اكتمل اليوم نصاب الفواجع اللبنانيّة. مُنيت الغلبات أو مشاريع الغلبات كلّها بهزائم. تساوت في ذلك من وُئدت في مهدها ومن حكمت وعلت وتجبّرت. في لبنان اليوم، الطوائف على الأرض ورموزها وعناوين فخرها أو رؤوس غلباتها في السماء. هي على أرض الواقع تواجه الحقائق ورموزها في عين التاريخ.
فُجع لبنان والدروز فيه باغتيال المعلّم والمفكّر كمال جنبلاط سنة 1977. باغتياله انتهى مشروع الغلبة الدرزيّ. انتهى حلم الإمارة التي أسّسها الأمير فخر الدين الثاني المعنيّ وانبثقت منها بعد قرون دولة وجمهوريّة.
ثمّ فُجع لبنان والموارنة باغتيال الشيخ بشير الجميّل قبل أن يصل إلى قصر الرئاسة ويحكم. شكّل اغتياله بداية إعلان صريح لانتهاء زمن “المارونيّة السياسيّة” التي بدأت تتبلور بُعيد أحداث 1840-1860، ثمّ راحت تفرض حضورها وغلبتها بدءاً بإعلان لبنان الكبير عام 1920 مروراً بجمهوريّة الاستقلال. من رحمها، أو من غلبتها انبثقت مشاريع غلبات إسلاميّة اتّخذت شكل تصحيح خلل أصاب الميثاق الوطنيّ والميثاقيّين بمقتل، وعطب أُنزل في أحد جناحَي لبنان.
بدأت فجيعة السنّة في لبنان بإقصاء الرئيس رياض الصلح عن الحكم زمن الشيخ بشارة الخوري ثمّ اغتياله في الأردن عام 1951، واكتملت فصولها سنة 2005 في 14 شباط تحديداً يوم اغتيال الرئيس رفيق الحريري. كان الحريري مشروعاً سنّيّاً بقدر ما كان مشروعاً لبنانيّاً وإقليميّاً وحتّى دوليّاً. كان ملء الوطن وأصغر منه وأكبر في آن. كان سُنّيّاً بقدر ما كان عابراً للطوائف، وهو ما ينطبق على سابقيه ولاحقيه نوعاً ما وبنسب متفاوتة.
لم يتعلّم الشيعة من الدروس السابقة. لم تردعهم الفواجع التي حلّت بمواطنيهم وإخوتهم وشركائهم في الوطن. لم يعتبروا ممّا أصاب الغلبات التي سبقت غلبتهم. ظنّ “الحزب” أنّ إيران الملالي عمقه، وهو عمق لا يزول، وأنّ نظام الأسد سيخلد إلى الأبد في سوريا، وأنّ السلاح زينة في كلّ زمان ومكان.
لم ينتبه “الحزب” إلى أنّ للجغرافيا حواجزها الطبيعيّة، ولها أيضاً حواجز تنصبها الأحداث التاريخيّة. اعتقد أنّ الطريق بين الجنوب وإيران لن تنقطع، وأنّ خطوط الإمداد باقية ما بقيت الجبال والوديان، ونسي أنّه محاط بعدوٍّ وبحر وطوائف كانت لها غلبة يوماً ما. غرّه السلاح وفتنته القوّة حتّى صرعته، وفُجع ومعه غلبة شيعيّة بأمينه العامّ وقائده التاريخيّ السيّد حسن نصرالله. الأيّام دول ولكلّ زمان دولة ورجال. لكن “لقد أسمعت لو ناديت حيّاً/ ولكن لا حياة لمن تنادي”.
دبلوماسي عربي تحدّث إلى مسؤولين سياسيّين ونخب إعلاميّة في جلسة خاصّة عن اكتمال الفواجع الرمزيّة، مشيراً إلى وصول الأزمات لدى مختلف مكوّنات المجتمع اللبنانيّ إلى ذروتها، وتالياً لم يبقَ أمامها سوى القواسم المشتركة… والحكمة بعيداً عن الاستقواء بالخارج.
إذا كان من سياق لبنانيّ للحرب الإسرائيليّة المستمرّة على لبنان حتّى اليوم، والتي بادر “الحزب” إلى جرّها علينا إسناداً لجمهوريّة “الوليّ الفقيه” أخيراً وإسناداً لغزّة قبل ذلك، فلن يكون غير سياق الغلبة الشيعيّة في لبنان، التي بدأت تتمظهر بُعيد إسقاط اتّفاق 17 أيّار سنة 1983 مع إسرائيل.
صحيح أنّها تقع أيضاً ضمن سياق الصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ، لكنّ الأخير يتّسع لكلّ سياق ويضيق حتّى يلفظها كلّها.
