لم يكن يخطر ببال مارك زوكربرغ ورفاقه عندما أسَّسوا منصة فيسبوك أن تُستَخدم كما استُخدِمت من قِبل السوريين.

أسَّس زوكربرغ ورفاقه هذه المنصة كصلة وصل تزيد من روابط الألفة بين الأصدقاء، فيتبادلون الأخبار عن نزهة خلوية، أو سهرة حميمية، أو تهاني بعيد ميلاد، أو نجاحات فردية. أمّا بالنسبة فقد للسوريين كان للفيسبوك شأنٌ أكبر في حياتهم؛ فمنذ بداية الثورة استُخدم الفيسبوك كوسيلة لتنظيم وقفة أو اعتصام أو مظاهرة، وبالمقابل استُخدم من قبل أجهزة الأمن كوسيلة مخابراتية لكشف تحركات المعارضة، حتى تحوّل سؤال: هل تملك فيسبوك؟ تهمة تتطلب من المتهم إنكارها والتبرؤ منها، وغدا النبش في حساب الشخص على الفيسبوك من أهمّ وسائل التحقيق للإيقاع بالمتهم وصحبه ورفاقه.

فيما بعد تحوّل الفيسبوك إلى وسيلةٍ لتسهيل فرار الهاربين من الجحيم الأسدي، فمن خلاله تعرّف السوريون إلى وسائط التهريب وشبكاته وطرقِ عبور الحدود وركوب البحر والهرب إلى دنيا اللجوء، وتبادلوا سُبل ونصائحَ المجرّبين للطرق التي يُمكن سلوكها أثناء رحلة اللجوء بركوب البحر، أو المشي بالغابات، أو تجنُّب نقاط التفتيش، حتى الوصول إلى البلد المنشود.

في مرحلة لاحقة استُخدم الفيسبوك كوسيلة للتواصل بين المهجَّرين، الذين قتلتهم الغربة، والأحباب في الوطن، ولتتبُّع أخبار الأهل والأحبة والأصدقاء، حتى تحوَّل في فترة ما إلى صفحة وفيات؛ تفتحُها لتقرأ نعوات المئات الذين لا بدَّ أن يكون بينهم أحد أقربائك أو أصدقائك أو أحبتك.

بعد سقوط النظام المجرم، تحول الفيسبوك أشهراً إلى مكان لتبادل التهاني والتبريكات وصور العائدين إلى الوطن الحبيب الذي حُرموا منه سنوات طويلة، وهم يرفعون العلم الأخضر بيد، وبالأخرى إشارة النصر، قبل أن يتحوَّل الحدث البهيج إلى خيبةٍ أخرى تُضاف إلى خيبات العمر اللامتناهية، التي حفلت بها حياة كل سورية وسوري، خيبات لا تكفي حياةٌ واحدةٌ لاستيعابها، بل تحتاج حيوات عدّة.

في مرحلة لاحقة، ومن ضمن التحولات العديدة في وظيفة الفيسبوك لدى السوريين، بدأ دوره يتخذُ منحيين اثنين: أولهما حلولُه مكان الأجهزة والمؤسسات الحكومية، والثاني استخدامه كوسيلة لنشر خطاب الكراهية.

فقد تحوّل الفيسبوك إلى أداةٍ تتناوب الأدوارَ مع السلطتين التشريعية والقضائية، في بلد غاب فيه مفهوم الدولة وأدوارُ مؤسساتها، إذ لم تُقنِع الطريقة التي أُديرت بها «انتخابات» مجلس الشعب الشارع السوري بأن هذا المجلس يُمثّله، ويمكن أن ينقل صوت الشعب، ويراقب عمل السلطة التنفيذية ويُحاسبها على أخطائها، فبات الفيسبوك يلعب دور الرقيب عليها، فبعد كل مرسوم، أو قرار تنفيذي، أو تصرّفٍ من أحد المسؤولين، تبدأ المحاسبة العلنية على الفيسبوك، وتستجيب لها الحكومة، كما يظهر في بعض الحالات، بتوضيح أو تبرير أو إلغاء بعض القرارات أو تعديلها؛ على الفيسبوك أيضاً، من ذلك صدور قرار رئاسي برفع سعر القمح استجابةً لطلب المزارعين، وموقفٌ اتخذته وزارة الأوقاف من حملة الذهبي للباس الشرعي.

