ملخص
ترسم رواية “عيناها” (“جشمهايش” بالفارسية) لبزرك علوي عالماً ديستوبياً لإيران في عهد رضا شاه، الذي فرض سيطرته على طهران عبر قبضة بوليسية حديدية. من خلال شخصيتي الفنان “ماكان” وحبيبته “فرنكيس”، يكشف العمل عن الصراع بين الفن والسلطة، منحازاً إلى الفقراء في مواجهة القمع والاستبداد.
منذ البداية تضعنا رواية “جشمهايش” للكاتب الإيراني بزرك علوي (ترجمة أحمد موسى عن الفارسية/ منشورات الربيع) في أجواء ديستوبية عن الحال التي عاشتها إيران في عهد رضا شاه بهلوي في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي. يرصد علوي حال الخوف والرعب التي سيطرت على العاصمة، “صمت خانق كان يخيم على مدينة طهران، لم يكن أحد يجرؤ أن ينبس ببنت شفة. وكان الجميع يهاب بعضهم بعضاً، في البيت والمكتب والمسجد والدكان وفي المدرسة والجامعة والحمام. كان الجميع يعتقدون أن رجال الاستخبارات يتعقبونهم”.
في ظل هذه الأجواء يظهر الفنان “ماكان”، أكبر فنان تشكيلي في إيران، ليقود تنظيماً سرياً ضد فساد الشاه ورجاله، عبر توزيع منشورات تفضح المسكوت عنه، إلى أن تنتهي حياته عام 1938 في المنفى، على يد هذا النظام الباطش، وهو في الـ44 من عمره. فهو أحد القلائل كما تصفه الرواية الذين تجرأوا وأبدوا شجاعتهم في مواجهة النظام الديكتاتوري، لم يجزع من أي حرمان، ولم تحن كاهله ضغوط جهاز الشرطة، ولم يبال بإيقاف صرف راتبه أو نفيه، وبقي ثابتاً على مبدئه في ديار الغربة التي مات فيها بعيداً من أهله وأصدقائه.
غموض وتشويق
تعتمد الرواية على حبكة تبدو بسيطة في ظاهرها وتنطوي على قدر من الغموض والتشويق. تنطلق الأحداث من شغف أحد تلاميذ “ماكان” بجمع أعماله الفنية، ليضعها في متحف، من بينها اللوحة الغامضة بعنوان “عيناها” الترجمة الحرفية لاسم الرواية الأصلي “جشمهايش”. لوحة استحوذت على إعجاب الجميع، وأصبحت لغزاً بين الناس حول التكهن بمن هي صاحبة العينين؟ وما طبيعة العلاقة التي جمعتها بالفنان؟ بعدما ادعت نساء كثيرات أن الصورة رسمها لهن “ماكان”. من هذه التكئة يمضي السرد للتعرف على سيرة “ماكان” عبر وكيل المدرسة الذي يقرر كتابة سيرته والكشف عن الأسرار الغامضة في حياته، باحثاً عن صاحبة الصورة التي يلتقي بها مصادفة في الذكرى العاشرة لرحيل الفنان، لتتولى هي بنفسها سرد الحكاية.
تقوم الرواية على ثنائية مركزية بين شخصيتين، الرسام الغائب المستعادة سيرته، والفتاة التي خلدها في لوحته “فرنكيس”، بينما يتولى مدير المدرسة دور الراوي، دافعاً بالأحداث نحو كشف ما غمض من حياة “الأستاذ” في زمن الإرهاب والقمع. تأتي الشخصيتان على طرفي نقيض، فالفتاة منغلقة على ذاتها وتطارد أهواءها، والفنان يكرس حياته وفنه لخدمة الفقراء والمهمشين. يمتلك الرسام حساً أخلاقياً استثنائياً، ويرعى أبناء خادمه ويؤمن تعليمهم، ويساعد المبتعثين إلى فرنسا ممن يرى فيهم الموهبة، وتنحاز لوحاته بوضوح إلى البسطاء، كاشفة عن بؤسهم والظلم الواقع عليهم، ولديه استعداد للتضحية بنفسه.
يبرز موقفه الأخلاقي في رفضه الخضوع لسلطة الاستبداد بامتناعه عن رسم لوحة للشاه، مما جر عليه عدداً من المشكلات التي أسهمت في زيادة اضطهاده، وفي المقابل رسم مجموعة تزيد على 20 لوحة لخادمه البدوي “آقا رجب”. رسمه في جميع حالاته الشعورية من الغضب والارتباك إلى الهدوء والنوم، ورفض الاتجار بفنه فلم يرسم أياً من المشاهير على رغم الإغراءات المادية.
نقيض أخلاقي
في المقابل، تظهر “فرنكيس” كنقيض طبقي وأخلاقي للرسام، فتاة مترفة تنتمي إلى طبقة إقطاعية، تعيش لذاتها ولرغباتها، تأمر فتطاع. يخضع لها الجميع بسبب جمالها الأخاذ. وحده “الأستاذ” يكسر هذه الهالة، كاشفاً لها زيف موهبتها في الرسم وسط المجاملات التي كانت تنالها، ما يدفعها إلى السفر لباريس لدراسة الرسم لتثبت له زيف رأيه. وهناك يتغير مسارها حين تلتقي بالفنان “خداداد”، أحد تلاميذ “ماكان” الذي يدفعها إلى إعادة النظر في ذاتها، ويحثها على العودة إلى طهران، فمع نفوذها الاجتماعي تستطيع أن تقدم كثير لحركة النضال السياسي. ومع عودتها إلى طهران تلمس معنى التضحية والالتزام. لكن هذا التحول يظل ملتبساً لا ينبع من وعي وطني خالص بقدر ما يتغذى على تعلقها العاطفي بـ”ماكان”، ما يجعل انخراطها استجابة عاطفية أكثر منه اختياراً اقتناعاً، بخاصة أنها حين تختلط مع عامة الشعب تجد نفسها غير قادرة على فهمهم بدرجة كافية.
