولتعافٍ لا يُبنى على تحويل آلام الناس إلى مشاريع استثمار، بل إلى مساحات للأمل وخلق مستقبل عادل يطمح إليه كثير من أهل المدينة.

يُشيرُ العم يوسف إلى يديه المحفورتين من العمل في الأرض لسنوات. يتمنى عودة الناس إلى البساتين. يتركني ويمشي بين أشجاره ونباتاته، يتفحص أغصانها، ويقطف التين لضيافتي. يبكي.