لم يعد السؤال، عشية نهائي كأس العالم بين الأرجنتين وإسبانيا، مجرد سؤال كروي: من نشجع؟ بل أصبح، بالنسبة إلى كثير من العرب والفلسطينيين، سؤالًا أخلاقيًا عن معنى التشجيع حين تدخل أعلام الدول ونشيدها الوطني ومواقف حكوماتها إلى الملعب، ولم يعد السؤال عن الفريق الأقوى أو عن اللاعب الأكثر مهارة، بل، تحولت هذه القمة إلى مواجهة رمزية بين دولتين تقف حكومة كل منهما اليوم على طرفي نقيض تقريبًا من القضية الفلسطينية، أرجنتين خافيير ميلي، المنحازة بوضوح إلى إسرائيل، وإسبانيا بيدرو سانشيز، الداعمة لفلسطين والتي اتخذت سلسلة من الإجراءات السياسية والاقتصادية احتجاجًا على الحرب في غزة والاستيطان في الضفة الغربية.
وهنا يصبح تشجيع الأرجنتين، مهما كانت العلاقة العاطفية القديمة معها، أمرًا بالغ الصعوبة في هذه الأيام، فكرة القدم لا تنفصل تمامًا عن السياسة، خصوصًا عندما تحمل المنتخبات أعلام الدول وتتحول انتصاراتها إلى رأسمال رمزي تستخدمه الحكومات في تعزيز مكانتها. لكن بالمقابل المنتخبات لا تتطابق مع الحكومات ولا مع سياساتها؛ فالمنتخب ليس مجلس الوزراء، واللاعبون ليسوا موظفين في وزارة الخارجية. وبين هذين الحدّين تقع حيرة المشجع العربي،كيف يفصل بين أرجنتين مارادونا الذي اقتنع بجدلية الحق والعدالة وقال عن نفسه إنه فلسطيني ، وأرجنتين خافيير ميلي الذي جعل التحالف مع إسرائيل جزءًا من تعريفه السياسي والأيديولوجي لبلاده؟
لفهم هذا التناقض، وكيفية التمييز بين أرجنتين خافيير ميلي، وأرجنتين مارادونا، ولكي لا يوضع الشعب الأرجنتيني كله في سلة ميلي، ينبغي العودة إلىالتاريخ وإلى الظاهرة السياسية الأساسية في التاريخ الأرجنتيني وهي البيرونية.
التي نشأت في أربعينيات القرن الماضي حول خوان دومينغو بيرون، مستندة إلى العمال والنقابات والفئات التي كانت مهمشة عن الحياة السياسية. ورفعت مبادئ العدالة الاجتماعية، والاستقلال الاقتصادي، والسيادة، ومنحت الدولة دورًا في حماية العمل وإعادة توزيع الثروة.
لم تكن البيرونية يسارًا ماركسيًا خالصًا ولا يمينًا محافظًا، بل حركة قومية شعبية واسعة ضمت عبر تاريخها تيارات متعارضة. إلا أن جوهرها قام على إدخال العمال والفقراء إلى المجال السياسي، وبناء مفهوم للشعب في مواجهة النخب الاقتصادية والاجتماعية.
وهو ما ينظر له الفيلسوف السياسي الأرجنتيني إرنستو لاكلو. فهو رأى بالبيرونية نموذجا تاريخياً يوضح كيف يتشكل الشعب، فالشعبوية، لديه، ليست مجرد تلاعب بالجماهير، بل طريقة في صناعة الشعب سياسيًا بمعنى ربط مطالب العامل والطالب والفقير والمتقاعد والمهمش في سلسلة واحدة، ثم منحها اسمًا جامعًا في مواجهة سلطة يُنظر إليها باعتبارها مصدر الإقصاء والتمييز.
بهذا المعنى، لم تكن البيرونية مجرد حزب، بل ذاكرة اجتماعية: ذاكرة العامل الذي شعر بأن الدولة رأته، والمهمش الذي أصبح جزءًا من «الشعب»، والفئات التي وجدت في العدالة والسيادة لغة مشتركة لمواجهة التبعية والهيمنة.
ومن داخل هذه الذاكرة أمكن لقطاعات بيرونية يسارية وقومية أن ترى في فلسطين قضية أرض محتلة وشعب محروم من السيادة والأرض والدولة. لذلك لم تكن الأرجنتين، قبل ميلي، دولة منحازة بصورة كاملة إلى إسرائيل، بل اتبعت غالبًا سياسة تجمع بين الاعتراف بإسرائيل ودعم حق الفلسطينيين في تقرير المصير.
