1- سؤال الأدب
ما الأدب؟ بعيدًا عن ادعاء القدرة على حسم جدلٍ لا يزال يثير نقاشات لا تنتهي بين المنظرين، لا بأس من التأكيد على أنه من الوهم الاعتقاد بأن الحقل الأدبي، الذي استغرق تشكّله قرونًا عدة، بات اليوم محدد المعالم بوضوح، أو أن مصطلح “الأدب” يجسد واقعًا متفقًا عليه بلا لبس بين العاملين في مجال النشر والقراء. بل على العكس من ذلك، لا يزال مفهوم الأدب ينطوي على غموض يغذي نقاشات متكرّرة حول الأحكام الجمالية على النصوص؛ وهي نقاشات تفضي أحيانًا إلى تصنيفات واهية، كتلك التي تفصل بين الأدب و”شبه الأدب” (paraliterature)، أو بين الأدب والأدب الشعبي أو أدب الأطفال. لا أظن أن دراسة أو مقالة ستساهم في حسم ذلك الجدل، بل إن أعزّ ما تسعى إليه هو تحديد العناصر الجوهرية التي تسلط الضوء على كيفية تشكّل المفهوم المعاصر للأدب وكيفية تلقيه، وتحقيقًا لهذه الغاية، وذلك باستعراض التطور التاريخي لتعريف كلمة “أدب” منذ القرن الخامس عشر وحتى يومنا هذا، موضحة كيف أدت التحولات والتوسعات الدلالية التي طرأت على المصطلح إلى خلق حالة من اللبس لا تزال قائمة حتى الآن. أما النقطة الأهم، والنابعة من هذه المقاربة الدلالية، فلا يمكنها إلا أن تتناول، من جهة، السيولة التاريخية للحقل الأدبي بوصفه كيانًا نصيًا وجنسيًا (من حيث الأجناس الأدبية)، ومن جهة أخرى، المعايير المستخدمة لتحديد ما يضفي على النص صبغة “الأدبية”.
يُعد كتاب “ما الأدب؟” (نُشر المقال، بعد تنقيحه، لأول مرة على حلقات ابتداءً من عام 1947 في مجلة “Les Temps modernes”، التي كان يحررها جان بول سارتر، ثم صدر عام 1948 في مجلد بعنوان SituationsII) بيانًا يقدّم تصور سارتر لـ “الأدب الملتزم”؛ وهو تصور يدافع عنه في مواجهة منتقديه. وفيه، يجيب سارتر عن الأسئلة الثلاثة التالية: “ما هي الكتابة؟”، و”لماذا نكتب؟”، و”لمن نكتب؟”. يُصاغ السؤال الأول الذي يطرحه سارتر بشأن تعريف فعل الكتابة على النحو التالي: “ما هي الكتابة؟” وقد بلور سارتر إجابة من خلال النظر فيما ليست عليه الكتابة: فالكتابة ليست رسمًا ولا تأليفًا موسيقيًا. ذلك أن الكاتب، قادرٌ على توجيه القارئ؛ وحينئذٍ، لا يعود الشيء المعروض مجرد “شيء” فحسب، بل يتحول إلى “علامة”، على العكس من الرسام أو الموسيقي اللذين يكتفيان بعرض الأشياء وترك المشاهد يرى فيها ما يشاء.
| لم تحتجّ جماعة “تيل كيل” فقط، بل طعنت في مفهوم الجنس الأدبي، وبعنف (في الصورة أفراد من جماعة “تيل كيل” – من اليسار: فرانسوا وال، مارسيلين بلينيه، فيليب سوليرز، رولان بارت، وجوليا كريستيفا) |
يؤكد تزفيتان تودوروف، وهو من أهم من قدّم اقتراحات نظرية وإجرائية لمفهوم “الأدب” و”الأدبية”، أن تحليل السياق التاريخي لمفهوم الأدب هو تطوّر حديث يعود إلى القرن التاسع عشر. ومع ذلك، فإن هذا لا ينفي وجود أعمال أدبية تنتمي إلى أنواع مختلفة بدون أن تشير صراحةً إلى مصطلح “الأدب”؛ بل إن لغات عديدة حول العالم تفتقر إلى كلمة تعبّر عن هذا المفهوم. ثم طرح تساؤلًا حول مشروعية تصنيف نصٍّ ما أو عملٍ سرديٍّ بوصفه أدبًا؛ فبالنسبة لتودوروف، يُعد الأدب كيانًا يمكن النظر إليه من منظورين: وظيفي وبنيوي. ورغم أن الانتقال بين هذين المنظورين يظل ممكنًا دائمًا، إلا أنه لا بد من التمييز الدقيق بينهما. ويرى تودوروف أن الأدب، بوصفه كيانًا، يعمل من خلال العلاقات الاجتماعية والثقافة.
