ساطع نورالدين.. كاتب. وباحث المصدر صفحة الكاتب
كأنه صاروخ باليستي إيراني سقط على لبنان، وتزامن سقوطه مع تسلل ما يشبه “مسيّرة” إيرانية الى نهر الليطاني، خط الجبهة التي لا تريد طهران إقفالها، ولا تسلم بأنها صارت أرضاً غير صالحة للقتال.
“الصاروخ” المشار إليه، هو عبارة عن مبلغ مالي ضخم، قدّرته وكالة “رويترز” ب 200 مليون دولار عبَر الاجواء اللبنانية، ووصل الى حزب الله، الذي سينفقه على إيواء النازحين الجنوبيين، بمعدل ثلاثة آلاف دولار لكل عائلة ، حسب الوكالة، ووفق برنامج وعد أمينه العام الشيخ نعيم قاسم الشهر الماضي بإعلانه قريباً.
لكن وزارة الخارجية الأميركية، سرعان ما أحبطت آمال النازحين، الذين طال انتظارهم لبدلات الايواء الموعودة من الحزب،عندما نفت صراحة وصول هذا المبلغ الى لبنان، وأتهمت الوكالة ضمناً بنشر أكاذيب تخدم مصلحة الحزب وتحفظ ماء وجهه امام جمهوره.. في خروج لافت عن السياسة الأميركية الخاصة بتفكيك الحزب وتجفيف موارده المالية، من دون التدخل العلني المباشر في علاقته “النقدية” المضطربة مع بيئته.
لكن يبدو أن الخارجية الأميركية كانت تدافع أيضاً عن صورتها وعن حملتها على الحزب وجدوى العقوبات التي تفرضها على أفراده ومؤسساته كافة، والانجازات التي حققتها حتى الآن، عندما أصدرت بيانها الذي يتهم الحزب بأنه يخدع جمهوره، بالتحدث عن أموال “غير موجودة”، من دون ان توضح ما إذا كانت هناك بالفعل محاولة إيرانية لنقل هذه الاموال الى لبنان، لكنها أحبطت في الشهر الماضي!
غير ان الحرص الأميركي المفاجئ على “سمعة” الحزب المالية، سيكون له مردود عكسي لدى جمهوره الذي سيحمّل واشنطن المسؤولية عن عدم وصول أموال الايواء المرتقبة التي وعد بها الشيخ نعيم، ونشرت تفاصيلها وكالة “رويترز”..لكنه سيعطي الحزب المبرر عن عدم دفع هذه الأموال التي لم تصل، والتي صارت أشبه بوعد مقطوع غير قابل للتنفيذ، و”حوالة مالية” تستحق عندما ترفع العقوبات عن إيران!
البحث عن هذا المبلغ الضخم، بالحسابات الايرانية الإيرانية الحالية، لن يوقفه بيان الخارجية الأميركية، ولن ينفيه. فالحزب كان وسيظل مطالباً ببدل الايواء، وكذلك إيران ستظل مطالبة بدفع ضريبة الحرب التي ورطت بها لبنان، كما ستظل مدعوة الى تحويل تلك الضريبة الى الدولة اللبنانية ومؤسساتها المالية التي تتولى عمليات الايواء.
أما “المسيّرة” الإيرانية المذكورة آنفاً فهي عبارة عن هبوط القائد العسكري في الحرس الإيراني العميد حسين يكنا المفاجئ على ضفة نهر الليطاني قبل أيام، حيث وزع شريط فيديو عندما كان يتوضأ بمياه النهر، ويعد باستمرار الحرب حتى تحرير القدس. لا أحد يعرف حتى الآن، كيف دخل العميد الإيراني الى لبنان وكيف وصل الى الليطاني، ولماذا قرر الوضوء العلني بمياهه. لكن الكل يدرك أن تلك الخطوة الإيرانية، التي تمت في الخفاء وبعيداً عن أعين قوات الاحتلال الإسرائيلية، ولكن ليس بالضرورة بعيداً عن كاميرات مسيراته التي لا تخطىء! هي تأكيد جديد على وجود الحرس الثوري المستمر على الجبهة الجنوبية، ( بما يتعارض مثلا مع وجوده غير المعلن على جبهات اليمن)، ما يعني أن الحملة العسكرية الإسرائيلية ستستمد زخماً جديداً للمضي قدماً حتى إزالة أي أثر للحياة جنوب الليطاني وشماله.
ولا يمكن لأحد أن ينكر أن إعلان وجود الحرس الإيراني على نهر الليطاني، ومبلغ ال200 مليون دولار الضائع، هما انتهاك إيراني فاضح لسيادة الدولة اللبنانية، الأمنية والمالية على حد سواء، ويقوض صدقيتها في السعي الى فرض سلطتها على كامل الأراضي الجنوبية، ويضعها أمام إختبار جديد، لا يقع خارج إتفاق “الاطار الثلاثي”، المتعثر أو المؤجل، لكنه يتطلب مراجعة جديدة لطبيعة العلاقات مع إيران، التي آن الأوان لقطعها، أو لخفضها الى مستوى جديد يحول دون ضرب لبنان بصاروخ مالي بالستي او بمسيّرة تستهدف الوضوء على نهر الليطاني.
بيروت في 8 /10 / 2026