يمثّل اللقاء المعرفي والرمزي الذي شهدته مدينة قرطبة الأندلسية في أواخر القرن السادس الهجري لحظة مفصلية في تاريخ الفكر الإسلامي؛ إذ التقى قاضي قرطبة وفيلسوفها أبو الوليد ابن رشد، أحد أبرز ممثلي منهج النظر العقلي البرهاني، بالفتى الذي فُتح عليه بالنور الإلهي، محيي الدين ابن العربي. كان اللقاء بطلب من الفيلسوف الذي هالته الأنباء عن فتى أندلسي فُتحت له المغالق، وشهد من العلوم الإلهية في خلوته ما لم يتلقّه عن طريق الدرس أو البحث أو المطالعة الفكرية.
في عمقه المعرفي، يتجاوز ذلك الاجتماع بين الاثنين حدود اللقاء الشخصي، ليكشف عن توتر عميق بين منهجين في المعرفة لا يزال حاضرًا في السجالات والمناظرات إلى يومنا هذا؛ الأول: النظر العقلي البرهاني الذي يبقى أسير مقدماته ومقاييسه حين يتصدى لما يتجاوز مجاله، والآخر: معرفة الكشف والفتح الإلهي التي تنفتح على ما لا يستقل العقل بإدراكه.
بين “نعم ولا”… بين النظر والشهود
يروي الشيخ الأكبر تفاصيل هذا المشهد في “الفتوحات المكية” بإيجاز يختزل دلالات عرفانية؛ إذ يقص كيف قام إليه الفيلسوف محبةً وإعظامًا، فعانقه ثم بادره بكلمة واحدة: “نعم؟”، يقصد: هل المعرفة التي انفتحت لك بالكشف هي نفسها ما وصلنا إليه بالنظر العقلي؟ فأجابه ابن العربي: “نعم”. فرح ابن رشد بالإجابة التي تشير إلى التوافق بين المنهجين وفيما وصلا إليه من العلوم والمعارف الإلهية. غير أن ابن العربي، وحين استشعر ما داخل الفيلسوف من الاطمئنان، سارعه بالإجابة الضد: “لا”.
عندها غلب الذهول والاضطراب على الفيلسوف وتسلل إليه الشك فيما عنده، فسأل بشكل مباشر هذه المرة: “كيف وجدتم الأمر في الكشف والفيض الإلهي؟ هل هو ما انتهى إليه فكرنا ونظرنا؟”، فأجابه ابن العربي بعبارة جامعة: “نعم لا، وبين نعم ولا تطير الأرواح من موادّها والأعناق من أجسادها”. ويصف ابن العربي حال ابن رشد بعد هذه الإجابة فيقول: “فاصفرَّ لونه وأخذه الأَفْكَل وقعد يحوقل، وعرَف ما أشرت إليه..”؛ فقد انكشفت له المسافة بين النظر والكشف، وأن ما يعطيه الفكر لا يحيط بكل ما ينفتح عليه مقامُ الشهود.
لم تقف رمزيّة ذلك اللقاء عند حدود حوارهما في قرطبة، بل امتدت لتصل إلى مشهد تشييع ابن رشد في مراكش سنة 595 هـ؛ رُفع تابوت الفيلسوف على دابّة، ووُضعت مؤلفاته ونتاجه الفكري الكامل على الجانب المقابل من الدابة لتُعادل ثقل الجثمان. وقف ابن العربي يتأمل هذا المشهد بوصفه ميزانًا معنويًا؛ حيث الجسد الفاني في كفّة، والعلوم الفكرية التي قضى عمره في تسطيرها في الكفّة الأخرى. قال أحد الحاضرين: “هذا الإمام وهذه أعماله”، ليكملها ابن العربي بيتًا شعريًا “يا ليت شعري هل أتت آماله”، قيّده عنده “موعظةً وتذكرةً” لنفسه ولقرائه.
عند ابن العربي، العلم والتأليف فيه ــ وإن كانت لهما مرتبة الشرف والفضل ــ ليسا غايةً بذاتهما، بل طريق ووسيلة إلى المراد الأعظم وهو الحق. وإنما تزكو المعرفة ويثبت يقينها حين تتجاوز التجريد الذهني والجدل البرهاني لتسبر أسرار النفس الإنسانية، فتعرف حقيقة عجزها، وتتحقّق بمقام العبودية لله. ولهذا اختزلت إجابته لابن رشد هذا المعنى: فالعلوم النظرية التي تقف عند الحدود والقياس دون أن تنفذ بالقلب إلى شهود الآيات الإلهية في الكون والنفس، تظل معارف قاصرة ومحاطة بالشكوك والعلل؛ بينما العلم النافع هو ما أورث الإنسان معرفةً بنفسه وبربه، وأوقفه على حقيقة افتقاره وعبوديته بين يدي الحق.
