لم تعد القصور والشقق الفاخرة في لندن مجرد عنوان للرفاهية أو مخزن آمن لثروات النخبة العالمية؛ أصبحت مرآة لتحول أعمق في العلاقة بين المال والسياسة. فخلف الأبواب الفخمة في كنسينغتون ونايتسبريدج وتشيلسي، تتبدل حسابات المستثمرين الذين اعتادوا النظر إلى بريطانيا بوصفها ملاذاً يجمع بين الاستقرار القانوني والمكانة الاجتماعية والفرص المالية. واليوم، ومع تشديد القواعد الضريبية وتزايد القلق بشأن الاتجاه الاقتصادي، يختار بعض أصحاب الثروات نقل إقامتهم إلى وجهات أخرى، بينما يفضّل آخرون تأجيل الشراء أو الاحتفاظ بمنازلهم من دون استخدامها بوصفها مقراً دائماً. وقد انعكس ذلك على سوق العقارات الفاخرة التي تواجه تراجعاً في الأسعار وضعفاً في الطلب، ولا سيما في وسط لندن.
لا يمكن فهم هذا التحول من دون التوقف عند قرار الحكومة البريطانية إنهاء النظام الضريبي المعروف باسم “غير المقيمين لأغراض الموطن” أو “نون دوم”، الذي أتاح لفئات من المقيمين في بريطانيا، ممن لا يُعدّونها موطنهم الدائم لأغراض ضريبية، الاستفادة من معاملة خاصة لدخلهم ومكاسبهم المتحققة في الخارج. هذه إصلاحات جوهرية وليست مجرد تعديلات إدارية، لأنها تمس الطريقة التي ينظم بها الأثرياء إقامتهم وأصولهم وميراثهم عبر الحدود.
من منظور الحكومة، لا يتعلق الأمر بطرد رأس المال، بل بإنهاء امتياز ضريبي طالما أثار اعتراضات تتصل بالعدالة. فمن الصعب إقناع الموظف أو صاحب المشروع الصغير بأن النظام الضريبي منصف إذا كان بعض المقيمين الأثرياء يتمتعون بمعاملة مختلفة لدخولهم الخارجية. وفي وقت تحتاج فيه الدولة إلى تمويل الخدمات العامة ومواجهة ضغوط الموازنة، تبدو مطالبة أصحاب الثروات بالمساهمة بصورة أكبر خياراً سياسياً مفهوماً. لكن المشكلة تبدأ عندما تتعارض العدالة التي تستهدفها السياسة مع السلوك الفعلي للأشخاص الذين تستطيع ثرواتهم التحرك بين الدول بسهولة.
فالمال العالمي لا يتحرك وفق الاعتبارات الضريبية وحدها، لكنه لا يتجاهلها أيضاً. وحين يقارن المستثمر بين لندن ودبي وميلانو وموناكو وسنغافورة، فإنه لا يدرس معدل الضريبة فقط، بل ينظر إلى الاستقرار السياسي، وسهولة إدارة الأعمال، وجودة المدارس والخدمات، والقواعد المتعلقة بالإرث، وتكلفة السكن، وإمكان الوصول إلى الأسواق الدولية. وقد تكون الضريبة المرتفعة مقبولة إذا كانت البيئة المحيطة بها مستقرة ومتوقعة وتوفر فرصاً لا تعوضها وجهة أخرى.
هنا يتداخل أثر الإصلاحات الضريبية مع إرث بريكست. فخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لم يُنهِ مكانة لندن المالية، ولم يحوّلها تلقائياً إلى مدينة هامشية، لكنه غيّر بعض شروط الوصول إلى السوق الأوروبية وأثار أسئلة حول مستقبل الأنشطة المالية والاستثمارية. ومنذ ذلك الحين، لم تعد لندن تتنافس فقط على استقطاب الثروة، بل على إقناع أصحابها بأن لديها رؤية اقتصادية مستقرة وطويلة الأجل. وفي المقابل، عززت مدن أخرى أدوات جذبها، مستفيدة من سياسات ضريبية أكثر وضوحاً لبعض الفئات، أو من إجراءات إقامة مرنة، أو من نمو قطاعات جديدة في الاقتصاد العالمي.
