تصاعدت الاحتجاجات الشعبية في أكثر من محافظة في سورية في الشهر الماضي (سبتمبر/ أيلول)، بالتوازي مع رفع أسعار المحروقات (بعضها أكثر من 40%)، والبدء بمشاريع التطوير العقاري في مناطق مستملَكة أو استُوليَ عليها في مراحل مختلفة في عهد النظام البائد تركزت في ريف دمشق وأخرى في دمشق. وتسببت هذه المضاربات العقارية في ارتفاع كبير في العقارات والإيجارات في كل المحافظات. وهناك احتجاجات مستمرّة في المنطقة الشرقية ضد سوء الأوضاع المعيشية والغلاء، واحتجاجات مطلبية تتعلق بتثبيت المعلمين في مناطق مختلفة، واحتجاجات مزارعي القمح بسبب عدم الحصول على كامل مستحقاتهم، القليلة بدورها، ثمناً للقمح المباع إلى الحكومة. وهذا فضلاً عن رفع أسعار الكهرباء نهاية العام الماضي بما لا يتناسب مع مستوى المداخيل. وما يزيد الحنق الشعبي من كل ما سبق مظاهر البذخ واستعراض السلطة التي أبداها بعض مسؤوليها في مكاتبهم الفخمة أو في أرتال سياراتهم الفارهة، وإهانات بحق الشعب قالها مدير الشركة السورية للبترول.
في جلسة استماع أمام مجلس النواب، دافع وزير الطاقة، محمد البشير، عن رفع أسعار المحروقات، مستنداً إلى الفجوة بين الإنتاج المحلي وحاجة البلاد إلى تلك المواد، وأن الغلاء عالمي بسبب أزمة مضيق هرمز، من دون تقديم استراتيجية واضحة لحلول في ظلِّ عجز غالبية السوريين عن دفع أثمانها. في حين أن وزير الطوارئ وإدارة الكوارث، رائد الصالح، حمَّل المسؤولية لسياسات المجتمع الدولي وتراجعه عن الإيفاء بوعوده تجاه سورية فيما يتعلق بمؤتمرات جمع التبرعات مقابل احتياجات تفوق 300 مليار دولار لتمويل إعادة الإعمار. وأصدرت وزارة الأشغال العامة والإسكان، أخيراً، بياناً توضّح فيه قانونية الاستملاك ومشروعيته طالما أنه “لمنفعة عامة” وفق القوانين المعمول بها، واعتبر أن “إقامة التجمعات العمرانية الجديدة تُعَدُّ من مشروعات المنفعة العامة” وأن القانون يسمح للمؤسسة العامة للإسكان بالشراكة مع الغير، أي المطورين والمستثمرين، في تنفيذ مشاريعها؛ وهذا يتنافى مع شرط الشراكة مع أصحاب الأرض في اتخاذ القرار أولاً، وأنه لا يخدم منفعة عامة في ظل الأثمان الباهظة التي تباع فيها العقارات، ولا يقوى غالبية السوريين، خصوصاً من تهدمت منازلهم، على شرائها. وكل التصريحات والبيانات أعلاه تدلِّلُ على حجم ارتباك السلطة تجاه الاحتجاجات المطلبية في أكثر من مكان. وبما أنها تتمحور حول تبرير العجز عن إدارة البلاد، فهي تعترف بهذا العجز، ويسهبُ المسؤولون في أكثر من مناسبة بتحميل النظام البائد أسباب فشلهم، وأنه ترك بلداً “متهالكاً” وفق تعبيراتهم.
ما تحتاجه سورية إدارة جيدة للموارد المُتاحة وتشغيلها في مشاريع تنموية توزع الفائدة على كل السوريين
بالفعل، تركة نظام الأسد ثقيلة الحمل على أية سلطة أو حكومة، وهناك ملفّات ضخمة ومتشابكة تنتظر الحلول، ولا يمكن أن تملك سلطة هيئة تحرير الشام عصاً سحرية لحلها خلال سنتين، كما لا تملك أية قوىً وتيارات سورية، أو أي خبراء في الاقتصاد والحوكمة، وصفات جاهزة. إلّا أن منطق احتكار القوة والسيطرة على المقدرات والتفرد بالقرارات والتركيز على الشرعية الخارجية وحدها، سيزيد التأزم، ولا يمكن أن يحلّ مرورُ الوقت أياً من هذه الأزمات، بل سيزيدها تعقيداً؛ وهذه هي القناعة التي وصل إليها المحتجُّون وعلَتْ أصواتٌ تهدِّد بسحب ولائها للسلطة، والأخيرة حظيت في بداية حكمها بتأييد واسع بعد الخلاص من نظام الأسد.
