
تتقدم العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، في نسق تصاعدي تسارع في الأشهر الخمسة الأخيرة، لتضع حجر أساس يمكن له أن ينعكس إيجاباً على العلاقات السياسية والدبلوماسية في المستقبل، ليفكك عقدة الحذر والريبة الأمنية التي ما تزال تحكم نظرة مصر الرسمية حيال السلطة الحاكمة في دمشق.
في آب/أغسطس الفائت، عبّرت السلطات المصرية عن تحفّظ دبلوماسي، ورغبة في إبطاء مسار عودة العلاقات الدبلوماسية إلى مستواها الطبيعي، حينما انتهت مساعي تعيين سفير سوري في القاهرة، إلى مستوى قائم بالأعمال، لا سفير “مفوّضاً”. وبعيداً عن اللغط الذي دار بخصوص تحفظات القاهرة على أسماء السفراء المقترحين من جانب دمشق، تبقى الحصيلة –قائم بالأعمال- تعبيراً عن الرغبة المصرية بالتحفّظ الدبلوماسي حيال الحكومة السورية، مما يؤشر إلى أن التحفظات المصرية بخصوص تركيبة السلطة الحاكمة بدمشق، وملف المقاتلين الأجانب، وبشكل خاص المصريون منهم، لا تزال قائمة، وإن خفت حدّتها.
أما على ضفة الاقتصاد، سبق أن عبّر رجال أعمال واقتصاديون مصريون عن ضرورة اغتنام الفرصة المتبدية في إعمار سوريا، وعدم خسارة هذه السوق المتعطشة للاستثمار. وكانت من أبرز محطات الحراك على هذا الصعيد، زيارة رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس إلى دمشق في حزيران/يونيو الفائت، واستقباله من جانب الرئيس أحمد الشرع في قصر الشعب. قبيل ذلك، في نيسان/أبريل الفائت، عُقد الاجتماع الحكومي الأول بين البلدين، بالقاهرة، لكنه لم يحظ بتغطية إعلامية تكافئ الحدث، إذ كان من الصعب أن تجد تفاصيل عنه في تاريخ عقده. وهو ما كان يعبّر عن مستوى مرتفع من التحفّط الرسمي المصري حتى على صعيد الاقتصاد.
لكن هذا التحفّظ تراجع بشكل ملحوظ ومتسارع منذ نهاية آب/أغسطس الفائت. إذ زارت بعثة من سلطة الطيران المدني المصرية دمشق، لبحث استئناف الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين، وأجرت جولة ميدانية في مطار دمشق الدولي بهذا الغرض. ومساء أمس الأول الجمعة، أعلنت وزارة الخارجية المصرية عقد اجتماع حكومي ثانٍ بين البلدين بدمشق، عُقد على هامشه أول اجتماع لمجلس الأعمال السوري – المصري، الذي تأخر تشكيله من الجانب المصري 4 أشهر. ومع هذه الانفراجة في تشكيل المجلس، ارتفع وتوسّع مستوى التنسيق الاقتصادي، إذ تم الاتفاق على عقد منتدى استثماري رسمي، بعد اجتماع شمل ممثلي الاقتصاد والتجارة والاستثمار والطاقة والبترول والغاز والمناطق الحرة في البلدين، وفق البيان الرسمي المصري.
وكما أشرنا آنفاً، شكّل قطاع الأعمال المصري رافعة لدفع المستوى الرسمي في القاهرة باتجاه انفتاح أكبر على سوريا، وإن من زاوية الاقتصاد بصورة أولية. كذلك ساهمت رغبة دمشق الرسمية بتوسيع نطاق هذا الانفتاح والترحيب به، في تليين التحفظات الرسمية المصرية.
وبقدر ما تبدو الاستدارة الرسمية المصرية نحو الانفتاح على سوريا “الجديدة”، بطيئة، بقدر ما هي ملحة لمصالح البلدين، من زوايا اقتصادية وسياسية واستراتيجية. فالشركات المصرية قادرة على تلبية الكثير من احتياجات السوق السورية، في الوقت ذاته، تشكّل السوق السورية فرصة نوعية لتوسيع أسواق المُنتَج المصري التصديرية ولتشغيل الشركات المصرية الكبرى في قطاعات المقاولات ومواد البناء والسياحة. ناهيك عن فرص التكامل في الصناعات النسيجية التي لطالما حُكي عنها قبل عقود، ولم يُصار لتنفيذها على أرض الواقع. وهي فرص متاحة في قطاع الصناعة الدوائية أيضاً، لو تم العمل عليها بجدية. من دون أن ننسى فرص التبادل التجاري المرتفعة بين الطرفين.
سياسياً واستراتيجياً، تعاني سوريا ومصر من تبعات المشاريع الإقليمية لكل من إيران وإسرائيل. فالأولى التي تسببت أخيراً بأضرار للملاحة البحرية عبر باب المندب وقبلها في مضيق هرمز، تهدد مصالح مصر في انسياب حركة التجارة البحرية عبر قناة السويس، كذلك تتسبب بارتفاع فاتورة استيراد المشتقات النفطية على الحكومة السورية وتنعكس ارتفاعاً في وتيرة التذمر المعيشي بالشارع السوري. كما وتتسبب السياسات الإسرائيلية المثيرة للاضطراب الإقليمي في نتائج مضرة لمصالح البلدين؛ فهي تشكّل تهديداً لسيادة وأمن واستقرار سوريا، وإضراراً بالاستقرار الإقليمي الذي ينعكس سلباً على التجارة البحرية وقطاع السياحة، اللذين يشكلان رافعة رئيسية للاقتصاد المصري. وبنظرة شاملة، تبدو مصالح سوريا ومصر منسجمة مع التقارب السعودي – التركي – الباكستاني، في مواجهة التوترات التي تتسبب بها كل من إيران وإسرائيل. وفي الوقت الذي يمكن فيه النظر إلى مشاريع الممرات البرية للطاقة والبضائع عبر سوريا، من زاوية التنافس مع المصالح المصرية المرتكزة على التجارة البحرية، يمكن للانخراط المصري واسع النطاق في إعادة إعمار سوريا أن يتيح النظر إلى هذه المشاريع من زاوية مختلفة.
وتبقى العلاقة المجتمعية الخاصة بين السوريين والمصريين، مصدر قوة ناعمة لمصر تجاه سوريا، سواء من زاوية السوريين الموجودين على الأراضي المصرية، الذين يشكّل حسن استضافتهم عامل تقريب للمصالح وأثراً ناعماً للسياسة المصرية حيال الشعب السوري، أو من زاوية التقبّل السوري واسع النطاق للثقافة والفن والدراما المصرية. وهو مصدر يتعاضد مع “الدبلوماسية الاقتصادية” المتصاعدة بين البلدين اليوم، ليشكّل ركيزة لتفكيك حالة الحذر والريبة الرسمية في مصر حيال السلطات بدمشق. تفكيكٌ يخدم مصالح البلدين، وشعبيهما، حيث تشكّل المصالح المشتركة مساحة أكبر بكثير من عوامل الافتراق.