ياسر مروّة …. موقع ردج
فيما كنّا منشغلين بأمور طارئة تتعلّق بالأوضاع الأمنية المتلاحقة، ساءت الحالة الصحّية لوالدي، فنُقل إلى الطوارئ، حيث خضع للعلاج وسط ظروف معقّدة، وفي غرفة الأوكسجين، حيث كان يتلقّى هواءً نقياً، أمسكت يده وأخذت أحرّك أصابعه برفق على راحتي، وأمسّدها ببطء، محاولاً أن أستحضر له شيئاً كان يحبّه.
وُلد أحمد حسين مروة، والدي، في مدينة النجف أوائل سنة 1935، وترعرع ذلك الصبيّ النجفي ذو الشعر الأشقر، وسط انتفاضات شعبية عارمة وانقلابات عسكرية وسياسية شهدتها المملكة العربية العراقية آنذاك، في زمن كانت فيه أحلام التحرّر من نير الاستعمار واستبداد الحكّام تعتمر القلوب والعقول… وكان والده معتمراً العمامة منذ صغره، كما أراد والده الشيخ علي، حين قدِم من جنوب لبنان شيخاً إلى العراق سنة 1924.
انتقلت عائلة أحمد إلى أحد أحياء منطقة الأعظمية في بغداد، وكانت قريبة من مدرسته الرسمية الابتدائية، إذ يستذكر والدي ما شهدته تلك المرحلة من أحداث وإنجازات، منها تعبئة الكشّافة للفتيان، وما رافق عهد الملك غازي من انقلابات وإخفاقات، بالتزامن مع بوادر التقارب مع حكومة أدولف هتلر قبيل الحرب العالمية الثانية.
إلا أن أحداث الحرب، بما حملته من ظروف أمنية واقتصادية واجتماعية، دفعت عائلته إلى الانتقال إلى منزلها الثاني، الواقع في منطقة الكاظمية في بغداد، فأصبح المنزل ملتقى ومنتدى لكثير من الشعراء والأدباء والمفكّرين، وكان يجمعهم في تلك اللقاءات حبّ الثقافة. في تلك المرحلة، نمت موهبة والدي منذ نعومة أظفاره في مجالات الأدب والشعر الكلاسيكي، وحفظ أبيات الشعر وعشقها.
قال لي والدي وقتها: “… فقد رحت أتنقّل بين مدارس رسمية، منها مدارس الكاظمية والرستمية، وآخرها مدرسة شمّاش اليهودية ذات الاتّجاه العلمي. في الصف كان يعلّمني، مع أخوَي نزار وحسّان، مجموعة من الأساتذة، منهم والدي (أبو نزار)، ومحمّد الصوري، والشيخ أحمد مغنيّة، ومحمّد شرارة، وكلّهم كانوا من الطائفة الشيعية في جنوب لبنان، ومن المجدّدين في اليسار الشيوعي”.
وبعد أن رُحِّل جدّي حسين من العراق بسبب مقالة هجومية في الجريدة تناولت انتهاكات رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري السعيد، وتعامله السافر مع الإنجليز المتغطرسين، وبعد أن أُخذت منه جميع الأوراق الثبوتية والهويّات العراقية الخاصّة به وبزوجته فاطمة وأولاده، وكان ذلك سنة 1949، عاد مع عائلته إلى وطنه الأمّ لبنان، حيث سجّل أولاده في دوائر النفوس اللبنانية واستخرج لهم الأوراق الثبوتية الخاصّة بجنسيتهم اللبنانية. وهكذا وُلد والدي، بحسب هذا التسجيل الجديد، في بيروت في 5 كانون الثاني/ يناير 1935، إلا أن والدي أخبرني أن هذا التاريخ غير صحيح، وأنه لا أحد يتذكّر تاريخ ميلاده الحقيقي.
تخرّج الطالب أحمد من الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1956، بدرجة بكالوريوس في مادّة الرياضيات (BA)، حيث نال درجة جيّد جداً، ثم سافر إلى سيراليون للعمل، وتزوّج من قريبته سعاد، وبعد تسع سنوات، أي في سنة 1965، عاد مع زوجته وأولاده، وعاش في بيروت مع عائلته الكبيرة حياة مجبولة بالحبّ، لم يعد يطيق العيش في الغربة، ليُشفي غليله ويُكمل ما فاته من العلم، ومارس عمله كأستاذ لمادّة Math في المدارس الرسمية والخاصّة. لاحقاً، صار يؤلّف كتباً في نظريات الرياضيات ويُهديها إلى أحفاده الأحبّاء.