ليس في سورية موارد كبيرة، ولكنّها ليست قليلة أيضاً. ما تحتاجه سورية إدارة جيدة لهذه الموارد وتشغيلها في مشاريع تنموية توزع الفائدة على كل السوريين، وتنشِّط عجلة الاقتصاد باتجاه الإنتاج، وتعديل الميزان التجاري لتقليص حجم الاستيراد، والبحث في كيفية توفير القطع الأجنبي، عبر تصدير سلع نوعية ذات مزايا تنافسية ويمكن تصنيعها، بدلاً من فتح الاستيراد على مصراعيه وإحداث عجز كبير في الإنتاج والتصدير، وعبر الأموال المستولى عليها من رجالات النظام البائد وداعميه، بدلاً من التسويات التي تقوم بها لجنة الكسب غير المشروع لمصلحة الصندوق السيادي، وبغياب أية شفافية، وعبر مطالبة الدول التي دعمت نظام الأسد بدفع فاتورة الدمار الذي ألحقته بالسوريين بدلاً من مصالحتها، كما هو الحال مع روسيا، ومطالبتها بتسليم مجرمي الحرب والأموال التي نهبوها من السوريين.
ومن الممكن توظيف الموارد المحدودة تلك في دعم منتجات الطاقة اللازمة لعمال التصنيع، والتركيز على أولوية دعم الزراعة، والبدء بمشاريع صغيرة لإعادة إعمار البنى التحتية في المناطق المدمّرة، وتعويض الأيتام والعاجزين عن العمل، بدلاً من توظيفها في تضخيم أجهزة القمع الشرطية والأمنية والعسكرية، وفي شراء الولاءات عبر التوظيف للناشطين والفاعلين في الفضاء العام. وقبل ذلك كله توفير الأمن، والحد من خطابات التحريض والكراهية.
ليست هذه وصفة حلول جاهزة، بل هي فقط توجيهٌ للنيات باتجاه استيعاب حجم المهمة بدلاً من إنكارها، أو تقديم مبررات لها. فالمهمة شديدة التعقيد في غياب البيانات اللازمة، والتي يتطلَّب إعدادُها مسحاً ميدانياً واسعاً للأضرار والاحتياجات. ذلك كله ممكن في ظلِّ عمل تشاركي يستوعب كلَّ القدرات والخبرات السورية الراغبة في المشاركة، ولن نخترع العجلة لإيجاد الأدوات اللازمة؛ هذه الأدوات ديمقراطية تماماً، وتتجاوز اختصار الديمقراطية بصندوق اقتراع يختار البرلمان والرئيس والبلديات من دون محاسبتها، بل عبر توسيعها إلى مشاركة شعبية تحوّل البلاد إلى خلايا نحل تعمل بجدٍّ ويدفعها الأمل بمستقبل أفضل. ولو كانت السلطة تعي حقاً حجم تركة النظام البائد، لكان الأوْلى بها العمل على قانون يسمح بحرية إنشاء النقابات والاتحادات المهنية المستقلة والمنتخبة تمثيلاً لشرائحها، وأن تصدر قانوناً للأحزاب، وأن تشرف على انتخابات محلّية للمجالس البلدية، وأن تستعين بكل تلك المؤسسات لاختيار الكفاءات المناسبة للمجلس التشريعي، بدلاً من تعيينه كلياً.
تجريب الخيار الديمقراطي، رغم مخاطر قلَّة التجربة وإرث الولاءات المذهبية والطائفية والعشائرية والمناطقية، هو الخيار الأسلم لمراكمة التجربة، وصولاً إلى تحديد المصالح المشتركة التي تناسب كلَّ السوريين. هذا الخيار هو الذي سيمكِّن من تحديد الأولويات، والوصول إلى أكثر القطاعات إلحاحاً في تقديم الدعم، عبر الوصول إلى الفلاح والصناعي والمهني وغيره، ومعرفة احتياجاته. وبهذا الخيار، سيشارك السوريون في صناعة القرارات، الداخلية والخارجية، وسيفتح قنوات لحوارات سليمة وبناءة، تتجاوز الانقسامات الإيديولوجية الحاصلة، ويمكِّن السوريين من بناء هوية اقتصادهم، وفي اختبار تحديد الهوية التي تجمع بينهم.
تواجه القوى الحاكمة اليوم خطر الفشل في إدارة البلاد؛ فكلُّ المسار السياسي الذي اختارته يسير في اتجاه معاكس للديمقراطية ولأية شراكات بالحد الأدنى. السلطة التي أنجزت الحوار الوطني في ستِّ ساعات لا تعي أن تركة النظام البائد والبلد المتهالك بموارده الشحيحة، وفق تعبيراتهم، يحتاج إلى غير وصفة الاحتكار التي جُرِّبت وفشلت في دول عديدة خارجة من حروب وكوارث وطنية، ومنها العراق ولبنان والسودان وليبيا. أما انتظار أموال تبرّعاتٍ لإعادة الإعمار فيحمل الكثير من الجهل السياسي بالظروف الدولية المتقلبة، وأن إعمار سورية ليس في أولويات المجتمع الدولي، ويحمل عجزاً عن التفكير بمشروع وطني لا ينتظر أموالاً شحيحة ومشروطة بأجندات مانحيها.