ما أن يُذكر الأمن في الخليج، حتى تذهب الصورة سريعاً إلى القواعد العسكرية، ومنظومات الدفاع الجوي، والطائرات المقاتلة، والسفن الحربية، وأمن الممرات البحرية والمنشآت النفطية. وهذه كلها عناصر حقيقية في معادلة أمنية شديدة التعقيد، لكن اختزال الأمن فيها يترك جانباً آخر لا يقل أهمية: المجتمع نفسه. فالدولة قد تمتلك أحدث منظومات التسليح، لكنها تظل بحاجة إلى مجتمع يعرف كيف يتعامل مع الخطر، وإلى إعلام لا يحول كل حادثة إلى حالة ذعر، وخطاب سياسي قادر على طمأنة الناس من دون إخفاء الحقائق. الأمن، في النهاية، ليس فقط قدرة الدولة على ردع الخطر من الخارج، وإنما قدرتها أيضاً على منع الخوف من التحول إلى خطر في الداخل.
في الأزمات الخليجية المتلاحقة خلال السنوات الماضية، من الهجمات التي نفذها الحوثيون بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلى التوترات المرتبطة بإيران وأمن الملاحة والمنشآت الحيوية، ظهر بوضوح أن المعركة لا تجري في المجال العسكري وحده. هناك معركة أخرى تجري في الهواتف والشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتقل الأخبار والصور والمقاطع والتحليلات خلال دقائق، وغالباً قبل أن تتضح الصورة الرسمية الكاملة. وفي مثل هذه البيئة، يصبح الإعلام جزءاً من البنية الأمنية، سواء أراد ذلك أم لم يرده.
الإعلام يستطيع أن يهدئ المجتمع عندما يقدم المعلومة في سياقها، ويفصل بين ما هو مؤكد وما هو محتمل، ويقاوم إغراء العناوين المذعورة. لكنه يستطيع، في الاتجاه المقابل، أن يضاعف أثر الخطر عندما يحول كل حادث أمني إلى مشهد كارثي، أو عندما يخلط بين الخبر والتحليل، أو يمنح الشائعات مساحة مساوية للمعلومات الموثوقة. المشكلة هنا ليست أخلاقية فقط، وإنما أمنية أيضاً. فالمجتمع الذي يتلقى سيلاً من الأخبار المتناقضة قد يبدأ في التصرف وفق أسوأ الاحتمالات، فيخزن، ويشتري، ويسافر، ويشارك المعلومات، ويتخذ قراراته اليومية بناء على الخوف لا على المعرفة.
لكن الخطر لا يأتي دائماً من المبالغة. فالاطمئنان الزائد يمكن أن يكون مشكلة بالقدر نفسه. عندما يعتاد المجتمع خطاباً يقول إن كل شيء تحت السيطرة، ثم يواجه حدثاً مفاجئاً لا يعرف كيف يتعامل معه، يمكن أن تكون الصدمة أكبر من الحدث نفسه. ولهذا فإن الإعلام الأمني المسؤول لا يعني نشر الخوف، كما لا يعني توزيع الطمأنينة المجانية. وظيفته الأصعب هي بناء وعي قادر على احتمال الحقيقة، حتى عندما تكون الحقيقة مقلقة.
من هنا تبرز الحاجة إلى مفهوم أكثر عمقاً هو «الثقافة الأمنية». والمقصود بها ليس تحويل المواطن إلى رجل أمن، ولا جعل الحياة اليومية محكومة بالشك والاحتياط، وإنما تكوين إدراك جماعي يعرف من خلاله المجتمع طبيعة المخاطر التي تحيط به، وكيفية التعامل معها، وما الذي ينبغي فعله وما الذي ينبغي تجنبه عند وقوع أزمة. إنها ثقافة تجعل المواطن شريكاً في الأمن، لا مجرد متلقٍ لتعليماته.
وهذا الدور يبدأ قبل الأزمة وليس أثناءها. المدرسة يمكن أن تعلم الأطفال كيف يتعاملون مع الطوارئ والمعلومات المضللة، والجامعة تستطيع أن تقدم فهماً أوسع للأمن الرقمي والأمن المجتمعي، والإعلام يستطيع أن يشرح للناس معنى الإنذار والإخلاء وإجراءات الطوارئ، والمؤسسات الرسمية تستطيع أن تبني قنوات اتصال واضحة وسريعة في اللحظات الحرجة. وعندما تتكرر هذه الممارسات، يتحول الأمن من تعليمات استثنائية إلى سلوك اجتماعي مألوف.
وهنا يمكن أن تتشكل إحدى أكثر الأفكار أهمية في التجربة الخليجية: الأمن بوصفه جزءاً من الهوية المشتركة. فالمجتمعات الخليجية تتقاسم جغرافيا واحدة، وممرات بحرية واحدة، وشبكات اقتصادية متداخلة، ومصالح في الطاقة والتجارة والسفر والاتصالات. وما يؤثر في دولة خليجية قد لا يتوقف عند حدودها. لذلك فإن بناء ثقافة أمنية مشتركة لا يعني توحيد المواقف السياسية في كل التفاصيل، وإنما تطوير مجموعة من المبادئ والسلوكيات المشتركة: كيف يتعامل الناس مع الأخبار الأمنية؟ كيف تتم مواجهة الشائعات؟ كيف تُدار الأزمات؟ وكيف يتصرف المجتمع عندما تتعرض دولة خليجية لتهديد قد تكون له انعكاسات على بقية دول المنطقة؟
وهذا يقود إلى نقطة أكثر جوهرية: الأمن لا يُقاس فقط بحجم السلاح، بل أيضاً بحجم الثقة. فالدولة التي تمتلك ترسانة عسكرية متقدمة تحتاج إلى مواطن يثق في مؤسساتها عندما تقع الأزمة، ويعرف أين يحصل على المعلومة، ويؤمن بأن التعليمات الرسمية تستند إلى معلومات ومسؤولية، وليس إلى محاولة إخفاء الواقع. والثقة هنا ليست شعاراً سياسياً؛ إنها مورد أمني. كلما ارتفعت الثقة، انخفضت مساحة الشائعة، وتراجعت قابلية المجتمع للذعر، وأصبح التعامل مع الأزمات أكثر انضباطاً.