الانقلاب على الشّرعيّة
يومئذٍ، أي بدءاً من 6 شباط 1984 تاريخ انتفاضة رئيس حركة أمل نبيه برّي على الشرعيّة اللبنانيّة بحجج كثيرة في طليعتها إسقاط اتّفاق 17 أيّار، بدأت تتبلور نواة غلبة شيعيّة. راحت تتّضح صورتها سنةً تلو سنة في تسعينيّات القرن الماضي، وتستحوذ على القرار اللبنانيّ منذ مطلع الألفيّة الجديدة، مدعومةً من نظام آل الأسد في سوريا وجيشه في لبنان ومسنودةً من نفوذ إيرانيّ راح يتمدّد منذ قيام الثورة في إيران سنة 1979.
امتدّت الغلبة الشيعيّة هذه حتّى أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل وحرب الإسناد الأولى سنة 2023 وما تبعها من حرب إسرائيليّة ضروس سنة 2024 لا تزال مستمرّةً بأشكال متعدّدة إلى يومنا هذا، وما إطلاق الصواريخ الستّة على إسرائيل إسناداً لإيران مطلع آذار الماضي سوى تأجيج لهذه الحرب ومحاولة لجبر ما انكسر سنة 2024 من هيبة “الحزب” وترسانته وعتاده وعديده.
الحرب الإسرائيليّة على لبنان سنة 2024، وما أفضت إليه من اتّفاق لوقف إطلاق النار التزمه “الحزب” وحده من دون إسرائيل، ليسا سوى تجلٍّ من تجلّيات الهزيمة التي مُني بها “الحزب”، والطائفة الشيعيّة في لبنان التي احتكر مع حركة “أمل” تمثيلها لعقود، وتالياً إعلان صريح بنهاية غلبة شيعيّة كانت هنا.
لم تخطّ الحرب الإسرائيليّة على لبنان وحدها حروف الإعلان الأخير بل ساهمت في كتابته أحداث عدّة وقعت في الإقليم والشرق الأوسط، أقربها ما جرّته حركة “حماس” على غزّة من خراب ودمار، ثمّ سقوط نظام بشّار الأسد في دمشق، وصولاً إلى الحرب الأولى على إيران ثمّ الحرب الثانية التي تشهد حاليّاً وقفاً هشّاً لإطلاق النار. وما سُمّي “محور المقاومة” انفرط عقد حبّاته حبّةً حبّةً من فلسطين إلى إيران، ومن اليمن إلى العراق مروراً بلبنان وسوريا.
فقدت الغلبة الشيعيّة في لبنان جزءاً من رعاتها الإقليميّين الذين كانوا حتّى الأمس يتمثّلون في نظام آل الأسد الذي سقط في سوريا ونظام الملالي في طهران الذي لا يفرغ من التصدّي لضربة حتّى تعاجله الولايات المتّحدة وإسرائيل بضربة أخرى.
أبعد من ذلك لم يعُد للغلبة الشيعيّة وقود. الخسائر التي تكبّدها “الحزب” من ترسانته الصاروخيّة مروراً بعناصره ومقاتليه وصولاً إلى منازل وقرى وبلدات بيئته الحاضنة، وهي خسائر تحتاج إلى عقود لإعادة بنائها على أقلّ تقدير، تعلن بصريح العبارة أنّ زمن غلبة الثنائي الشيعي انتهى.
عليه، السؤال اليوم أو غداً في اليوم التالي للحرب الإسرائيليّة على لبنان هو: هل تبرد الرؤوس الشيعيّة الحامية وتنضمّ إلى الرؤوس اللبنانيّة التي لم تبرد إلّا بعد فجائع عدّة توزّعت على الطوائف اللبنانيّة، وننتقل إلى غلبة المواطنيّة أو غلبة الدولة بعد طول غلبات؟
في انتظار الشّيعة
في لبنان اليوم وغداً طوائف ذهبت في مشاريعها الخاصّة وغلباتها حدّ الموت، حدّ الهزيمة، ولم تندثر. اندثرت غلباتها ومشاريع غلباتها. سقطت تحالفاتها وسقط رعاتها دولةً إثر دولة، ونظاماً تلو نظام. وحدها الجغرافيا بقيت لها. الجغرافيا والطوائف المجاورة. وبقيت الدولة اللبنانيّة أو مشروع الدولة والمواطنة. عاد الدروز من حلم الإمارة إلى حقيقة الدولة. وعاد الموارنة من حضن الغرب إلى صدر الدولة. ورجع السنّة من الأمّة الكبيرة إلى الوطن الصغير.
بلغت الانقسامات والخلافات ذروتها. لم يبقَ إلّا القواسم المشتركة بين اللبنانيّين طوائف وجماعات، وفي مقدَّمها الفواجع وقد اكتمل نصابها.
ينتظر اللبنانيّون اليوم عودة الشيعة إلى الشرعيّة والمؤسّسات، إلى الجمهوريّة اللبنانيّة من جمهوريّات أخرى، إلى مشروع الدولة والمواطنة من المشاريع العابرة للدول والأوطان.