وتكشف سوق العقارات الفاخرة في لندن عن بعض نتائج هذا التنافس. فقد أظهرت بيانات شركة “سافيلز” أن أسعار العقارات في السوق السكنية الراقية بوسط لندن تراجعت بنحو 4.8 في المئة خلال عام 2025، بينما هبطت أسعار العقارات التي تتجاوز قيمتها عشرة ملايين جنيه إسترليني بنحو 5.6 في المئة. وتشير هذه الأرقام إلى سوق تتعرض لضغط واضح، وإن كانت لا تعني انهياراً شاملاً أو انسحاب المشترين جميعاً.
وتبدو الصورة أكثر تعقيداً من حكاية أثرياء يغادرون فتخلو القصور من أصحابها. فبعض الذين ينقلون إقامتهم الضريبية يحتفظون بمنازلهم في لندن، إما انتظاراً لتحسن الظروف، أو لأنهم لا يريدون التخلي عن أصول يصعب تعويضها في موقع عالمي مهم. وقد لاحظت شركة «نايت فرانك» أن خروج بعض المقيمين الأثرياء لم يتحول بالضرورة إلى موجة واسعة من بيع المنازل في أعلى شرائح السوق، وأن بعضهم يفضل الاحتفاظ بالعقار أو تأجيره بدلاً من بيعه في سوق تتراجع فيها الأسعار.
وهذا الفارق مهم، لأن أثر هجرة الثروة على العقارات لا يظهر فقط في عدد المنازل المعروضة للبيع، بل أيضاً في قرارات الشراء المؤجلة، وفي انخفاض استعداد المشترين لدفع أسعار مرتفعة، وفي انتقال بعض الطلب من التملك إلى الاستئجار. وعندما يصبح المستثمر غير واثق من القواعد التي ستطبق بعد سنوات قليلة، فقد يفضّل دفع إيجار مرتفع على تجميد ملايين الجنيهات في عقار يصعب بيعه بسرعة أو قد تتراجع قيمته. بذلك لا تفقد لندن المشتري بالضرورة، لكنها قد تفقد جزءاً من التزامه طويل الأجل بالسوق.
كما أن العقار الفاخر ليس قطاعاً معزولاً عن بقية الاقتصاد. فشراء منزل بملايين الجنيهات يحرك شبكة من الأنشطة، تشمل شركات الوساطة والمحاماة وإدارة الثروات والتصميم والبناء والصيانة والخدمات المنزلية. غير أن حجم الأثر النهائي يحتاج إلى قياس دقيق؛ فانتقال شخص ثري إلى الخارج لا يعني بالضرورة بيع منزله، كما أن تراجع أسعار العقارات الفاخرة لا يمكن نسبته كله إلى الضرائب. فتكلفة الاقتراض، والتقييمات المرتفعة التي راكمتها السوق خلال سنوات، والظروف الاقتصادية العامة، وتبدل الطلب الدولي، كلها عوامل تتفاعل في تحديد الأسعار.
وهنا ينبغي الحذر من استخدام عبارة “هروب الأثرياء” باعتبارها وصفاً شاملاً لكل ما يجري. فالتقديرات الخاصة بأعداد أصحاب الملايين الذين يغادرون بريطانيا تختلف بحسب تعريف الثروة والإقامة وطريقة احتساب الانتقال، كما أن بعض الأرقام المتداولة تصدر عن شركات استشارية لا عن إحصاءات حكومية نهائية. وقد أشارت تقارير القطاع العقاري إلى تراجع جاذبية بريطانيا لدى بعض الفئات، لكنها أظهرت أيضاً أن لندن تحتفظ بعوامل جذب مهمة، من بينها جامعاتها ومؤسساتها القانونية والثقافية وشبكاتها المالية.