2- سؤال الجنس الأدبي
سوف أبدأ بهذا النص التعريفي المقتَبَس من كتاب “نظرية الأجناس الأدبية” لـ كلود فانسان، الصادر في طبعة أولى سنة 1904، ثم تتالت الطبعات إلى درجة لا يمكن حصرها. وأؤكّد هنا أننا سنعود للنص وصاحبه. يقول النص: “الأجناس الأدبية أشكالٌ عامّة وفنية للفكر؛ لها مميزاتها وقوانينها الخاصة. وهي تؤلّف أصنافًا تندرج ضمنها أعمال النفس الإنسانية الشديدة التعقيد والتنوُّع. وهكذا يؤلّف بعض الشعراء الملاحم، وبعضهم القصائد الغنائية، وآخرون المسرحيات المأساوية، وغيرهم الشعر التعليمي”. وأضيف أنا أن هناك من يكتب روايات، وقصصًا قصيرة. كما أن هناك من ألّفَ المقامات والحكايات…إلخ في الأدب العربي القديم.
الأدب والنقد في الستينيات، في سياق الرواية الجديدة، ورولان بارت، والتيار المدافع عن النص الذي دافع عنه فيليب سوليرز ومجموعة “تيل كيل”، جعلوا كلهم من مفهوم “جنس أدبي” عدوًا رئيسيًا. باسم “النص”، الذي من المفترض أن ينتبه للعمل الحديث (يوصف بأنه “عمل مفتوح” من طرف أمبرتو إيكو)، أصبح التمييز القديم بين أجناس الأدب، والذي قاد الأدب حتى نهاية القرن الماضي، فاقدًا للصلاحية، من حيث أنه عجز عن تصنيف أعمال أدبية مثل: “أناشيد مالدورور” للشاعر الفرنسي لوتريامون، “البحث عن الزمن الضائع” لمارسيل بروست و”عوليس” لجيمس جويس. يؤكّد الباحث الفرنسي دومينيك كومب، في هذا السياق، أنه من زاوية نظرية ونقدية يبدو أن هذا النقد الجديد لم يعد يأخذ في الاعتبار الأصالة الجذرية لهذه “النصوص” الحديثة التي تتمرد على فئات “الشعر”، “الرواية” أو “الدراسة”. سيكون من الواضح، بكل تأكيد، أن “أناشيد مالدورور” لم يعد من الممكن دراستها بنفس الأدوات النقدية التي تُدرس بها “تأملات شعرية” لـ لآمارتين، أو دراسة “البحث عن الزمن الضائع” كما تُدرس رواية بلزاك. وإذا أردنا ذكر أمثلة من الأدب العربي، فإننا لن نجد أفضل من نموذج شعر إبراهيم ناجي الذي لا يمكن دراسته بنفس الأدوات النقدية التي يجب أن ندرس بها شعر أنسي الحاج. كما لا ندرس روايات يوسف السباعي كما ندرس روايات إدوارد الخراط.
ومن وجهة نظر المؤلف- الذي تحول إلى “منتج” أو “مُرسِل”- فإن الترتيب حسب الأجناس لن يكون سوى عقبة أمام “عمل الدال” الذي بحكم التعريف، يتجاوز كل الحدود. يكفي القول إن تصنيف نص ما “رواية” أو “قصيدة” لا يبدو قديمًا فحسب، بل “رجعيًا”، كما يضع هذا التصنيف ضمن نزعة “أكاديمية” أو “مثالية”.
لم تحتجّ جماعة “تيل كيل” فقط، بل طعنت في مفهوم الجنس الأدبي، وبعنف. وقد أطلق الشاعر الفرنسي جان بولهان على هذا العنف “الإرهاب في الأدب” (1941). إن آخر رفض لمفهوم الجنس الأدبي صدر عن السوريالية التي اتخذت لها الشاعر الفرنسي لوتريامون (1846-1870) مرجعًا لها. نحن نعرف أن أندري بروتون، المعادي لفكرة “الأدب” نفسها، كان يفضل أن تكون نتيجة الكتابة الآلية ليست “قصيدة” أو “عملًا” حتى، بل “نصًّا سورياليًّا” من أجل التأكيد على الطابع التجريبي، الغريب عن الاهتمام الجمالي الذي كان، حسب السورياليين، “يشوّه” الأدب بشكل لا يمكن إصلاحه.
