يمثَّل انتشار بعض النوادي المختصة والمشجعة للقراءة والمطالعة هنا وهناك بقع ضوء في العتمة، في واقع الحياة، وعلى وسائط التواصل الاجتماعي، وهذا لا يمكن له إلاّ أن يسعدنا، لأن زرع شغف القراءة في قلوب الشباب أصعب من زرع شجرة مثمرة. غير أنّني بمتابعة بعض هذه النوادي بالحضور، أو على وسائل التواصل الاجتماعي، وجدت أنّ هذه الفئة من الشباب مغرمة بالثقافة الغربية، وتركز غالبًا على الكتب المترجمة لأسماء أدبية كبيرة، أو تتابع عناصرها تجارب بعض الكتاب المعاصرين الذين يرونهم نجومًا، بينما لاحظت أنّهم لا يعودون إلى التراث الإنساني العالمي الذي شكّل الأرضية الأساسية والخصبة لكل أشكال الأدب الذي أُنتج على امتداد هذه الحقبات الزمنية الطويلة. فكم وددت لو أنّهم يعودون لكتب مثل “الكوميديا الإلهية” لدانتي، أو “دون كيخوت” لسرفانتس، وغيرهما من الكتب والملاحم الضاربة في تاريخ الإنسانية، وهنا أذكر ملحمتيْ “الإلياذة”، و”الأوديسة”، للشاعر هوميروس اللتين قدمهما كأثمن هدية للبشرية.
ظهرت “الإلياذة” منذ أكثر من ألفين وسبعمائة عام، وقد وُلدت في شكل نص شعري سيظل راسخا في الذاكرة الإنسانية إلى الأبد. وهو في حقيقة الأمر ليس مجرد قصيدة طويلة تتحدث عن آخر سنة من حرب طروادة مع اليونانيين، بل هي حجر الأساس في بناية الأدب العالمي العملاقة.
فهو نص يكشف من عمق الداخل صراع الإنسان مع ثلاثة عناصر ثابتة بوجود الإنسان على الأرض، وهي الحرب والموت والمجد، ويطرح معها الأسئلة الخارقة التي لا تنتهي عن معنى البطولة، وعبث القدر بالإنسان الذي يعتقد في قوته الخارقة، بينما هو لا يساوي مثقال ذرة من الهباء.
“الإلياذة”، إذًا، هي واحدة من أقدم الملاحم الإغريقية، وقد جاءت في شكل نص شعريّ طويل مقسم إلى 24 نشيدًا في وزن سداسي، بينما يتجاوز عدد الأبيات فيها الخمسة عشر ألف بيت، صاغه الشاعر هوميروس الذي يشكك النقاد في أصله، ويتردد أنّه كان أعمى، ليحكي من خلال ملحمته الشعرية عن الفترة الأخيرة من حرب طروادة.
وقد استمرت تلك الحرب عشر سنوات بين الإغريق والطرواديين. في هذه الملحمة لا يسرد هوميروس مراحل الحرب الطويلة، بل قدّم تأملًا شعريًا في مفاهيم يعيشها الإنسان نتيجة الحرب، مثل الغضب، والصداقة، والموت، والتأمّل أيضًا، في لحظة المصالحة التي تضع هذا الإنسان أمام الاختيار الصعب بين هشاشته كإنسان، وكرامته التي يعتدُ بها في آن واحد.
هوميروس شاعر الأسطورة أم الخلود؟
| تمثال لرأس هوميروس مع غلاف ترجمة دريني خشبة لـ”الإلياذة” |
من هو هوميروس؟ سؤال ظل يرافق الباحثين في عظمة الملحمة منذ قرون طويلة وحتى الآن، كيف لا وقد ارتبط الاسم بأشهر ملحمتين في الأدب الإغريقي والإنساني: “الإلياذة”، و”الأوديسة”، خاصة وأنّ حياة الرجل يكتنفها كثير من الغموض.
يُعتقد أن هوميروس عاش في القرن الثامن قبل الميلاد، وقد ساد اعتقاد بأنه كان اسمًا حركيًا، أو لقبًا، يعني الرهينة (ربما لأنه وقع أسيرًا في الحرب)، بدلًا من كونه اسمًا حقيقيًا للشاعر.
