الرياض – تقترب المواجهة اليمنية من اختبار عسكري جديد، مع كشف مسؤولين إقليميين وغربيين عن تحضيرات سعودية لهجوم ضد الحوثيين، في تحول يعكس اتساع المخاوف في الرياض من التقدم الحوثي على الساحل الغربي والسيطرة على مواقع مطلة على مضيق باب المندب.
وبحسب ستة مسؤولين تحدثوا إلى رويترز، تدرس السعودية خيارين للعملية: هجوم محدود على المنطقة المحيطة بالمضيق بهدف استعادة السيطرة على الممر البحري، أو عملية أوسع تفتح جبهات متزامنة في محافظات بينها تعز ومأرب والبيضاء والجوف. ولا تزال طبيعة العملية وحجمها وموعد انطلاقها قيد البحث، فيما تتراوح التقديرات التي نقلتها المصادر بين أسابيع قليلة وما بعد انتخابات التجديد النصفي الأميركية في نوفمبر.
وتكمن أهمية الخطة في أنها لا تعني بالضرورة عودة السعودية إلى نموذج الحرب الذي بدأ عام 2015. فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن القوات اليمنية التي تشرف عليها الرياض ستكون القوة البرية الرئيسية، بينما توفر السعودية الغطاء الجوي، مع تقديم الولايات المتحدة معلومات استخبارية لدعم العمليات.
ولا تشير المعطيات التي نقلتها رويترز إلى استعداد أميركي للمشاركة المباشرة في القتال، كما لا يتوقع أن تدخل الدول الإقليمية والغربية الداعمة للسعودية المعركة بقواتها. ويتركز الدعم الخارجي المعلن حتى الآن في مجالات استخبارية ودفاعية، في وقت تعمل فيه بعض الدول على تعزيز حماية الأراضي والمنشآت السعودية.
ويأتي التفكير في العملية في أعقاب تغير ميداني مهم على الساحل اليمني. فقد تمكن الحوثيون خلال سبتمبر من التقدم في مناطق مطلة على باب المندب، ما منحهم موقعاً أكثر حساسية بالنسبة إلى حركة الملاحة في البحر الأحمر.
وتنظر الرياض إلى هذه التطورات باعتبارها أكثر من مجرد مكسب ميداني للحوثيين. فالمضيق يمثل نقطة اتصال بين البحر الأحمر وخليج عدن، وأي قدرة حوثية على تهديد حركة السفن عبره ترفع المخاطر على التجارة والطاقة في وقت تتعرض فيه منطقة الشرق الأوسط أصلاً لاضطرابات حادة بسبب الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز فعلياً.
الخطة السعودية لن تكون مجرد عملية عسكرية لاستعادة مواقع على الساحل، بل اختباراً لقدرة الرياض وحلفائها اليمنيين على تغيير ميزان القوى من دون حرب شاملة
وكانت هجمات الحوثيين على السعودية نفسها قد عادت إلى الواجهة خلال الأشهر الأخيرة، بالتوازي مع تصعيد الجماعة ضد الملاحة والمنشآت المرتبطة بالسعودية. وأعلنت الجماعة في أغسطس أنها استهدفت مطار نجران ومنشأة تابعة لأرامكو، بينما حذرت في يوليو شركات الشحن من استخدام الموانئ السعودية.
وفي سبتمبر، اعتبرت رويترز أن تقدم الحوثيين باتجاه باب المندب شكّل انتكاسة كبيرة للرياض، خصوصاً بعد سيطرة الجماعة على مواقع وجزر عند مدخل المضيق، ما دفع السعودية إلى البحث عن دعم أوسع لحماية مصالحها الأمنية والملاحية.
ولا تبدو التطورات في تعز منفصلة عن هذا المشهد. فقد أعلنت القوات الحكومية اليمنية الجمعة تنفيذ 20 غارة خلال ثلاث ساعات على مواقع قالت إنها تابعة للحوثيين في المحافظة، استهدفت تحركات وأفراداً ومركبات ومعدات عسكرية. وتأتي هذه الضربات في ظل تصاعد المواجهات على عدد من جبهات المحافظة.