 

ولكن الأخطر عندما يلعب الفيسبوك دور السلطة القضائية، فيُحاكم المتهمين بارتكاب بعض الأفعال، ويُصدر أحكامه عليهم، التي غالباً ما تكون مطالبةً بإعدامهم، دون اعتبار لضرورة وجود سلطة قانونية تأخذ على عاتقها مهمةَ التحقيق، وإثبات الجرم أو نفيه، وإدانة المتهم أو تبرئته، فالفيسبوك قد حكم عليه سلفاً وأدانَه. ناهيك عن أن الأجهزة القضائية نفسها تستخدم الفيسبوك لنشر خبر توقيفها للمشتبه بهم (صور باللباس المخطط) الذين يتحولون عن طريق الفيسبوك إلى مجرمين مدانين سلفاً، كما تنشر أحكامها القضائية على الفيسبوك أيضاً.

بل حتى السلطة التنفيذية التي تُصدر أحكامها وأوامرها التنفيذية كما تشاء، دون حسيب أو رقيب تستخدم الفيسبوك لنشر كل ما يصدر عنها، أي إنَّ الفيسبوك حلَّ محل الجريدة الرسمية للدولة.

وهكذا يمكنُنا الفخر اليوم، كسوريين، بأن لنا قصب السبق على مستوى العالم بأسره في تشكيل حكومة فيسبوكية بكل سلطاتها وهيئاتها ومؤسساتها.

كما أنَّ استخدام الفيسبوك في نشرِ خطابِ كراهيةٍ مقيتٍ على أساس طائفي أو عرقي أو مناطقي، أبرز هشاشة اللحمة الوطنية، الهشاشة التي ساهم نظام الأسدين المجرم في تغذيتها وتعميقها على مدى أكثر من خمسين عاماً، وجاءت الأحداث التي تلت سقوط النظام لتزيد من عمقها، وبات الفيسبوك ساحة لصراع، تفوح منه رائحة بشعة نتنة، حتى من أشخاص كنّا نعتبرهم رفاق درب في نضالنا الطويل ضد الاستبداد، والذين كانوا يدَّعون الوطنية والعلمانية، ثم انقلبوا ببساطة على مواقفهم، وعادوا بكل أريحية إلى صفوفهم الطائفية والإثنية والمناطقية، وكأن وجودهم في صفوف الثورة والمعارضة كان وهمياً، وكأن التضحيات التي قدّمها الشعب السوري خلال أربعة عشر عاماً من النزاع المسلح كانت بلا طائل.

وهنا لعبت خوارزميات الفيسبوك دوراً في زيادة الاستقطاب، فالخطاباتُ الأكثر تطرُّفاً تجد دائماً من يُغذيها، فتظهر خطابات متقابلة متضادة توحي بأنها تعكس آراء غالبية أفراد الشعب، وأنَّ المجتمع السوري منقسم على نفسه، ومعبّر عنه بكتلتين ضخمتين لا تدعان مجالاً للرأي المعتدل، الذي يتراجع أمام وهم قوة هاتين الكتلتين، فيصمتُ، ويترك المجال لهذه الأصوات كي تحتل الساحة، موحيةً بأن هذا الاستقطاب أعمق مما هو عليه في الحقيقة، كما أثبتت عدّة دراسات أجريت بهذا الخصوص. 1

لا يمكن حل مشاكل البلد على صفحات الفيسبوك، فالفيسبوك لا يبني دولةً، ولن يكون أكثر من مكان يُنفِّس به السوريون المُحبطون اليائسون عن غضبهم، نتيجة لعجزهم عن مواجهة مسبّبات هذا الغضب.

ربما يكمن الحلُّ في إعادة تجميع القوى الوطنية المؤمنة حقاً بأن من حق هذا الشعب، الذي صبر على كل هذا البلاء، أن يعيش حياة حرة كريمة. وربما فات أوان أن نعيش عهداً يضمن للسوريين ذلك، ولكنْ لا بد من العمل على تهيئة المناخ للأجيال القادمة لبناء دولة الحق والعدالة والقانون، القائمة على مبدأ المواطنة المتساوية، بتشكيل نويات لتجمُّعات مدنية وسياسية جديدة، تأخذ على عاتقها نشر أفكار الحرية والديمقراطية وسيادة القانون وحقوق المواطنين، ونبذ خطاب الكراهية والبغضاء، فالإثنيات والطوائف والمناطق ليست كتلاً صماء بل بشراً، وكثيرٌ منهم غير مؤمن بالعنف ولا بالكراهية، وكل همّه هو العيش بسلام وأمان وضمان مستقبل أطفاله.

لندع الفيسبوك بحاله، ونُعيد له دورَه الذي صُمم لأجله؛ مكاناً لتمتين عُرى الصداقة، وتبادل الأخبار الشخصية، كما كان حريّاً به أن يكون، ولنلتفِت إلى العمل الجدي الفعّال الذي يستهدف اليوم بناء مستقبل أبنائنا وأحفادنا.