هذا التنافر في الأفكار وفي الحياة بين “فرنكيس” و”ماكان”، كان سبباً في تعلقها الشديد به، لا يعاملها كملكة كما يعاملها الجميع، لكنها في الوقت نفسه، كانت تحمل جانباً من عدم الرضا عنه، بخاصة بعد اللوحة التي رسمها لها “عيناها”، “العمل الفني الوحيد الذي أنجزه في فترة تشرده بعد الخروج من طهران”. لأنها رأت فيها ظلماً شديداً من الأستاذ لها، حين قدمها بهذه الصورة الحسية، المرأة اللعوب كما يراها الجيمع. وفي الوقت نفسه ترى في هذه اللوحة التي رسمها “ماكان” في ثلاث سنوات، كم عانى “الأستاذ” بسبب تصوره أنها تخلت عنه في أحلك ظروف حياته: “لو كان يعلم كيف افتديته، لم يكن بالتأكيد ليرسم هذه اللوحة بهاتين العينين الفاجرتين، فهو يتصور أنني تخليت عنه في أصعب ساعة في حياته وتركته ليواجه قدره المشؤوم بمفرده”.
بينما هي التي ضحت بحياتها وسعادتها مقابل صفقة أنقذته من القتل في السجن. ضحت بنفسها عبر الزواج من “آرام”، رئيس دائرة الأمن، جاعلة مهرها إخراج الفنان من السجن، والسعي إلى تهريبه خارج البلاد، لا سيما بعد اكتشاف تزعمه للمجموعة التي توزع منشورات تفضح فساد نظام الشاه، من انتزاع الأراضي، ومطاردة الطلاب وزرع الجواسيس بينهم، وقطع الرواتب، وسرقة المال العام، وإهمال قطاعات التعليم والصحة وغيرها.
تضحية صامتة
أسهمت “فرنكيس” في إخراجه من السجن، ولم تسع إلى إخباره بما قامت به، فظن أنها تركته وتزوجت بأحد رؤوس السلطة الفاسدة، “كنت أسمع صوته، هل كان بوسعي أن أذهب إليه وأخبره بأنني لأجل إنقاذه توسلت بأسهل الطرق الممكنة، ورميت بنفسي في أحضان رجل متكبر وأناني؟ لا، لم تكن لدي هذه الجرأة، وما كنت أريد أن أطلعه على كيفية اتخاذ مثل هذا القرار”.
ترسم الرواية ملامح المجتمع الإيراني في هذه الحقبة من زاوية منحازة بوضوح إلى طبقة البروليتاريا، “لم يكن لديه شيء أعز من فنه، وكان فنه يستند إلى المجتمع والناس الذين يعيش بينهم”. لذلك تأتي أعماله، وعلى رأسها لوحة “البيوت الريفية”، وثيقة فنية مشغولة بعناية استثنائية، سعياً لالتقاط تفاصيل عالم مهدد بالاقتلاع، وإدانة للسطلة عندما قرر الشاه طرد الفلاحين وانتزاع أراضيهم ليبني لنفسه متنزهاً.
وتكشف الرواية عن أفكار وآراء بزرك علوي (1904–1997) والمولود لأسرة متدينة سياسية، وكان والده عضواً في حزب إيران الديمقراطي المناهض للوجود الإنجليزي والروسي في إيران، خلال سنوات الحرب العالمية الثانية. وساعدته دراساته في أوروبا على الاطلاع على الفكر الحديث، وهو ما يتجلى في رصده لعالم البعثات الإيرانية في باريس، وزرع الجواسيس بين الطلاب، وقطع المنح عن كل من ينتقد الشاه.
كما تعرف في منفاه على الحركات الاشتراكية، وهو ما يظهر في ميله للفقراء والمطحونين داخل الرواية. وتعرض هو أيضاً لتجربة السجن لمدة أربع سنوات، بتهمة الانضمام إلى الحزب الشيوعي الإيراني “توده” خلال الأربعينيات. وكان له دور بارز في الحياة الثقافية الإيرانية حتى قيام الثورة الإسلامية عام 1979.
تعرض للنفي خارج البلاد في عهد رضا بهلوي، وتوفي داخل برلين عام 1997. وتعد هذه الرواية من أهم أعماله ومن أكثر الروايات الإيرانية انتشاراً، ونشرت في عهد حكومة مصدق التي شهدت صحوة للحركة الوطنية وانتشاراً للحريات وبخاصة في مجال النشر، فصدرت منها أربع طبعات فور صدورها عام 1952، وأعيد نشرها بصورة غير رسمية أكثر من مرة داخل إيران وخارجها كواحدة من أبرز الروايات الإيرانية في القرن الـ20.
