ماجد كيالي – صحافي وكاتب فلسطيني – سوري
يقول مرقص في كتابه “عفوية النظرية في العمل الفدائي”: “أكبر خطأ وذنب تقع مسؤوليته على قادة العمل الفدائي، أنهم لم يصنعوا لا نظرية عسكرية لعملهم ولا مبادئ لهذه النظرية… حدودها؟ إمكاناتها؟ موقعها ومكانها؟
عنوان هذه المقالة استعارة لعنوان كتاب نقدي كان أصدره المفكر السوري الياس مرقص (دار الحقيقة، بيروت، 1970)، وتحدث فيه في ذلك الزمن، الذي كان فيه الكفاح المسلح الفلسطيني في بدايات صعوده، مع ظهور الفصائل والميليشيات كفاعل سياسي رئيس في بلدان المشرق العربي، بخاصة في الأردن ولبنان.
في الكتاب المذكور، كما في غيره، تحدث الراحل الياس مرقص عن قصور هذا الشكل، ولا واقعيته، واعتباره امتداداً للروح الشعاراتية، والأيديولوجية، المنفصمة عن الواقع، والتي اتسمت بها التيارات السياسية العربية، بخاصة اليسارية والقومية.
وأهمية وجهة النظر تلك أنها أتت في زمن تم فيه الاحتفاء بالكفاح المسلح الفلسطيني، وبالفدائي، كمخلّص، ليس فقط من قِبل عوام الناس، أو “الجماهير”، التي اعتقدت أن هذه وسيلتها للرد على الهزيمة (1967)، إذ شمل ذلك، أيضا، معظم المثقفين العرب، والتيارات السياسية العربية، اليسارية والقومية والإسلامية.
ومعنى ذلك أن وجهة النظر النقدية تلك اتسمت بالجرأة والنزاهة والموضوعية، إضافة إلى الريادة، وهي وجهة نظر تشاركها مع صديقه المفكر السوري ياسين الحافظ، وتفردا فيها، بين المثقفين، بخاصة في المشرق العربي، في فترة مبكرة.
وهكذا، انصبّ معظم نقد مرقص والحافظ على لا واقعية فكرة الكفاح المسلح، أولاً، بسبب ظروف الفلسطينيين الخاصة، أو الاستثنائية، في مواجهة إسرائيل، وضمنها افتقادهم إقليماً مستقلاً، والموارد. وثانياً، بالنظر الى قوة إسرائيل المرتبطة بالغرب، وبخاصة الولايات المتحدة. وثالثاً، بسبب عدم ملاءمة الوضع العربي (حكومات ومجتمعات) لهذه الفكرة.
ما يلفت الانتباه، أن وجهة النظر النقدية هذه كانت متمثّلة في فكر حركة “القوميين العرب”، وهي الحركة الأم للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والتي كانت انتقدت خيار الكفاح المسلح الذي أطلقته حركة “فتح” في منتصف الستينات، وأخذت عليها الوقوع في خطأ التوقيت والتوريط والتفتيت، وهو ما سُمي في حينه، في الأدبيات السياسية، بالتاءات الثلاث، وهذا ما نسيته، وطمسته، في ما بعد.
أما حركة “فتح” فكانت ردّت عليها، أو على تلك “التاءات”، بأن هذا أوان المبادرة لاستعادة القضية للشعب الفلسطيني، وأنها انتهجت “التوريط ” لكن “الواعي” باعتبار أن قضية فلسطين قضية عربية يجب أن تشارك الأنظمة بحملها، وأن تحرير فلسطين هو السبيل للوحدة العربية وإنهاء التجزئة والتفتيت.
طبعاً ما لبثت حركة “القوميين العرب” أن سارت في أعقاب “فتح”، أولاً، بتخلّيها عن طابعها كحركة قومية، وتحوّلها إلى حركة وطنية للشعب الفلسطيني. وثانياً، بتبنّيها نهج الكفاح المسلح، الذي كانت تنتقده. وثالثاً، بتجاوز ذلك كله، في ما بعد، بتحوّلها الى حزب للطبقة العاملة الفلسطينية، مع انتهاجها الماركسية اللينينية، الذي جاء على الغالب لمسايرة تيار صعود اليسار عربياً ودولياً، وكردة فعل على انشقاق الجبهة الديمقراطية (1969)، وربما شكّل هذا الأخير نقطة ضعف لها، إزاء حركة “فتح”.