وتكتسب تعز أهمية خاصة بسبب موقعها بين المناطق الشمالية والساحل الغربي والجنوب. ولذلك فإن أي هجوم واسع لا يقتصر على الساحل قد يستهدف في الوقت نفسه إضعاف قدرة الحوثيين على المناورة بين الجبهات وقطع طرق الإمداد التي تربط مناطق نفوذهم.
لكن اتساع العملية يرفع في المقابل كلفة الحرب ومخاطرها. ففتح جبهات متعددة يعني أن القوات المناهضة للحوثيين ستكون مطالبة بالتنسيق على مساحة واسعة، في وقت لا تزال فيه القوى اليمنية المناوئة للجماعة تعاني من تباينات سياسية وعسكرية، رغم الجهود السعودية لإعادة تنظيمها.
وتحمل المشاركة الأميركية غير المباشرة في الخطة دلالة خاصة. فواشنطن تقدم معلومات استخبارية، لكنها لا تبدو مستعدة في المرحلة الحالية لتحويل الدعم إلى مشاركة قتالية مباشرة. ويعكس ذلك محاولة الجمع بين مساعدة الرياض في حماية المصالح المشتركة في البحر الأحمر وبين تجنب الانخراط في حرب يمنية واسعة.
ويأتي ذلك أيضاً في وقت تعاني فيه القدرات العسكرية الأميركية من ضغوط بسبب اتساع العمليات في الشرق الأوسط والحرب مع إيران، وهو ما يجعل طبيعة الدعم الأميركي للسعودية أكثر ارتباطاً بالمعلومات والاستطلاع والدفاع الجوي من إرسال قوات برية أو خوض عمليات هجومية مباشرة. وتظهر تحركات أميركية أخرى في المنطقة تعزيز حماية منشآت الطاقة السعودية والقطرية عبر نشر بطاريات باتريوت إضافية.
كما تتزايد الدعوات الأوروبية لتعزيز حماية الملاحة في البحر الأحمر. وقال وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو الجمعة إن مساهمات الدول الأوروبية في المهمة البحرية للاتحاد الأوروبي ما زالت غير كافية لحماية حركة الملاحة عبر باب المندب، داعياً إلى زيادة المشاركة الأوروبية.
ويبدو أن المعضلة السعودية تتمثل في تحقيق هدف محدد من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة طويلة. فاستعادة مواقع الساحل أو تأمين باب المندب قد تكون أكثر قابلية للتحقق من محاولة إسقاط سلطة الحوثيين على كامل مناطق سيطرتهم.
وفي المقابل، قد يدفع أي هجوم واسع الحوثيين إلى توسيع نطاق الرد، سواء عبر استهداف الأراضي والمنشآت السعودية أو تهديد الملاحة، بما يفتح دورة جديدة من التصعيد الإقليمي.
وتزداد حساسية هذا الخيار مع الوضع الإنساني في اليمن. فقد قالت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة إن التصعيد الأخير أدى إلى نزوح عشرات الآلاف، فيما تواجه مناطق حكومية ارتفاعاً حاداً في انعدام الأمن الغذائي ونقصاً في الإمدادات.
لذلك، فإن الخطة السعودية، إذا انتقلت من التحضير إلى التنفيذ، لن تكون مجرد عملية عسكرية لاستعادة مواقع على الساحل، بل اختباراً لقدرة الرياض وحلفائها اليمنيين على تغيير ميزان القوى من دون إعادة اليمن إلى حرب شاملة. وبينما يوفر الدعم الأميركي والغربي للسعودية غطاءً مهماً، يبقى السؤال الأساسي متعلقاً بحدود العملية: هل تكتفي الرياض بتأمين باب المندب، أم أن تطورات الميدان ستدفعها إلى فتح جبهات أوسع ضد الحوثيين؟