وهذا لا يعني التقليل من أهمية القوة العسكرية في الخليج، وهي منطقة تقع في واحدة من أكثر البيئات الجيوسياسية حساسية في العالم. على العكس، الردع العسكري وحماية الحدود والمنشآت والممرات البحرية تظل ركائز أساسية. لكن القوة وحدها لا تستطيع أن تمنع الشائعة، ولا أن تعالج الهلع، ولا أن تفسر للمواطن ماذا يفعل عندما يسمع خبراً عاجلاً، ولا أن تمنع المعلومات المضللة من الانتشار عبر هاتفه. هناك مساحة من الأمن لا تستطيع الطائرة المقاتلة أو منظومة الدفاع الصاروخي الوصول إليها، لأنها تقع داخل الوعي نفسه.
وتقدم تجارب دول مختلفة في إدارة الكوارث والأزمات والأمن المدني درساً مهماً في هذا المجال: المجتمعات الأكثر استعداداً ليست بالضرورة تلك التي لا تتعرض للخطر، وإنما تلك التي تدرب أفرادها على كيفية التصرف عندما يقع الخطر. التدريب المنتظم، والاتصال الحكومي الواضح، والتعليم العام، وتمارين الإخلاء، وأنظمة الإنذار المبكر، وثقافة التحقق من المعلومات، كلها أدوات أمنية، حتى لو لم تحمل أسماء عسكرية. وهي أدوات تصبح أكثر أهمية في عصر تستطيع فيه صورة قديمة أو مقطع خارج سياقه أن يتحول خلال دقائق إلى «خبر» تتناقله آلاف الحسابات.
وفي الخليج تحديداً، تكتسب هذه المسألة بعداً إضافياً بسبب سرعة التحول الرقمي، وارتفاع الاعتماد على المنصات الإلكترونية، وتشابك الحياة اليومية مع البنية الرقمية للدولة والاقتصاد. لذلك لم يعد الأمن المجتمعي منفصلاً عن الأمن السيبراني أو أمن المعلومات. المواطن الذي يعرف كيف يتحقق من رابط مشبوه، ويميز الحساب الرسمي من الحساب المزيف، ويتجنب إعادة نشر معلومة غير مؤكدة أثناء أزمة، يمارس شكلاً من أشكال الدفاع المدني الرقمي، حتى لو لم ينظر إلى سلوكه بهذه الطريقة.
المشكلة أن بعض الخطابات الأمنية لا تزال تتعامل مع المواطن باعتباره الحلقة التي ينبغي حمايتها، لا الشريك الذي ينبغي إشراكه. وهذه النظرة تحتاج إلى مراجعة. فالمجتمع ليس مجرد متلقٍ للتحذيرات، وإنما جزء من منظومة الاستجابة. وكلما زادت قدرة الدولة على شرح المخاطر بلغة واضحة وغير متعالية، زادت قدرتها على تحويل الجمهور من كتلة قلقة إلى قوة اجتماعية تساعد على إدارة الأزمة.
ومن هنا أيضاً تأتي مسؤولية الإعلام. فالصحافة التي تتعامل مع الأمن باعتباره سباقاً على العنوان الأكثر إثارة قد تساهم، من حيث لا تقصد، في إضعاف البيئة الأمنية التي يفترض أن تخدمها. أما الصحافة التي تشرح، وتتحقق، وتضع الأحداث في سياقها، وتفرق بين التهديد الفعلي والتهويل، فهي لا تؤدي وظيفة إعلامية فحسب؛ إنها تؤدي وظيفة مجتمعية. الإعلام الأمني الناضج ليس الذي يقول للناس «لا تقلقوا»، بل الذي يجعلهم يعرفون لماذا ينبغي ألا يقلقوا، ومتى ينبغي أن يقلقوا، وماذا عليهم أن يفعلوا في الحالتين.
وإذا كانت العقود الماضية قد دفعت دول الخليج إلى الاستثمار بكثافة في منظومات الدفاع، فإن المرحلة المقبلة تحتاج، بالقدر نفسه، إلى الاستثمار في منظومة الوعي. فالأمن المستدام لا ينتج من شراء التكنولوجيا فقط، وإنما من بناء الإنسان القادر على استخدامها وفهمها والتعامل مع نتائجها. ولا تنتج المناعة المجتمعية من كثرة البيانات الرسمية، وإنما من تراكم الثقة بين الدولة والمجتمع والإعلام.
في النهاية، لا يمكن للخليج أن يتعامل مع أمنه باعتباره مسألة حدود وقواعد ومنشآت فقط. المنطقة تعيش وسط بيئة إقليمية سريعة التحول، حيث يمكن أن يبدأ التهديد بصاروخ أو طائرة مسيّرة، لكنه قد يستمر بعد ذلك في صورة شائعة أو إشاعة أو حملة تضليل أو موجة هلع اقتصادي واجتماعي. ولذلك فإن بناء الأمن يعني بناء القدرة على مقاومة الخوف بقدر ما يعني بناء القدرة على مقاومة الهجوم. وإذا كان السلاح يحمي الحدود، فإن الوعي يحمي المجتمع، والثقة تمنح الدولة عمقها الحقيقي، والإعلام المسؤول يحول المعلومة من مصدر للقلق إلى أداة للاستقرار.