مشكلة الفلسطينيين أن الكفاح المسلح أتى بصورة فوقية، أي من دون تمهيدات ببنى تنظيمية وازنة، ومن دون مقدمات، أو تجربة، سياسية، وأنه لم ينبنِ على استراتيجية عسكرية واضحة، تبين ما هو ممكن وما هو ممكن، في ما عدا شعارات عامة، وأنه أتى في واقع عربي لا يسمح أو لا يبيح هذا الشكل إلا بقيود واشتراطات معينة.
الأهم من ذلك أن فكرة الكفاح المسلح الفلسطينية استندت إلى نظرتين متسرّعتين، وإراديتين، وعاطفيتين، الأولى، تعتقد أن فلسطين هي القضية المركزية للأمة العربية؛ وقد تبين من خلال التجربة عدم صحة ذلك من الناحية العملية. والثانية، أن الأنظمة العربية معنية بقضية فلسطين، وبدعم الكفاح المسلح الفلسطيني، وقد ثبت أن ذلك مجرد وهم.
يمكن أن نضيف إلى ذلك كله، أيضاً، أن فكرة الكفاح المسلح لم تكن موائمة لواقع الفلسطينيين، الذين يعيشون واقع التجزئة، محرومين من إقليم مستقل، ويخضعون لقيود أنظمة متعددة ومتباينة، ويفتقدون الموارد اللازمة.
هكذا، منذ البداية تبيّنت اعتمادية الفصائل الفلسطينية، وكفاحها المسلح، مع ارتهانها لما تسمح به الأنظمة العربية المعنية، وما لا تسمح، وأنها معتمدة بالسلاح والمال وحرية الحركة على الأنظمة التي تعمل بين ظهرانيها.
هكذا، ففي غمرة الحماسة لاستعادة الكرامة والرد على النكبة وتحرير فلسطين، لم يسأل أحد من المنتمين الى الفصائل الفلسطينية المسلّحة الأسئلة اللازمة، أو المطلوبة، ساهم في ذلك افتقاد تجربة سياسية، وسيادة الروح العاطفية والشعاراتية، لا سيما في مناخات الثورتين الفيتنامية والجزائرية، وصعود التيار اليساري، بشقّيه الصيني والسوفياتي.
بيد أن أكثر عامل مقرر دفع في هذا الاتجاه تمثل بهزيمة حزيران/ يونيو (1967)، إذ بات بعدها الكفاح المسلح بمثابة حاجة الى الأنظمة العربية للتغطية على تلك الهزيمة، لذا تم إطلاق حرية العمل والحركة للفصائل الفلسطينية لتعبئة هذا الفراغ، أي أن تلك الحرب هي العامل الأساس الذي سمح بصعود الحركة الوطنية الفلسطينية في الخارج.
بعد معركة الكرامة (1968) أتت لحظة الحقيقة، إذ بدأ الصدام بين الفصائل الفلسطينية والجيش الأردني، فليس بإمكان دولة ذات سيادة أن تسمح لقوى أخرى بحمل السلاح، وفرض قرار الحرب أو السلم عليها، وكانت النتيجة أن هذه المعادلة أفضت إلى إخراج الحركة الوطنية الفلسطينية، جملة وتفصيلاً من الأردن.
وفي الحقيقة، بينت هذه المحطة عقم الكفاح المسلح الفلسطيني من الخارج، وعقم قيام حركة وطنية فلسطينية مستقلة تخضع لسياسات هذه الدولة العربية أو تلك.
مع ذلك، فإن الحركة الوطنية الفلسطينية لم تُجرِ، حتى الآن، وقفة نقدية وجريئة ومسؤولة عما حصل في الأردن، والأهم من ذلك أنها لم تستنبط الدروس المرجوة منها، لذا فقد تكرر الأمر في لبنان، بطريقة مأساوية، بالنسبة الى اللبنانيين والفلسطينيين، باندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وبالتورط الفلسطيني في تلك الحرب.
