زار الرئيس السوري أحمد الشرع الرياض يوم الثلاثاء، وجاءت تسريبات اليوم التالي لتضع ملف اليمن في صدارة الزيارة. فقد أفادت «رويترز»، نقلاً عن مسؤول أميركي ومسؤول عسكري سوري، بأنّ دمشق تدرس خيارات لمساعدة السعودية عسكرياً، من مساعدة دفاعية لحماية المملكة من الهجمات، إلى نشر قوات بمهام هجومية إلى جانب القوات اليمنية المدعومة من الرياض. وقال المسؤول الأميركي إن الرياض طلبت من سوريا نشر قوات، وإن الشرع ناقش الاحتمال مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.
لم تأتِ التسريبات من فراغ. فقد سبقتها تقارير تحدثت عن طلب سعودي بتشكيل قوة سورية وإرسالها إلى اليمن، وتسريبات عن أعداد كبيرة من المقاتلين المحتملين، من دون تأكيد رسمي لهذه الأرقام ولا ما يعززها داخل الجيش السوري حتى اللحظة. وفي الجانب الأميركي، لا تبدو إدارة الرئيس دونالد ترامب معارضة من حيث المبدأ، وإن حذّر مسؤولون من أن الخطوة قد تمنح الحرب بعداً دينياً وطائفياً أوضح.
في المقابل، جاء الرد السوري حاسماً في لهجته. فقد وصف مستشار الرئاسة أحمد موفق زيدان ما يُروَّج عن طلب سعودي لإرسال قوات إلى السعودية أو اليمن بأنه كذب لا صحة له، مؤكداً أن أمن المملكة من أمن سوريا. وتشدد دمشق على أن أولويتها التعافي وإعادة بناء الجيش، وأن أي تعاون عسكري لا يتم إلا عبر القنوات الرسمية والاتفاقيات الثنائية، فيما تقول وزارة الإعلام إنّ سياستها تقوم على الاستقرار وعدم فتح جبهات جديدة. حتى الآن لا يوجد قرار سوري معلن بإرسال قوات. الثابت فقط أنّ الملف العسكري والأمني كان في صلب اجتماع الرياض.
لماذا اليمن؟ حسابات الرياض
لا تحتاج السعودية بالضرورة إلى آلاف الجنود السوريين، فلديها قواتها وشركاؤها اليمنيون الذين لا يعوزهم العدد ولا العتاد. لكن قيمة الحضور السوري، إن حصل، سياسية وأمنية بقدر ما هي عسكرية. وهنا يبرز “اتفاق مكة” الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان، ويتجه إلى تفعيل عملي مع تصاعد الهجمات الحوثية، فيما تكثف الرياض تنسيقها مع مصر بشأن أمن المنطقة والبحر الأحمر. وفي هذا الإطار الأمني الجديد، تصبح مشاركة دمشق، ولو رمزية، رسالة عن اتساع الصف العربي والإسلامي حول الرياض.
. ومع اشتداد الصراع، تواجه سوريا استحقاقاً أمنياً يتمثل في تضييق الخناق على “الحزب”، ومنع استخدام أراضيها ممراً للسلاح والأفراد، مع الحذر من نشاط الحشد الشعبي والفصائل العراقية على خطوط العبور. والمطلوب ليس فتح مواجهة جديدة، بل منع انتقال أدوات الصراع الإقليمي إلى الأراضي السورية، والحفاظ على قرار أمني سوري مستقل. وهذا ما تريده الرياض: سوريا مستقرة، ذات قرار مركزي، وأقل قابلية للتحولتتجاوز أهمية دمشق للسعودية ملف الاستثمار. فاستقرارها يؤثر مباشرة في لبنان والعراق والأردن، وموقعها يجعلها جزءاً من التوازن بين القوى الإقليمية المتنافسة مجدداً إلى ساحة نفوذ إيراني.
تتقاطع في الزيارة حاجتان واضحتان. سوريا تحتاج إلى السعودية في مرحلة إعادة الإعمار، وقد تحدثت البيانات السورية عن جذب الاستثمارات والتعاون في الطاقة والبناء والصناعة والزراعة والتجارة. ويمكن للاستثمار السعودي أن يساعد دمشق في إعادة تشغيل اقتصادها، فيما تمنحها العلاقة مع الرياض عمقاً عربياً ومساحة أوسع للتحرك السياسي. أما الرياض فتحتاج إلى شريك سوري قادر على ضبط حدوده، ومنع تحول أراضيه إلى منصة لخصومها، والمشاركة في ترتيبات الأمن الإقليمي ضمن حدود تتحملها دمشق.
هنا يكمن القيد. فالجيش السوري في مرحلة إعادة تنظيم، والدولة تحتاج إلى تثبيت الأمن الداخلي وبناء مؤسساتها، والدخول في حرب اليمن قد يفتح التزاماً يصعب على دمشق تحمله. لذلك تبدو المشاركة الدفاعية أو الأمنية المحدودة أكثر انسجاماً مع الموقف السوري المعلن من إرسال قوة قتالية كبيرة.
اليمن اختبار أول
اليمن هو الاختبار الأول لطبيعة العلاقة الجديدة. فإذا بقيت دمشق خارج الحرب مع تعاون أمني محدود مع السعودية، فستتجه العلاقة نحو شراكة اقتصادية وسياسية مدعومة بتنسيق أمني. أما إرسال قوات للقتال إلى جانب حلفاء الرياض فسيعني انتقالاً إلى مرحلة أعمق من إعادة تموضع سوريا داخل المنظومة الإقليمية الجديدة.
هكذا لن تحدد الاستثمارات وحدها طبيعة المرحلة المقبلة، بل حدود الدور الذي تريده الرياض من دمشق مقابل الشراكة. وقد تكون زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى دمشق المستبعدة حتى الآن، إذا تمت، محطة مهمة في كشف هذه الحدود.