قبل أن أصل إلى مفترق ذاكرتي الزمني الفاصل، كانت لنا حياة هانئة ومرحة، على الرغم من أن الحرب اللبنانية كانت قد اشتعلت وبدأت تشكّل محطّات متجدّدة ومنعطفات متتالية، أدّت، فيما أدّت إليه، إلى تدفّق الجيوش وتدخّل الفصائل المسلّحة في أجزاء من لبنان، وأثّرت في حياة اللبنانيين.
وسرعان ما توالت الأحداث من حشد وشحن وتجييش واستقطابات، وتطوّرت في متواليات دراماتيكية سريعة، فمنذ حرب 1958، مروراً بـاتّفاقية القاهرة 1969، ثم الحرب الأهلية اللبنانية 1975، وما تبعها من الاجتياحات الإسرائيلية، ولا سيمّا غزو 1978 وغزو 1982 وعمليّة “عناقيد الغضب” في 1996، وصولاً إلى حرب 2006، وما تلاها من حروب وأزمات متكرّرة حتى عامنا هذا 2026 بين “حزب الله” وإسرائيل.
منذ صدور كتابَي والدي أحمد، من “آثار الشيخ علي مروّة” إلى “سيرة حسين مروّة كما أرادها أن تُكتب”، في السنة عينها، أي في 2018، بدأت مرحلة جديدة مع انطلاق حراك 17 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2019، بما حمله من ثورة وانتفاضة وضائقة مالية وأزمات مصرفية واقتصادية واجتماعية، إضافة إلى كارثة جائحة كوفيد-19 التي طالت العالم أجمع، ثم انفجار مرفأ بيروت وما خلّفه من آثار موجعة.
في هذا السياق، قام أستاذ الرياضيات بارتداء مريوله الأبيض، وشرع في تدوين سيرة شجرة العائلة من جديد، وكان ذلك بإيعاز مني، فرسم الشجرة الكبيرة على ورقة أكبر وبشكل أوضح وتفاصيل أدق، وقرّر أن يضع جميع الأسماء في مخطّط واضح، مع إيلاء أهمّية خاصة لذكر أسماء الإناث وإبراز حضورهن إلى جانب الذكور، بالنسبة إليه كان هذا التفصيل من السمات المهمّة في شجرته لعائلة آل مروّة، إذ إن إصراره هذا أتى من قناعته بأن الإناث كنّ جزءاً أساسياً من شبكة المصاهرة داخل العائلة نفسها، وهو ما يعكس حقّاً من حقوق الإنسانية، ولا سيمّا حقوق المرأة، ومبدأ المساواة ونبذ التمييز الجندري، فالإناث لم يكن لهن حضور في الشجرات الأخرى.
لطالما كان أحمد، والدي، الحكواتي الساحر، والكاتب والمؤرّخ، وأستاذ الرياضيات القادر الفذّ على الحساب، وصاحب الخبرة في تحضير الخشب لصناعة الأسرِّة في بيتنا، والمنظِّم التطبيقي لمعرض “إبريق الزيت” للأطفال في عدد من معارض الرسم في قاعة قصر الأونسكو.
وحتى التسعينيات من عمره، وبعد مسيرة عمل مضنية، قرّر التوجّه إلى مكتبة الجامعة الأميركية، واضعاً حدّاً لانشغاله بالنظريات الرياضية، وكأنه بإيداع منجزاته كلها في مكتبة الجامعة التي تخرّج فيها، كان يودّ أن يودع معها مرحلة طويلة من حياته، وأن يسلّم إرثه العلمي إلى الأرشيف، متحدّياً بتاريخه العريق عبث الحروب وأهوالها.
وصل أحمد إلى مكتبة الجامعة التي كانت تطلّ على البحر، وقال لأمينة المكتبة، فاطمة، التي كانت زميلة ابنته مهى في الجامعة اللبنانية: “أقدّم كتبي وإنجازاتي على مدى عشرات السنوات إلى هذه المكتبة الكريمة”، ثم ابتسم قليلاً بحيائه المعتاد، وهو يودّع أبحاثه العلمية والحسابية لتوضع في عهدة مكتبة الجامعة الأميركية في العاصمة، التي كان قد تخرّج فيها عام 1956.