3- سؤال النص
يمكن فهم مصطلح “النص” في النقاشات المعاصرة بمعانٍ متعددة. ويمكن الرجوع هنا إلى التحليل الذي قدمه بول ريكور في مقال يحمل العنوان ذاته، سعى فيه إلى تحديد أبعاد الرهانات المتعلقة بـ “النصية” (textualité) من خلال الاستعانة بمجالات متنوعة تشمل اللسانيات، والتاريخ الثقافي، ودراسات العصور الوسطى، والنقد التكويني. النص هو الشيء المنسوج، أي “Textus” (النسيج). وهو مصطلح مشتق من فعل “Texere”، الذي يعني: النسج، والجدل، والتشبيك، ومن ثم البناء والتشييد.
يُفهم النص الأدبي عمومًا في النظرية الأدبية الحديثة على أنه عمل كتابي ذو غاية جمالية، يولي الأولوية للشكل والأسلوب وبراعة الصياغة اللغوية. وهو يسعى إلى تحفيز الخيال، وإثارة المشاعر، وتقديم رؤية للعالم. ويختلف هذا النص عن النصوص المعلوماتية أو التقنية بطبيعته الفنية وتعدد مستويات المعنى فيه. ولتكوين فهم أفضل لخصائص النص الأدبي، نضع أبرز جوانبه: الأولوية للجانب الجمالي، حيث يولي المؤلف اهتمامًا كبيرًا لاختيار الكلمات، والصور البلاغية، والإيقاع، والجرس الموسيقي للجمل. النص الأدبي متعدد المعاني، فعلى خلاف الدليل العلمي، يظل النص الأدبي قابلًا للتأويل؛ إذ غالبًا ما ينطوي على معانٍ متعددة، سواء كانت خفية أو رمزية. ثم هناك الوظيفة الشعرية، النص الأدبي لا ينقل الرسالة بشكل مباشر، بل إن طريقة صياغتها هي التي تستحوذ على انتباه القارئ.
4- سؤال اللغة
يقول دومينيك مانغونو أنه عندما كتب فيكتور هوغو: “قلتُ لتلك الثمرة الذهبية الطويلة: ’لكنّكِ لستِ سوى كمّثرى!‘”، مُعلنًا بذلك رفضه للنسق الأدبي الكلاسيكي الجديد، فإنّ نبذَه للعبارات الملتوية والمُنمّقة التي ميزت “الأسلوب الرفيع” كان مؤشرًا إلى تحوّلٍ عميق؛ إذ كان الأمر يتعلق بتفكيك مفهوم “النسق الأدبي المتخصص” بحد ذاته. فمنذ أوائل القرن التاسع عشر، نظرت الجماليات السائدة إلى “الأسلوب” لا بوصفه مستوىً لغويًا، كما كانت الحال في العصر الكلاسيكي، بل بوصفه تعبيرًا عن ذاتية مطلقة. وفي المقابل، فإن الإقرار بأن عملًا ما قد يُصاغ بلغة “أجنبية”، أو أن ثمة موارد لغوية محددة للتواصل بين النخبة المتعلمة، يعني الابتعاد عن هذا التصور الخاص للعلاقة بين الكاتب واللغة، وبين الأدب واللغة (د. مانغونو).
| سواء كان الخيال فرديًا أو جماعيًا، فإن النظرة إليه تتسم بالازدواجية، فهو إما مصدرٌ للعلل أو وسيلةٌ للإثراء، حسب الفيلسوف الفرنسي جان كلود وينينبورغر |
وفقًا للنظرة الشائعة، تسبق اللغةُ الأدبَ تمامًا كما تسبق الحجارةُ البناءَ الذي قد يُشيّد منها في نهاية المطاف؛ إذ يُنظر إلى اللغة باعتبارها مجموعة من المواد المتاحة للجميع، بينما يُعدّ الأدبُ بمثابة “إضافة” أو “زخرفة” تُلحق بلغةٍ مُعدّةٍ في جوهرها لمهام تواصلية أكثر بساطة وأساسية. ورغم أن هذه النظرة مريحة، إلا أنها قاصرة؛ فالأدب ليس مجرد “زخرفة” عرضية، بل يؤدي دورًا في صلب تكوين اللغة ذاتها، ويساهم في إضفاء سمة اللغة ومكانتها عليها. والواقع أنه لا يوجد تعريف لغوي بحت لما يشكّل “اللغة”؛ وكما يشير الفيلسوف الفرنسي جان كلود ميلنر (1941-…): “باستثناء البيانات الضخمة والخام، يستحيل تحديد، بكل يقين ودقة، متى يمكن القول بأن لغتين هما اللغة نفسها أو أنهما مختلفتان […]”.