مراتب العلم: من العقل إلى الأسرار
لا يمكن فهم موقف ابن العربي من العقل والكشف من خلال وضعهما في ثنائية حادة أو متعارضة؛ فرؤيته العرفانية أكثر تركيبًا من ذلك، إذ يمنح العقل مرتبته، ثم يكشف في الوقت نفسه عن حدودها وما يتجاوزها. ومن هنا تكتسب مراتب العلوم التي يميز بينها أهميتها في هذا السياق؛ فهي لا تقدم تصنيفًا نظريًا للعلوم فحسب، وإنما ترسم خريطة للطرق التي يتصل بها الإنسان بالمعرفة، وتكشف أن النظر العقلي، مهما بلغ من الإحكام، ليس الأداة الوحيدة للإدراك.
والعلوم عند ابن العربي على ثلاث مراتب؛ أولها: علم العقل، هو كل علم يحصل للإنسان بطريق الضرورة البديهية، أو يحصل عقب نظر واستدلال. وهذا العلم محصور كليًا في دائرة العالم الحادِث وفي نطاق الممكنات والمفاهيم الذهنية؛ إذ يعتمد العقل فيه على قوى الفكر والخيال والذاكرة والحواس. ومع أن الشيخ الأكبر يُقرّ بجدوى هذا العلم في إدارة الشؤون الدنيوية وملاحظة ما يجوز وما يستحيل في حق الألوهية من مجملات الأحكام التنزيهية، إلا أنه يشدد على أنه علم معرّض للأغاليط والقصور والتناقض؛ لأن وسيلته (وهي الفكر والنظر) معلولة ومحصورة في المقدمات القياسية وفي قصور الحواس.
| تمثال ابن رشد في قرطبة (Getty) |
أما علم الأحوال فهو المعرفة الذوقية والوجدانية، التي لا يتأتى للإنسان طريقٌ للوصول إليها إلا عبر التجربة الذوقية المباشرة، إذ يسقط هنا كل نقلٍ استدلالي أو تنظير عقلي. ومثل هذا: العلم بحلاوة العسل، أو مرارة الصبر، أو وجد الحب والشوق. فلو أقيمت الأدلة العقلية لتعريف حقيقة العسل لشخص لم يذق العسل أبدًا، لما استطاع النظر العقلي أن ينقل إليه حقيقة ذلك الطعم. وكذلك الأحوال الروحية والعلوم التي تحصل ذوقًا للعارف، لا يمكن إقامة الدليل عليها وتعجز العبارة عن الإيفاء بحقيقتها، وإنما تُعرف بالقيام فيها والتذوق المباشر لآثارها، ومن هنا قالوا العارفون “من ذاق عرف”.
يمثل “علم الأسرار” ذروة المعرفة الإنسانية، وهو العلم الذي يقع فوق طور العقل، ويُفاض على قلوب الأنبياء والأولياء بطريق الإلهام والفيض الرحماني، و”نَفْث روح القدس في الروع”، من غير فكر ولا نظر ولا طلب استدلالي، وإنما يلزم الإنسان الإخلاص في العبودية وتزكية نفسه ليوهب هذا العلم. يقول ابن العربي: “علم الأسرار العالم به يعلم العلوم كلها ويستغرقها، وليس صاحب تلك العلوم كذلك، فلا علم أشرف من هذا العلم المحيط الحاوي على جميع المعلومات”.
المفاهيم الكبرى: الروح والقلب والعقل
من الإشكاليات العميقة عند تناول المعرفة الصوفية عمومًا، وابن العربي خصوصًا، إشكالية الاصطلاح؛ فللعارفين اصطلاحات توافقوا عليها، صيغت ضمن سياق معرفي خاص ومختلف عن العلوم الأخرى. إضافة إلى إشكالية الفصل الحاد بين مفاهيم العقل والروح وغيرها؛ إذ يأتي القارئ إلى كتب العارفين بتصورات تكوّنت في سياق آخر، وبحكم مسبق أنها مفاهيم منفصلة تمامًا، ثم يطلق حكمه الكلي على النص من خارج منطقه.