هكذا تميز المفكران السوريان الياس مرقص وياسين الحافظ، إذ خط الأول (مرقص) كتابيه: “عفوية النظرية في العمل الفدائي” (“دار الحقيقة” 1970)، و”المقاومة الفلسطينية والموقف الراهن” (“دار الحقيقة”، 1971)، وخط ياسين الحافظ كتابيه: “اللاعقلانية في السياسة” (“دار الطليعة”، 1975) و”الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة” (“دار الطليعة”، 1978).
انشغل الياس مرقص بنقد الشعارات المتعلقة بالصراع ضد إسرائيل، والمفاهيم التي رأى أنها مضطربة، وقاصرة، حول الحرب الفدائية، أو الكفاح المسلح، أو حرب التحرير الشعبية، إذ بيّن أن لكل واحد من تلك المفاهيم دلالاته ومتطلباته المختلفة عن الأخرى، مع تأكيده أن العمل الفلسطيني المسلح لا يشتغل وفق استراتيجية معيّنة، وأنه يفتقد الواقعية والعقلانية.
يقول مرقص في كتابه “عفوية النظرية في العمل الفدائي”: “أكبر خطأ وذنب تقع مسؤوليته على قادة العمل الفدائي، أنهم لم يصنعوا لا نظرية عسكرية لعملهم ولا مبادئ لهذه النظرية… حدودها؟ إمكاناتها؟ موقعها ومكانها؟… حرب الأنصار الفدائية الفلسطينية تنتظر نظريتها السياسية ـ العسكرية… التي ليست مجموعة من آراء غيفارا وجياب لينين وما وتسي تونغ، ولا مجموعة صورهم، ولا عدداً من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ولا اجتماعات ما بين هذه وتلك”… تحرير فلسطين، أكبر بكثير من العمل الفدائي…”.
أما ياسين الحافظ، رفيق مرقص، فركّز نقده، في كتابه “الهزيمة والأيديولوجيا المهزومة”، على علاقة الكفاح المسلح الفلسطيني بالواقع العربي، إذ يقول: “إن الدول العربية بتكوينها الطبقي والسياسي الراهن لا يمكنها…أن تترك العمل الفدائي بعيداً عن نفوذها أو رقابتها… فإما أن تخاف الدول العربية المعنية مضاعفاته، بسبب ردود الفعل الإسرائيلية والإمبريالية، أو تخاف من إفلات الزمام، من يدها فتعمل عندئذ على قمعه وتصفيته.
وهنا يقع العمل الفدائي بين نارين من الأمام ومن الخلف: نار إسرائيل ونار الحكومات المعنية. فوق ذلك كله فقد انتقد الحافظ الأوهام التي أشاعتها فكرة المقاومة المسلحة في العالم العربي، بإيحائها “أن تحرير فلسطين آت في غد قريب”، وقد كان أمراً لافتاً في تلك الأيام التي احتفي فيها بالفدائيين أن تُطرح هكذا وجهات نظر.
وعدا عن انتقاده العفوية والتسرع في إطلاق المقاومة المسلحة، فقد تحدث الحافظ، أيضاً، عن الظروف غير المواتية لذلك بالمقارنة مع التجارب الأخرى، “فنحن لا نحارب لإجلاء جيش جاء من الخارج بل نحارب لتدمير جيش بناه سكان محليون. كما أننا لا نحارب لإسقاط حكم، بل نحارب لتدمير كيان دولة مصطنعة من أساسه…”.
ليس القصد من هذه الاستعادة ندب الماضي، بل تبيان أن حركاتنا السياسية، انبنت على أسس عاطفية، وشعاراتية، ورغبوية، أكثر مما انبنت على أسس واقعية وعقلانية. وهي استعادة لا تأتي للمصادقة على واقع أفول، أو اختفاء، الصراع العسكري ضد إسرائيل، بطابعه النظامي/الدولتي، أو بطابعه الفصائلي/الميليشياوي، إذ إن الأول انتهى بعد حرب (1973)، في حين انتهى الثاني، أو كاد، مع عملية “طوفان الأقصى”، الذي تمخّض عن كارثة، أو عن نكبة جديدة، لم تنته تداعياتها بعد. أيضاً هذا يفيد بضرورة مراجعة التجربة الماضية، بدل تقديسها، أو بدل تحريم نقدها، للاستفادة من دروسها، ومن معانيها.
يستحق المفكران الياس مرقص وياسين الحافظ إعادة الاعتبار لرؤيتهما المبكرة.