أمّا ما نعرفه يقينًا حوله فهو أنّ أعماله ألهمت الأدباء والفلاسفة عبر العصور لإبداع الملاحم: من فيرجيل إلى دانتي، ومن شكسبير إلى جيمس جويس. لقد كان هوميروس، عبر ملحمتيه البديعتين، المؤسس الأول للخيال الغربي، وأوّل من وضع لبنات فكرة أن الشعر يمكن أن يكون محملًا تاريخًا بامتياز، وأنّ من الأسطورة يمكن أن نستخلص فلسفة ما.
غضب أخيل ومأساة هيكتور
لا تروي ملحمة “الإلياذة” الحرب كاملة، بل تركز على بضعة أسابيع من السنة الأخيرة لحرب طروادة الشهيرة. وكان محور النص هو غضب أخيل، البطل الإغريقي الذي انسحب من القتال بعد خلافه مع أغاممنون، ثم عاد لينتقم لمقتل صديقه باتروكلوس على يد هيكتور، أمير طروادة. الملحمة تنتهي بمشهد إنساني مؤثر: لقاء أخيل مع بريام، ملك طروادة، الذي يتوسل إليه أن يعيد جثمان ابنه هيكتور. هذا المشهد يكشف أن “الإلياذة” ليست مجرد نص لوصف مشاهد عن الحرب، أو لوصف مشاهد منها، إنّها شعر مصفى عن الكرامة التي يعتد بها الإنسان، وعن مشاعر الحزن التي تسكن أعماق الإنسان رابحًا كان في الحرب أم خاسرًا، كما تشرح المعاناة النفسية التي يعيشها الطرفان عند حدوث المصالحة. إنها ملحمة تشرح بلغتها الدقيقة مشاعر الغضب عندما تتضخّم، فتصبح مثل زلزال يقود إلى الدمار الشامل، إنّها ملحمة تؤكد أنّ المشاعر الغاضبة بدافع المصلحة والغيرة على الكرامة الانسانية هي ذاتها دوافع الحرب في كل زمان ومكان.
“الإلياذة” حقيقة أم أسطورة؟
| أخيل يقدم الأضحية إلى زفس (مخطوطة للإلياذة في مكتبة الأمبروزيانا في ميلانو، القرن الخامس الميلادي) |
أمّا السؤال الذي ظل يرافق “الإلياذة” منذ قرون فهو: هل أنّ حرب طروادة حدثت فعلًا، أم أنّها مجرد أسطورة اختلقها الشاعر هوميروس ليبدع ملحمته؟
رأى بعض علماء الآثار أن الحرب وقعت فعلًا في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، وأن “الإلياذة” بُنيت على أحداث واقعية، خصوصًا بعد اكتشاف آثار مدينة طروادة في تركيا على يد هاينريش شليمان في القرن التاسع عشر.
في حين يرى آخرون أن النص مجرد ملحمة شعرية ابتدعها الشاعر، مستخدمًا أحداثًا متخيلة ليعبر ويشرح صراع الإنسان الأزلي مع القدر، ومع الموت والحرب.
وهنالك رأي ثالث يرى أن “الإلياذة” تمزج بين التاريخ والأسطورة، فهي نص شعري يستند إلى وقائع حقيقية، لكنه يضفي عليها طابعًا خياليًا مبالغًا فيه، مما يمنحها مواصفات الأسطورة من ناحية، ويجعلها خالدة من ناحية أخرى.
“الإلياذة”، هذه الملحمة العظيمة، لا يمكن اعتبارها وثيقة تاريخية، أو أسطورة يتنافس المؤرخون على إثبات وجودها، بل علينا أن نراها نصًا شعريًا ملحميًا يضعنا من خلال الإبداع أمام حقيقة أن التاريخ والأسطورة لابد لهما من التداخل في الذاكرة الإنسانية ليصنعا معًا مثل هذه الروائع الخالدة، ولنتأكد أنّ الشعر قادر بسحره على أن يحول الوقائع المادية إلى رموز إبداعية من ذهب لتفسير مفاهيم إنسانية تتجاوز كل الأزمان، وترافق الإنسان ما دام موجودًا.