ومع ذلك، فإن ما يحدث يفتح نقاشاً سياسياً واجتماعياً لا تستطيع الحكومة تجاهله. فهناك من يرى أن أي تراجع في سوق العقارات الفاخرة يمكن أن يخفف بعض الضغوط السعرية ويحد من تحول المساكن إلى أدوات لتخزين الثروة، خصوصاً في المدن التي يعاني سكانها من صعوبة الحصول على منزل. وهناك من يحذر من أن السياسات التي تستهدف أصحاب الثروات قد تتجاوز أثرها المباشر، فتضعف الاستثمار في الأعمال الجديدة وتقلل الإنفاق المحلي والإيرادات الضريبية التي كان يمكن تحصيلها لو بقي هؤلاء في البلاد.
ليس صحيحاً أن خفض الضرائب على الأثرياء يضمن تلقائياً تدفق الاستثمارات، مثلما ليس صحيحاً أن رفعها يضمن زيادة الإيرادات. فالسلوك الضريبي يتأثر بحجم الضريبة، وبالفرص المتاحة، وبمدى سهولة الانتقال، وبالثقة في استقرار القواعد. وقد يؤدي نظام أكثر تشدداً إلى زيادة الإيرادات من المقيمين الذين يبقون، لكنه قد يفقد جزءاً من القاعدة الضريبية إذا غادر بعضهم. وفي المقابل، فإن المنافسة على أصحاب الثروات عبر الإعفاءات غير المحدودة قد تخلق نظاماً مزدوجاً يشعر فيه المواطنون العاديون بأنهم يتحملون العبء الأكبر. ومن ثم فإن الاختبار الحقيقي لا يتمثل في اختيار أحد الطرفين بصورة مطلقة، بل في بناء قواعد مفهومة ومستقرة، تتيح للدولة تحصيل الضرائب بصورة عادلة وتمنح المستثمرين قدرة على التخطيط.
أما على المستوى الدولي، فقد أصبحت المنافسة بين المدن منافسة على نمط الحياة بقدر ما هي منافسة على الضرائب. فدبي تسعى إلى استقطاب رواد الأعمال والمستثمرين عبر بيئة أعمال دولية وإقامات طويلة الأجل، بينما تجذب سنغافورة رؤوس الأموال التي تبحث عن الاستقرار والاتصال بالأسواق الآسيوية. وتنافس مدن أوروبية مثل ميلانو ومدريد وباريس على استقطاب المقيمين الدوليين، وإن اختلفت أنظمتها الضريبية وشروط الإقامة فيها. وليس هناك نموذج واحد يضمن الفوز بهذه المنافسة؛ فالإعفاءات قد تجذب الثروة، لكنها لا تعوض ضعف المؤسسات، كما أن الاستقرار القانوني والخدمات العامة والفرص المهنية تظل عناصر أساسية في القرار.
بالنسبة إلى بريطانيا، لا يزال لديها ما يصعب استنساخه بسهولة: نظام قانوني راسخ، وجامعات ومؤسسات ثقافية عالمية، وسوق مالية ذات تاريخ طويل، وشبكات أعمال دولية. لكن هذه المزايا ليست ضمانة دائمة. فالمدن لا تفقد مكانتها في يوم واحد، لكنها قد تخسر تدريجياً بعض الوظائف والأنشطة حين يكتشف المستثمرون أن بوسعهم الحصول على مزايا مشابهة في مكان آخر بكلفة أقل أو بقدر أكبر من اليقين.
قد تستطيع لندن الاحتفاظ بمكانتها حتى مع ضرائب أعلى، إذا ظلت توفر بيئة مستقرة وفرصاً لا تتكرر في المدن المنافسة. وقد تجد الحكومة أن بعض المغادرين لا يشكلون خسارة دائمة، إذا نجحت في توجيه الإيرادات إلى خدمات وبنية تحتية تدعم الاقتصاد الأوسع.