5- سؤال الخيال
الخيال، الذاكرة، الحلم، الأسطورة، الرواية، السرد القصصي؛ كلها تجليات للخيال البشري أو لخيال ثقافةٍ ما. وسواء كان الخيال فرديًا أو جماعيًا، فإن النظرة إليه تتسم بالازدواجية، فهو إما مصدرٌ للعلل أو وسيلةٌ للإثراء، حسب الفيلسوف الفرنسي جان كلود وينينبورغر (1946-…). فما الذي يدفع الوعي إلى تصور عالمٍ بديل؟ وهل يُعد الخيال عاملًا للإفقار، أم للاغتراب، أم للتحرر؟ بالاستناد إلى مجموعة من الحقول المعرفية، كعلم النفس التحليلي، والأدب، والأنثروبولوجيا الثقافية، وعلم اجتماع الإعلام، تقدّم مجموعة من الدراسات تحليلًا فلسفيًا لتلك المَلَكَة التي تفصلنا عن الواقع المباشر، وتدعونا إلى اللعب، وتمكّننا من التفكير حين تعجز المعرفة، وتفتح أمامنا آفاقًا رحبة: ألا وهو الخيال.
لا بأس هنا من إعادة طرح الأسئلة التي طرحها ج. ك. وينينبورغر. إذ لطالما حظي الخيال وعالم المتخيَّل بتقدير متدنٍ، إلا أن الوضع اختلف تمامًا بحلول أوائل القرن العشرين؛ وهي فترة تميزت بتطورات جديدة في علم النفس العام، والعلمي لاحقًا، الذي كان قد بدأ في التشكل أواخر القرن التاسع عشر. وقد أدى هذا السياق الجديد إلى فهم أفضل لنشأة الخيال وبنيته المعقدة ومتعددة الأوجه، إذ يقع الخيال عند نقطة التقاء دراسة الإدراك الحسي والذكاء. وفي هذا الإطار، جرى تطوير وتنقيح المقاربات التجريبية، المتأصلة في فلسفة ديفيد هيوم، بفضل شروحات فينومينولوجية متنوعة لمفهوم “الصورة” (مثل تلك التي قدمها إدموند هوسرل)؛ وهي شروحات ظهرت في البداية داخل الأوساط الفلسفية الألمانية قبل أن تشكّل ركيزةً لأهم الأعمال الفكرية في فرنسا (على أيدي مفكرين أمثال جان بول سارتر، وموريس ميرلو بونتي، وغاستون باشلار). لقد أعادت هذه المقاربات طرح أسئلة قديمة طالما جرى تهميشها أو حسمها بشكل دوغمائي: هل يُعد الخيال مجرد نسخة باهتة أو مضعفة للإدراك الحسي؟ وهل يؤدي الخيال، باعتباره كيانًا لا ينفصل عن حالة الجسد (من حيث النشاط الحركي والانفعالات)، حتمًا إلى اضطرابات مرضية؟ وهل يحبس الخيالُ الفردَ، بصفته مصدرًا لتمثلات جديدة مشحونة عاطفيًا، داخل ذاتية خاصة ومنغلقة، أم أنه يتيح أحيانًا النفاذ إلى صور رمزية تتجاوز حدود الفرد؟
في الاستخدام الشائع ضمن حقول العلوم الإنسانية والدراسات الأدبية، يشير مصطلح “المُتخيَّل” (imaginaire) إلى مجموعة متباينة ومتنوعة من العناصر؛ إذ تُعدُّ الأوهام والذكريات وأحلام اليقظة والأحلام والمعتقدات غير القابلة للتحقق والأساطير والروايات والأعمال القصصية الخيالية جميعُها تجلياتٍ، سواء كانت ذهنية أو متجسدة أحيانًا في أعمال إبداعية، لـ “المُتخيَّل” الخاص بفردٍ ما أو بثقافةٍ ما. ويمكن الحديث عن “المُتخيَّل” الخاص بالفرد، وكذلك الخاص بشعبٍ ما، حيث ينعكس ذلك في مجمل أعمالهم ومعتقداتهم. ويشمل “المُتخيَّل” مفاهيمَ سابقةً للعلم، ومعتقداتٍ دينية، وأساطيرَ سياسية، وصورًا نمطية وأحكامًا مسبقة اجتماعية، وإبداعاتٍ فنية، وأدبَ الخيال العلمي؛ وهي عناصر تستحضر جميعُها صورًا بديلة للواقع.