تأثير “الإلياذة” في الأدب العالمي
منذ أن صاغ هوميروس ملحمته الكبرى وانتشرت بين الناس واخترقت كل العصور، لم تتوقف “الإلياذة” عن إلهام الأدباء والفلاسفة والفنانين، وتحريك أعماقهم بعاصفة من الأسئلة، وفيض من الغبطة، إضافة الى المتعة، ممّا يحرّض على الإتيان بمثلها، أو استخلاص رحيقها، ليكون نواة لإبداع جديد. فقد كانت المرجع الأول للشاعر الروماني فيرجيل حين كتب ملحمة “الإنياذة”، التي أعادت صياغة “الإلياذة”، و”الأوديسة”، في سياق روماني، لتؤسس هوية روما. وفي العصور الوسطى، استدعى دانتي هوميروس ضمن قائمة الشعراء العظام في “الكوميديا الإلهية”، ليمنحه مكانة الأب الروحي للشعر. أما شكسبير، فقد وجد في شخصيات أخيل وهيكتور مادة خصبة لمسرحياته التراجيدية، حيث استعاد ملامح الغضب والبطولة ليعرضها على خشبة المسرح. وفي القرن العشرين، كتب جيمس جويس روايته “عوليس”، التي أعادت صياغة “الأوديسة” في سياق دبلن الحديثة، لكنها حملت أيضًا أثر “الإلياذة” في فكرة أن النص يمكن أن يكون رحلة داخلية بقدر ما هو رحلة خارجية.
ولم يقتصر تأثير “الإلياذة” على الغرب فحسب. ففي الأدب العربي الحديث، نجد إشارات إلى طروادة وأخيل في نصوص شعرية وروايات تبحث عن معنى البطولة وعلاقتها بالحرب والموت والقدر، حيث استُعيدت الملحمة في الشعر العربي عبر استخدام عناصر “الرسم الملحمي” والموسيقى الشعرية، كما استفاد الشعراء من الرموز الأسطورية (مثل الآلهة وأبطال الحرب) لإضفاء أبعاد كونية على قضاياهم الوطنية، مثل محمود درويش، وبدر شاكر السياب. و”الإلياذة” مثلت بعد تعريبها، بقلم الشاعر اللبناني سليمان البستاني، رمزًا لصراع الإنسان العربي مع مصيره التاريخي في زمن المحن والحروب. كما أن كتّابًا عالميين، مثل كازانتزاكيس، في “الأوديسة الحديثة”، أعادوا كتابة الملحمة بروح جديدة، ليؤكدوا أن النص الهوميري ليس مجرد تراث، بل إنّه مادة حيّة قابلة لإعادة التشكيل.
من الشعر إلى السينما
لم تقتصر “الإلياذة” على إلهام الأدباء والشعراء، بل ألهمت أيضًا أهل السينما والفنون البصرية. ومنها فيلم “طروادة” الذي أُنتج عام 2004، وأخرجه الألماني فولفغانغ بيترسن، في إنتاج عالمي كبير، أعاد فيه النجم براد بيت تقديم قصة أخيل وهيكتور للجمهور العالمي الذي كان ينتظر أن يفهم الملحمة بطريقة سردية مبسطة. بينما استلهم بعض الفنانين التشكيليين مشاهد الملحمة في لوحاتهم، منذ عصر النهضة إلى عصر الفن الحديث. كل ذلك أثبت ويثبت أن “الإلياذة” ليست نصًا جامدًا مرتبطًا بحدث ما، أو بحقبة تاريخيّة محددة تروي سيرة وأحداثًا، بل هي مادة إبداعية حيّة تنبض بالحياة، وتتجدد وتتلبّس بمظاهر وظروف كل عصر عبر وسائط مختلفة، مثل الشعر والرواية والمسرح والسينما والفنون التشكيلية.
هل يعيد الإنسان إنتاج تاريخه أم أساطيره؟
“الإلياذة” في نهاية المطاف ليست ملحمة أسطورية عن حرب طروادة فقط، بل هي أيضًا نص شعري مفعم بالجمالية الفنيّة عن الإنسان بجبروته وقوّته وهشاشته في مواجهة قدره، وفي مواجهة عدوّه في لحظة إنسانية نادرة حين يشترك الخصمان في معاناة نفس المشاعر. ويثبت تأثيرها في الأدب العالمي الإنساني وفي كل الثقافات أنها لن تكون مطلقًا عملًا إبداعيًا ماضويًا، لأنّها تحمل جينات تجددها وخلودها في سحر تناولها للمفاهيم والمبادئ الإنسانية التي لا تتغيّر مهما تغيّر الزمن، فهي تضعنا أمام سؤال أبدي: هل يعيد الإنسان إنتاج التاريخ، أم أنّه يعيد بسحر الخيال تطوير الأساطير؟