عند ابن العربي، وغيره من العارفين، الروح، والنفس، والقلب، والعقل ليست ذواتًا متعددة أو منفصلة داخل الإنسان، بل هي في جوهرها حقيقة لطيفة واحدة؛ هي الجوهر الرباني المنبثق من النفخة الإلهية. وتختلف الأسماء والمسميات باختلاف الوظائف، والاعتبارات، والمظاهر التي تتجلى بها هذه الحقيقة. فالروح هي أصل هذه الحقائق، وهي النفخة الإلهية الصافية الواردة من عالم الملكوت. وتُسمى “روحًا” باعتبار نورانيتها وطهارتها، واستراحتها وسكونها إلى أصلها العُلويّ.
أما “النفس” فهي هذه الحقيقة الروحية ذاتها حين تتنزل لتظهر في مرتبة تدبير الجسد وفي عالم الطبيعة. فالنفس تقف بمثابة “برزخ جامع” بين عالم الروح النوراني الشريف وعالم البدن المادي؛ ولذا يكون لها وجهان: وجه علوي ينظر إلى الروح ويطلب الترقّي، ووجه سفلي ينجذب نحو الجسد والشهوات والميل إلى الطبيعة.
“القلب” هو هذه اللطيفة عينها حين تتهيأ لتلقّي التجليات الإلهية والواردات الغيبية؛ وسُمي “قلبًا” لسرعة تقلّبه وتغير أحواله مع اختلاف التجليات. والقلب في العرفان الصوفي هو المحلّ المعرفي الأوسع والأعلى في الإنسان، لأنه يتسع للحق الذي لا تسعه الأرض ولا السماء. “العقل” بدوره يمثل المرتبة الإدراكية المقيَّدة لهذه الحقيقة الإنسانية، وسُمي “عقلًا” اشتقاقًا من العِقال (وهو الحبل الذي تُربط وتُقيَّد به الدابة)؛ وذلك لأن وظيفة القوة العقلية هي تقييد العلوم، وحصر التجليات، وضبط المعارف في صور ذهنية ومفاهيم منطقية. والعقل من عالم التقييد، محدود بقوى الفكر والخيال والحواس، بخلاف القلب الذي يسع التجليات الإلهية ويتقلّب معها.
أما “الفكر”، فهو حركة ذهنية وأداة خادمة تستخدمها النفس والعقل لتحصيل العلوم وحل المشكلات وصياغة الأدلة. وتتحرك هذه القوة المفكّرة عبر منظومة من القوى الإدراكية الباطنة التي تتكامل في أداء وظائفها. فبالإضافة إلى الفكر هناك: القوى الحاسّة التي تدرك المعلومات بالحواس الخمس، والقوة الخيالية التي تحفظ الصور وتركّبها، والقوة الوهمية التي تتسلط على الفكر وتجرّه لقياس أمور الغيب والمعاني على المشاهدات المادية، وأخيرًا القوة الحافظة (الذاكرة): وهي التي تختزن النتائج والمعاني المستنبطة لترجع إليها النفس أو العقل عند الحاجة.
“ابتلاء الفكر”
يشخص ابن العربي في نصوصه الآفة الهيكلية التي تصيب الفكر الإنساني وتجعله عرضة للخطأ والزيغ الدائم في المعارف الإلهية: تكمن الإشكالية الكبرى في سلسلة التبعية والقصور؛ خُلق العقل ساذجًا خاليًا من العلوم النظرية، وعندما يريد التمييز يرجع إلى القوة المفكرة؛ الفكر بدوره لا يعمل إلا فيما تعطيه “القوة الخيالية” التي تصور المعلومات، إذ لا تستطيع القوة المفكرة صياغة أي دليل أو إجراء قياس عقلي إلا بتركيب صور وأشكال تستعيرها من خزانة الخيال، وهذه الأخيرة تستمد مادتها من الحواس الظاهرة.
ونظرًا لما في الحواس والخيال من العلل والأغاليط، فإن الفكر يبني مقدماته بالأساس على قوى قاصرة، فيقع في الشبهات ويظنها أدلة يقينية. يضاف إلى ذلك سلطان الوهم الذي ينفذ إلى الفكر ويجعله يُسقط أحكام الأجسام والماديات على الذات الإلهية المنزهة.