بلغ هذا المسار ذروته عام 2010، حين اعترفت حكومة كريستينا فرنانديز دي كيرشنر بدولة فلسطين على حدود عام 1967. كما دعمت الأرجنتين عام 2012 منح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة، وأيدت لاحقًا رفع العلم الفلسطيني في مقار المنظمة الدولية.
لكن ميلي جاء بوصفه نقيضًا لهذا الإرث. فقد صعد إلى السلطة بمهاجمة الدولة الاجتماعية والبيرونية والنقابات واليسار، ونقل السياسة الخارجية من التوازن النسبي إلى تحالف معلن مع إسرائيل. وفي أبريل/نيسان 2026 أطلقت حكومتا الأرجنتين وإسرائيل ما سُمّي «اتفاقات إسحاق»، بوصفها إطارًا استراتيجيًا لتعزيز التعاون بين البلدين والدول المتقاربة معهما. كما تبنى ميلي الرواية الإسرائيلية للحرب، وجعل التقارب مع حكومة بنيامين نتنياهو علامة على هويته السياسية الجديدة.
هذا الانحياز لا يعني أن المجتمع الأرجنتيني كله يقف في الموقع نفسه. فمنذ حرب غزة، شهدت البلاد مظاهرات شارك فيها يساريون وبيرونيون ونقابيون وطلاب وأطباء وفنانون وناشطون في حقوق الإنسان. وظهرت فلسطين داخل الجامعات والفعاليات العمالية، وطالبت قوى يسارية بوقف الحرب ومحاسبة إسرائيل، فيما اعترضت قطاعات بيرونية على خروج ميلي عن تقاليد السياسة الأرجنتينية.
وتستمد هذه المواقف قوتها في الأرجنتين من ذاكرة الدكتاتورية العسكرية والاختفاء القسري والتعذيب. فمنذ عودة الديمقراطية، أصبح مبدأ «لن يتكرر أبدًا» جزءًا من الضمير السياسي الأرجنتيني، ولذلك ترى قطاعات حقوقيةارجنتينية في الحصار والتهجير والعقاب الجماعي وتدمير الحياة المدنية في غزة قضايا لا يمكن التعامل معها بوصفها شأنًا خارجيًا بعيدًا.
لكن نهائي كأس العالم يضع هذه التمييزات النظرية أمام اختبار شديد القسوة؛ لأن الطرف الآخر ليس دولة محايدة أو صامتة، بل إسبانيا التي أصبحت من أكثر الدول الأوروبية وضوحًا في دعم الحقوق الفلسطينية.
اعترفت إسبانيا رسميًا بدولة فلسطين، وانضمت إلى الدعوى التي رفعتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، وزادت مساعداتها لغزة والسلطة الفلسطينية. كما عززت حظر السلاح على إسرائيل، ومنعت استيراد منتجات المستوطنات غير القانونية، وفرضت قيودًا على السفن والطائرات التي تنقل مواد قد تُستخدم عسكريًا. وفي عام 2025 أعلن سانشيز حزمة إجراءات ضد إسرائيل، مستخدمًا صراحة وصف «الإبادة» لما يجري في غزة.
ولم يقتصر الموقف الإسباني على غزة؛ فقد دفعت مدريد داخل الاتحاد الأوروبي نحو إجراءات ضد التجارة مع المستوطنات، في وقت تصاعد فيه عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية. وحتى يوليو/تموز 2026 كانت إسبانيا من الدول الأوروبية المطالبة بتحرك أكثر حزمًا تجاه النشاط الاستيطاني الإسرائيلي.
إلى جانب هذا الموقف الرسمي، جاءت رمزية لامين يامال لتمنح المنتخب الإسباني حضورًا عاطفيًا خاصًا لدى الفلسطينيين. ففي احتفال برشلونة بلقب الدوري الإسباني في مايو/أيار 2026، رفع يامال العلم الفلسطيني أمام الجماهير، في مشهد لم يكن بروتوكوليًا ولا صادرًا عن حكومة، بل موقفًا شخصيًا اتخذه أحد أبرز لاعبي العالم في لحظة كان يستطيع فيها اختيار الصمت.
