دفعت الخلافات الحادّة على قانون إعفاء “الحريديم” من الخدمة العسكريّة، الذي من المقرّر التصويت على مشروعه في 20 أيّار المقبل، حكومة بنيامين نتنياهو إلى تقديم مشروع قانون لحلّ الكنيست والتوجّه نحو انتخابات مبكرة بعد تصاعد الانقسام داخل الائتلاف.
بات واضحاً أنّ نتنياهو قرّر اللجوء إلى خيار حلّ الكنيست والتوجّه لانتخابات مبكرة، في ظلّ انحسار خياراته السياسيّة والوقت مع اقتراب موعد الانتخابات الطبيعيّ في تشرين الأوّل المقبل.
في موازاة الأزمة السياسيّة، تتكشّف أزمة بنيويّة داخل الجيش الإسرائيليّ، بعدما حذّر ضبّاط وقادة عسكريّون من عجز المؤسّسة العسكريّة عن استيعاب وتجهيز آلاف الجنود الجدد، بسبب نقص البنية التحتيّة وميادين التدريب والمعدّات العسكريّة.
أكّد رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير أنّ الجيش بحاجة فوريّة إلى مزيد من الجنود لمواصلة القتال على جبهات متعدّدة، محذّراً من انهيار منظومة الاحتياط في حال استمرار الوضع الحاليّ، بينما أقرّ مسؤولون عسكريّون بأنّ الجيش يواجه نقصاً حادّاً في المقاتلين وقوّات الدعم القتاليّ.
مأزق الجيش
تعكس هذه التحذيرات حجم المأزق الذي يعيشه جيش الاحتلال بعد أشهر طويلة من الحرب من دون تحقيق حسم واضح في غزّة أو لبنان أو اليمن أو إيران، وهو ما أدّى إلى استنزاف متواصل للقوّات النظاميّة والاحتياطيّة، بينما قدّرت مصادر عبريّة حاجة الجيش إلى أكثر من 10 آلاف جنديّ، ومئات الضبّاط برتب عالية.
كشفت الأزمة أيضاً عن تصدّع اجتماعيّ متزايد داخل إسرائيل، مع تصاعد غضب الطبقة الوسطى والجنود في الاحتياط من استمرار إعفاء “الحريديم” من الخدمة العسكريّة، فيما تتحمّل قطاعات واسعة من الإسرائيليّين أعباء الحرب البشريّة والاقتصاديّة.
على الرغم من قرار المحكمة العليا الإسرائيليّة إلغاء الإعفاء الجماعيّ للحريديم وإلزام الحكومة بتجنيدهم، بقيت نسبة الاستجابة متدنّية جدّاً، وهو ما عمّق الانقسام بين المؤسّسة العسكريّة والأحزاب الدينيّة، وحوّل قضيّة التجنيد إلى معركة سياسيّة ومجتمعيّة مفتوحة مرشّحة لتكون عنوان الانتخابات المقبلة.
قال الخبير في الشأن الإسرائيليّ د. محمد خلايلة إنّ بنيامين نتنياهو بات منشغلاً بشكل كامل بمعركة البقاء السياسيّ، في ظلّ تصاعد الأزمات داخل الائتلاف الحاكم وتعمّق الخلافات المرتبطة بقانون تجنيد الحريديم.
أوضح خلايلة في حديث لـ”أساس” أنّ نتنياهو يحاول من خلال الدفع باتّجاه حلّ الكنيست والتوجّه إلى انتخابات مبكرة الظهور بمظهر من يمسك بزمام القرار السياسيّ لا ضحيّة الضغوط التي تمارسها الأحزاب “الحريديّة” المهدِّدة بإسقاط الحكومة على خلفيّة قانون التجنيد.
أشار إلى أنّ نتنياهو ما يزال مسكوناً بهاجس البقاء في السلطة، لارتباط ذلك بشكل مباشر بمحاولاته التهرّب من ملفّات الفساد التي تلاحقه داخل إسرائيل، لافتاً إلى أنّه حاول استثمار الحرب الأخيرة على إيران لترميم صورته وتعزيز شرعيّته السياسيّة والشعبيّة، واستطلاعات الرأي الإسرائيليّة بقيت تشير إلى ثبات قوّة حزب الليكود والمعسكر الذي يقوده دون تحقيق اختراق سياسيّ حقيقيّ.