يقول ابن العربي: “هذا ومن أعجب الأمور عندنا، أن يكون الإنسان يقلد فكره ونظره وهو مُحدَث مثله وقوة من قوى الإنسان التي خلقها اللّٰه فيه. وجعل تلك القوة (الفكر) خديمة للعقل ويقلدها العقل فيما تعطيه هذه القوة. ويعلم أنها لا تتعدى مرتبتها، وأنها تعجز في نفسها عن أن يكون لها حكم قوة أخرى، مثل القوة الحافظة والمصورة والمتخيلة والقوى التي هي الحواس، من لمس وطعم وشم وسمع وبصر، ومع هذا القصور كله يقلدها العقل في معرفة ربه، ولا يقلد ربه فيما يخبر به عن نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى اللّٰه عليه وسلم. فهذا من أعجب ما طرأ في العالم من الغلط”.
ما وراء طور العقل… وترقّي العقل
يوجز ابن العربي رؤيته للعلاقة بين المنهجين المعرفيين الفكري والقلبي في سؤاله الوارد في “الفتوحات المكية”: “أنّى للمقيد بمعرفة المطلق وذاته لا تقتضيه”، لذا فإن الطريق لمعرفة الحق والحقائق الوجودية الكبرى التي يعجز عنها الفكر المقيّد والحواس القاصرة هي بوصول الإنسان إلى حقيقته ذات الأصل المطلق ــ روحه، وأن يتحرر من ضيق الفكر إلى السعة القلبية. وإذا كان العقل مأخوذًا من العِقال والتقييد، فإن “القلب” مشتق من “التقلّب والتقليب”؛ لذا كان القلب هو “القوة التي وراء طور العقل” التي تتسع لتنزل الأسرار الإلهية والحقائق الوجودية.
ولا تحصل هذه المعرفة بإعمال الأفكار، بل بالخلوات والمجاهدات، وترويض النفس وتفريغ المحل (أي القلب)، من التعلقات الدنيوية والحظوظ النفسية، وتقديسه عن شوائب الأفكار والأوهام؛ فحينئذٍ تنكشف الحجب ويفاض على القلب نورٌ إلهي يرى به الأشياء كما هي.
وكما ترتقي النفس في هذا المعراج العرفاني، يرتقي العقل الذي يتحرر من أسر القوة المفكّرة وسلطان الوهم والحواس، ويتسامى ليصبح عقلًا مؤيّدًا بنور الشريعة والكشف، فيشهد الإنسان بقلبه ما كان يراه بفكره محالًا.
برزخ الحيرة في “نعم لا”
إن إجابة ابن العربي لابن رشد “نعم لا، وبين نعم ولا تطير الأرواح والأعناق” تختزل هذه المنظومة الأكبرية بأكملها؛ “نعم”: تُشير إلى توافق وتطابق المعرفة الكشفية القلبية مع ما يدركه العقل النظري في بعض الحقائق الكلية والمجملات التنزيهية. أما “لا” فتفصح عن قصور العقل وحصر الفكر عن إدراك الأسرار الإلهية والحقائق الوجودية التي تقع وراء حدوده. “نعم ولا” هي مرتبة البرزخ بين العقل والروح، بين الفكر والقلب، ينفصلان رغم أنهما متصلان في أصل واحد، يسيران في طريقين مختلفين، لكنهما أيضًا قد يلتقيان ويتحدان بالتزكية والترقي.
“نعم ولا” هي أيضًا إشارة إلى ضيق العبارة عن احتواء الرؤية الواسعة التي يمتلكها العارف ــ كما قال النفري “كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة”. وهي العلوم التي تُعرف ولا تُقال، فالبوح بها يوقِع من لا يحتملها إدراكُه في سوء الفهم والنكران على أهلها وتكفيرهم واتهامهم بالقول بالحلول والاتحاد، وهنا “تطير الأعناق”.
“نعم ولا” هي حيرة العارف التي هي أعلى مراتب الوصول، حيث “تطير الأرواح”، وتفنى الأحوال والمقامات وتتواضع المعارف الكبرى التي حصّلها أمام سلطان الشهود الإلهي. يقول ابن العربي في حيرة شدة المعرفة والقرب لا في حيرة الشك: “أشهدني الحقّ بالحيرة، قال لي: ارجِع، فلم أجد أين. فقال لي: أقبِل، فلم أجد أين. فقال لي: قف، فلم أجد أين. في الحيرة تاهَ الواقفون، وفيها تحقّقَ الوارثون، وإليها عمل السالكون، وعليها اعتكف العابدون، وبها نطق الصدّيقون، وهي مبعث المرسلين ومُرتقى هِمَمِ النبيين، ولقد أفلح من حار”.