ومن غير المتوقّع، سقط والدي في البيت ليلاً، ساعدته على الوقوف مجدّداً، فنهض واستعدّ للنوم مع ماما سعاد، وفي اليوم التالي، عصراً، سقط والدي مرّة أخرى على عتبة بيته، وارتطم وجهه بحافّة البورسلان عند المغسلة، خبطة كانت أعنف من كل ما عرفه في سنوات النزوح والحروب الطويلة.
كان يقف، وما يزال، على منعطف حادّ، يطلّ على هاوية مخيفة، كأنه يقفز دون مظلّة تحميه، فيهوِي دفعة واحدة، وقد أُنهك جسده الضعيف، كان ذلك عصر يوم 21 كانون الثاني/ يناير 2025.
فيما كنّا منشغلين بأمور طارئة تتعلّق بالأوضاع الأمنية المتلاحقة، ساءت الحالة الصحّية لوالدي، فنُقل إلى الطوارئ، حيث خضع للعلاج وسط ظروف معقّدة، وفي غرفة الأوكسجين، حيث كان يتلقّى هواءً نقياً، أمسكت يده وأخذت أحرّك أصابعه برفق على راحتي، وأمسّدها ببطء، محاولاً أن أستحضر له شيئاً كان يحبّه.
كان يحبّ الأغاني القديمة، وكان شغوفاً بسماع ألحان الموسيقار محمّد عبد الوهاب، فأنشدت له أغنية “أحبّ شوفك”، وغنيت بكل جوارحي ومشاعري، عندها التفت نحو مصدر الصوت، وفتح عينيه بالكامل، وحرّكهما ببطء، كأنهما يصطدمان بحواجز من الماضي البعيد، ثم ارتسمت على شفتيه المجروحتين بسمة خافتة، قبل أن يرحل.
«.. ولدتُ في جنوب العراق، وسوف أُدفن في جنوب لبنان”، قال والدي ذات مرّة لي ولزوجتي، وكنّا يومها في طريقنا بالسيّارة إلى جنوب لبنان لإنجاز بعض المعاملات الرسمية في سرايا بلدة تبنين، كان يجلس في المقعد الخلفي، فقهقه قليلاً كعادته، ثم تابع: “هناك سوف أرقد بسلام تحت خشبة ما، لربما، أو غالباً تحت طبقة من الباطون المقوّى، وقبلها سيُغسَل جسمي الممدّد بالليفة والصابون، بحمّالة مُثبّتة، ويكفنونني جيّداً بالعطرة في غرفة مخصّصة لذلك في الجبّانة، وسوف يحملون نعشي فوق أكتافهم ويضعونه برفق، سأنام مطمئناً في قبري، يُكشف وجهي من كفني مقابل القبلة نحو الكعبة ضمن التعليمات الدينية؛ هكذا وجب منذ القِدم على أهل الإسلام وجرى العمل به، ويغطّي جثماني العاملون من فوقي بالباطون، ومن ثم بطبقة ثانية من الرخام، وحولها العشب الأخضر، وسأرتاح، ويرتاح الواقفون حول قبري من شدّة العناء، وسوف أقول لهم مشكوراً، لا أحبّ أن أُتعبكم!”.
“هناك سوف أرقد بجانب الميتين في جوف التراب، فوق روائح شتلات من البخور والعشب اليابس، وستُقرأ عليّ الآيات الحميدة، وسوف ينسحب القرويون إلى الوراء قليلاً، يتمتمون بشفاههم المتيبّسة وبأصوات خفيضة ببعض ما عرفوه عنّي، كأنها خارجة من ذاكرة متخيّلة، بعدها يخرجون منها مسرعين، مطأطئي الرؤوس، يحاولون أن لا يقعوا بين المقابر اللصيقة، محاولين النجاة من ضربات مسيّرات MK القاصمة”.
“وهنا سوف أُدفن، في بلدة السلطانية”، قال والدي يومها “هنا كنت أودّ أن أقضي ما تبقّى من صيفيّات عمري، في البيت الكبير لزوجة عمّي أبي خليل. كانت أم خليل قاسية، على ما يبدو، لكنّها مضت في عمرها تكبت في قلبها العطف لي ولغيري من الأحبّاء، تُخابط بالكلام القاسي بعض الناس الحاقدة قلوبهم، عرفناها بعنادها وصلابتها وموتها المفاجئ، كانت وحيدة في قريتها الرائعة التي عشنا على أرضها، الله يرحمها…”.
وُلد أبو عمّار في جنوب العراق – النجف، ودُفن في جنوب لبنان – السلطانية.