أضاف خلايلة أنّ الحرب منذ السابع من أكتوبر فتحت بصورة غير مسبوقة ملفّ علاقة الجيش بالمجتمع الإسرائيليّ، وتحوّلت قضيّة التجنيد إلى واحدة من أكثر القضايا حساسيّة داخل إسرائيل، في ظلّ تصاعد الأصوات داخل المؤسّسة العسكريّة المطالبة بتوفير مزيد من الجنود والموارد البشريّة والميزانيّات.
أزمة أعباء الحرب
لفت إلى أنّ الأزمة الحاليّة لا ترتبط فقط بالحاجة العسكريّة، بل تعكس أيضاً سجالاً مجتمعيّاً واقتصاديّاً داخل إسرائيل يتعلّق بالطبقة الوسطى المنتجة ودافعي الضرائب، الذين يشعرون بأنّ أعباء الحرب والخدمة العسكريّة تقع بصورة أساسيّة على كاهلهم، بينما تستمرّ الكتلة الحريديّة بالحصول على إعفاءات واسعة من الخدمة العسكريّة وامتيازات ماليّة.
أكّد خلايلة أنّ التحالف الحكوميّ الحاليّ يستند بصورة أساسيّة إلى الأحزاب “الحريديّة”، وهو ما وضع نتنياهو أمام معادلة معقّدة: إذا مضى في تمرير قانون يعفي “الحريديم” من التجنيد فسيتعرّض لانتقادات واسعة من قطاعات إسرائيليّة عديدة، بما فيها قواعد داخل اليمين الإسرائيليّ، وأمّا إذا فشل في تمرير القانون فإنّه يخاطر بتفكّك الائتلاف الحكوميّ وخسارة دعم الأحزاب “الحريديّة”.
رأى أنّ هذه التناقضات والصراعات الداخليّة تدفع نحو تفكّك الائتلاف الحاكم، مضيفاً أنّ نتنياهو يدرك أيضاً أنّ الانتخابات المبكرة قد تكون أقلّ خسارة بالنسبة له من الوصول إلى موعد الانتخابات الرسميّ المتزامن مع ذكرى السابع من أكتوبر، بكلّ ما تحمله تلك الذكرى من أبعاد سياسيّة وشعبيّة داخل المجتمع الإسرائيليّ.
في ما يتعلّق بتحذيرات رئيس أركان جيش الاحتلال إيال زامير من انهيار منظومة الاحتياط، أوضح خلايلة أنّ المؤسّسة العسكريّة الإسرائيليّة تعتبر أنّ عدم تحقيق حسم واضح منذ السابع من أكتوبر، سواء في غزّة أو لبنان أو إيران، يفرض الحاجة إلى تعزيز القوّة العسكريّة بصورة أكبر لمنع تكرار ما حدث وضمان استمرار التفوّق الإسرائيليّ.
أضاف أنّ القيادة العسكريّة ترى أنّ الحفاظ على ما تسمّيه “المنجزات العسكريّة” يتطلّب توفير مزيد من الجنود وتعزيز منظومة الاحتياط والبنية العسكريّة، وهو ما يفسّر الضغوط المتزايدة باتّجاه سنّ قانون تجنيد شامل.
تعميم الخدمة العسكريّة
أشار خلايلة إلى أنّ النقاش الدائر داخل إسرائيل لم يعُد عسكريّاً فقط، بل تحوّل إلى نقاش يتعلّق بطبيعة المواطنة وتقاسم الأعباء داخل المجتمع الإسرائيليّ، وتتصاعد المطالب لفرض الخدمة العسكريّة أو أشكال أخرى من الخدمة على جميع الشرائح المستفيدة من الدولة.
أوضح خلايلة أنّ بعض التيّارات داخل إسرائيل بدأت تطرح مسألة فرض الخدمة المدنيّة أو الوطنيّة على الفلسطينيّين داخل أراضي عام 1948، باعتبار أنّهم جزء من المواطنة الإسرائيليّة، بينما ترفض أطراف أخرى طرح الخدمة العسكريّة عليهم بسبب البعد الهويّاتيّ والأخلاقيّ المرتبط بالصراع.
أكّد أنّ الضغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة والعسكريّة المتراكمة منذ اندلاع الحرب دفعت الطبقة الوسطى الإسرائيليّة إلى رفع سقف مطالبها، فباتت قضيّة التجنيد إحدى القضايا المركزية المتوقّع أن تشكّل محور المعركة الانتخابيّة المقبلة في إسرائيل، في ظلّ أزمة مركّبة تجمع بين الاستنزاف العسكريّ والانقسام السياسيّ والتفكّك المجتمعيّ داخل دولة الاحتلال.