لهذا لم يعد يامال لدى كثير من الفلسطينيين مجرد موهبة كروية. لقد أصبح، ولو بصورة رمزية، حاملًا لعلامة تقول إن فلسطين مرئية، وإن علمها يمكن أن يظهر في قلب احتفال رياضي عالمي بينما يُراد لمأساتها أن تغيب عن المشهدوتتحول إلى رقم عابر.
وقد ظهر أثر هذه الرمزية فوق ركام غزة نفسها، حيث احتفل فلسطينيون بوصول إسبانيا إلى النهائي، وربط كثيرون بين تشجيعهم للمنتخب وبين موقف الحكومة الإسبانية وموقف يامال العلني. وهكذا دخلت كرة القدم في نسيج التضامن السياسي، ولم تعد المتعة الرياضية منفصلة عن الحاجة الإنسانية لمن يعترف بالألم الفلسطيني.
أمام هذه المقارنة، فإن إسبانيا لا تتقدم إلى النهائي بمهارات لاعبيها وحدها في المخيال الفلسطيني؛ إنها تتقدم محاطة باعترافها بالألم الفلسطيني، وبمواقفها من غزة والمستوطنات، وبصورة يامال حاملًا العلم الفلسطيني.
أما الأرجنتين فتدخل المباراة محاطة بصورة ميلي إلى جانب نتنياهو، وبسياسة خارجية تتبنى الموقف الإسرائيلي بلا تحفظ، رغم كل ما في المجتمع الأرجنتيني من اعتراض ومقاومة وتاريخ مختلف عن هذه السياسة.
لهذا يصبح تشجيع الأرجنتين صعبًا بالفعل، وربما مستحيلًا لدى الفلسطينيين والكثير من العرب، لهذا سيكون من الطبيعي أن يجد مشجع عربي أحب الأرجنتين منذ مارادونا نفسه عاجزًا هذه المرة عن الوقوف إلى جانبها. ليس لأن ميسي أو لاعبي المنتخب مسؤولون عن قرارات ميلي، ولا لأن الشعب الأرجنتيني كله مؤيد لإسرائيل، بل لأن النهائي يفرض مقارنة مباشرة بين رمزين سياسيين وأخلاقيين لا يمكن تجاهلهما، فالفلسطيني الذي يرى إسبانيا تقف الى جانبه، وتحظر السلاح، وتعارض المستوطنات، ويرى يامال يرفع علمه، لن يستطيع بسهولة أن يتعامل مع النهائي كما لو كان مجرد تنافس بين قميصين. لذلك سيكون مفهومًا أخلاقيًا وإنسانيًا أن يجد العربي أو الفلسطيني نفسه أقرب إلى إسبانيا، حتى لو أحب ميسي والأرجنتين طوال حياته. فالتشجيع ليس عقدًا أبديًا، والعاطفة الرياضية لا تعيش خارج التاريخ. وقد تأتي لحظة يصبح فيها الوفاء للضحايا أقوى من الوفاء للقميص، والسياسة لا تبقى خارج الملعب حين تصبح الأعلام محمّلة بالدم والذاكرة. وفي نهائي كهذا، تبدو إسبانيا بالنسبة إلى كثير من العرب والفلسطينيين أقرب إلى الضمير، لا لأنها بريئة من كل تناقض، بل لأنها وقفت في اللحظة الراهنة موقفًا أكثر عدلًا ووضوحًا.
ربما تكون البيرونية والتاريخ الشعبي الأرجنتيني سببًا كافيًا لعدم اختزال الأرجنتين في ميلي، لكنهما لن يكونا، في هذا النهائي تحديدًا، سببًا كافيًا لتجاهل الفارق الأخلاقي بين الموقفين الرسميين.
فالذاكرة تستطيع أن تفسر حبنا القديم للأرجنتين ومارادونا، لكنها لا تستطيع أن تأمر الضمير بالصمت.
ولذلك قد يشاهد كثيرون النهائي وهم يحملون لمارادونا كل المحبة القديمة، لكنهم يتمنون الفوز لإسبانيا، ليس انتقامًا من الأرجنتين، بل انحياز إلى المعنى الذي اكتسبته المباراة خارج خطوط الملعب. ففي أزمنة المأساة والإبادة، لا تعود الكرة كرةً فقط؛ تصبح مرآة نسأل أمامها أي عالم نريد، وإلى جانب أي إنسان نختار أن نقف. وفي هذا النهائي، تبدو إسبانيا، بالنسبة إلى كثيرين، أقرب إلى الضمير الإنساني؛ بينما تبقى الأرجنتين حبًا قديمًا أثقلته سياسة الحاضر.
