خليل حسين محرر بموقع السفينة
تشير الأدبيات الكلاسيكية والمعاصرة في علم الاجتماع السياسي ونظرية الدولة إلى أن الحدّ من تغوّل الدولة لا يتحقق عبر البُنى المؤسسية الرسمية وحدها، مهما بلغت درجة تعقيدها أو تماسكها، بل يرتبط كذلك بترسيخ منظومة معيارية تُعيد تعريف العلاقة بين الأفراد والجماعات والدولة. ففي تقاليد الفكر الليبرالي، كما عند جون لوك، تُعدّ الحقوق سابقة على الدولة ومقيّدة لسلطتها، بينما يُظهر تحليل ألكسيس دو توكفيل لأمريكا أن قوة المجتمع المدني وشبكات التضامن الأفقي تشكّل شرطاً أساسياً لكبح النزعات الاستبدادية. وفي السياق ذاته، يلفت يورغن هابرماس إلى مركزية “الفضاء العام” بوصفه مجالاً تداولياً تُصاغ فيه المطالب وتُختبر شرعيتها عبر النقاش الحر، بما يحدّ من احتكار الدولة لتعريف المصلحة العامة.
انطلاقاً من هذه المقاربات، يمكن القول إن القاعدة المعيارية الحاسمة تتمثل في إدراك أن حقوق الآخرين لا تُقوّض الحقوق الذاتية، بل تُشكّل شرط إمكانها. وهو ما يتقاطع مع أطروحات التعددية السياسية التي ترى، كما عند روبرت دال، أن توزّع مصادر القوة بين فاعلين متعددين يمنع تركزها في يد سلطة واحدة. كما يتناغم مع نظريات الاعتراف ، خصوصاً عند أكسل هونيث وتشارلز تايلور، حيث يُنظر إلى الاعتراف المتبادل بوصفه أساساً للاندماج الاجتماعي والاستقرار السياسي. وبذلك، فإن توسيع الحيز العام الذي يضمن حقوق مكوّن اجتماعي بعينه لا يُنتج لعبة صفرية، بل يفضي إلى توسيع البنية الحاضنة للحقوق بما يشمل سائر المكوّنات، في إطار ما يمكن تسميته بـ”التآزر الحقوقي”.
ومن هذه الزاوية التحليلية، تكتسب الحالة الكُردية في سوريا دلالة تتجاوز بعدها الإثني أو السياسي المباشر، لتغدو اختباراً لإمكان الانتقال من نموذج الدولة المتمركزة حول الهيمنة إلى نموذج أكثر تعددية وتشاركية. فالمسألة لا تتعلق فقط بحجم أو طبيعة الحقوق التي قد يحصل عليها الكُرد، بل بالسؤال الأعمق المتعلق بإمكانية إعادة تأسيس الحقل السياسي السوري على قواعد جديدة. وهنا يمكن استدعاء أدبيات “الديمقراطية التوافقية”، كما طوّرها أرند ليبهارت، التي تؤكد أهمية تقاسم السلطة بين الجماعات المتعددة في المجتمعات المنقسمة، بما يضمن تمثيلاً عادلاً ويحول دون احتكار القرار السياسي. كما يمكن الاستفادة من مقاربات “التعددية القانونية والسياسية” التي تعترف بوجود أنماط متعددة من التنظيم والتمثيل داخل الدولة الواحدة.
في هذا السياق، يُمكن النظر إلى اتفاق 29 كانون الثاني (يناير) بوصفه لحظة مفصلية تحمل إمكانية فتح أفق لسياسة قائمة على التفاوض المؤسسي بين قوى اجتماعية متباينة، وعلى إعادة تعريف الحقوق بوصفها شبكة مترابطة لا امتيازات مُجزّأة. فنجاح هذا الاتفاق لا يقتصر على تحقيق مكاسب لفئة محددة، بل يرتبط بإعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية بما يعزز منطق المشاركة والتوازن، ويحدّ من ديناميات الإقصاء التي طبعت التجربة السورية الحديثة.
وعليه، فإن الالتفاف حول هذا الاتفاق وتوفير الشروط البنيوية والسياسية لإنجاحه—بما في ذلك بناء الثقة بين الفاعلين، وتعزيز الضمانات القانونية، وتوسيع قنوات التمثيل—يندرج ضمن مصلحة غالبية السوريين، لا بوصفه خياراً أخلاقياً فحسب، بل كضرورة استراتيجية لإعادة بناء الدولة على أسس أكثر استقراراً. في المقابل، فإن فشل هذا المسار قد يؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط الصراع الصفري، ويُفاقم من هشاشة الدولة، ويفتح المجال أمام دورات جديدة من العنف وعدم الاستقرار، على نحو ما تُحذّر منه أدبيات الدول الهشة والتحولات غير المكتملة.
بذلك، تُظهر الحالة السورية، من خلال المثال الكُردي، أن مستقبل الاستقرار السياسي لا ينفصل عن تبنّي تصور تعددي للحقوق والسلطة، حيث يغدو الاعتراف المتبادل والتفاوض المؤسسي شرطين لازمَين للخروج من منطق الغلبة إلى أفق الدولة التشاركية.