لم يعد خافيًا على أحد أن نظام الملالي في طهران يعيش لحظاته الأكثر حرجًا واضطرابًا في تاريخه الممتد لأكثر من أربعة عقود. ففي أعقاب مقتل علي خامنئي وتفكك مراكز القرار تحت وطأة الحرب الإقليمية والخارجية المستمرة التي تطحن وتستنزف آلة النظام العسكرية ومؤسساته المنهارة، تتوالى الاعترافات الرسمية الصادمة من داخل أروقة الحكم نفسه، اعترافات تفضح كيف تحول التآكل الاقتصادي والمعيشي إلى كابوس وجودي يهدد بنيان ولاية الفقيه الآيل للسقوط الحتمي.

وقد حمل يوم 3 تشرين الأول (أكتوبر) 2026 حزمة غير مسبوقة من الإقرارات الرسمية التي عكست عمق الانهيار الشامل في ثلاثة قطاعات حيوية: النقد، والصحة، والطاقة، في وقت تعجز فيه أجهزة الدعاية الحكومية عن ستر عورة الإفلاس المؤسسي.

النقد في مهب الريح: هبوط التومان وفشل المسكنات

سجلت سوق العملات الأجنبية في طهران قفزة تاريخية جديدة، حيث كسر الدولار الأميركي حاجز 268٬500 تومان في السوق الحرة، مسجلًا ارتفاعًا بما يقارب 9٬300 تومان مقارنة بالجلسة السابقة، وفقًا لشبكة معلومات الذهب والعملات الرسمية. وبالتوازي، تجاوز سعر اليورو عتبة 300٬000 تومان، فيما قفز الجنيه الإسترليني إلى أكثر من 352٬000 تومان.

جاء هذا الهبوط المدوي بالرغم من الخطوة اليائسة التي أقدم عليها البنك المركزي بتمكين المواطنين من شراء ما يصل إلى 10 آلاف دولار نقدًا باستخدام بطاقة الهوية الوطنية، وهي محاولة مصطنعة لحقن السيولة باءت بالفشل الذريع، حيث افتتحت السوق على زيادة تجاوزت 10 آلاف تومان. وفي سوق الأسهم بطهران، وبالرغم من المحاولات المحمومة لتسجيل أرقام قياسية شكلية للمؤشر العام، أظهرت البيانات خروج سيولة حقيقية من صغار المستثمرين بلغت نحو 4.1 تريليون تومان، مع تحول مئات الأسهم من النطاق الإيجابي إلى السلبي، كدليل ساطع على انعدام الثقة المطلق في مستقبل المنظومة المالية الحاكمة.

تحويل المعيشة إلى معادلة “دفاع وطني”

وفي ظل هذا الانسداد، لم يعد المسؤولون قادرين على استخدام الدبلوماسية التجميلية. فقد أطلق بابك نگاهداري، رئيس مركز الأبحاث في برلمان الملالي، تحذيرًا لافتًا حين وصف الحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين بأنه “جزء من الدفاع الوطني”، مؤكدًا أن الضغوط المعيشية المتفاقمة تهدد بتآكل ما تبقى من “الأمل والثقة”.

إن ربط لقمة العيش وسلة الغذاء بالدفاع الوطني ليس صحوة ضمير، بل هو اعتراف أمني جلي بأن الشارع الإيراني بات يشكل الجبهة الأخطر على بقاء النظام. يأتي هذا في وقت ترتفع فيه وتيرة الهواجس الأمنية لدى أركان السلطة، حيث تتداول الدوائر المقربة من مجلس تشخيص مصلحة النظام ومجلس شورى الملالي مطالبات عاجلة بتجهيز قوات الباسيج بمعدات حرب المدن، وسط تساؤلات حذرة تطرحها صحف مثل مردم سالاري حول مدى اقتراب المنظومة من حافة الانفجار الداخلي.

كارثة الدواء: الموت كبديل للعلاج والفساد كمحرك للأزمة

الجانب الإنساني المأساوي لهذا التدهور تجلى في تصريحات نارية أدلى بها سلمان إسحاقي، المتحدث باسم لجنة الصحة في برلمان النظام، لوكالة إيلنا الرسمية، إذ اتهم السلطات صراحة بـ”إغماض العيون عن موت الناس” جراء انعدام الأدوية والارتفاع الجنوني في تكاليف الرعاية الصحية، مضيفًا بحرقة أن الوضع بلغ مرحلة يتمنى فيها المسؤولون ألا يمرض المواطنون، لأن “نهاية المريض اليوم باتت الموت الحتمي بدلاً من العلاج”.

والأهم في حديث إسحاقي هو نسفه للرواية الرسمية المعتادة، حيث شدد على أن أزمة شح الدواء والمواد الخام “لا علاقة لها بالحرب الخارجية” في حال توافرت الإدارة السليمة وجرى كبح جماح الفساد. وفضح المسؤول البرلماني المفارقة الصارخة بين اختفاء أدوية إنقاذ الحياة واستمرار استيراد السلع الكمالية، مشيرًا إلى أن مافيات وشركات الأدوية التابعة للمؤسسات الحاكمة ضاعفت أرباحها مستغلة ظروف الحرب. كما كشف عن ضياع نحو 100 مليار دولار تحت غطاء شبكات الوكلاء الائتمانية دون أن تعود إلى الخزينة، منها 20 مليار دولار مرتبطة ببنك واحد فقط، في حين لا يحتاج قطاع الصحة المنهار سوى 3.5 مليار دولار سنويًا لتأمين احتياجات الإيرانيين. وأكد أن شركات التأمين باتت في حالة إفلاس عملي، لكنها تخفي ذلك لتلقي بالأعباء مباشرة على كاهل المرضى.

أزمة الطاقة: عجز مبكر قبل حلول الشتاء

ولم يكن ملف الطاقة بمنأى عن هذا التداعي، إذ أعلن سعيد توكلي، رئيس شركة الغاز الوطنية، أن حجم الغاز المسلّم إلى الشبكة الوطنية خلال النصف الأول من العام الحالي انخفض بنسبة 14 بالمئة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي. هذا التراجع الحاد يعكس شللًا تقنيًا وإنتاجيًا مزمنًا في حقل بارس الجنوبي ومصانع التكرير، مما يعني أن البلاد تقف على أبواب موسم البرد بعجز هيكلي سيعيد أزمات قطع الكهرباء وتعطيل المصانع إلى الواجهة.

السقوط الحتمي والبديل الديمقراطي

إن تضافر هذه المعطيات يؤكد أن نظام ولاية الفقيه، الذي فقد رأسه بمقتل علي خامنئي ويتلقى ضربات متلاحقة جراء الحرب الخارجية المدمرة لترسانته، قد استنفد كافة أوراقه. ولم يعد الفقر والمرض ونقص الطاقة مجرد أزمات قطاعية، بل تحولت إلى مؤشرات حاسمة على تفكك الدولة وعجزها التام عن الاستمرار.

وفي هذا المشهد المفصلي، تقف “وحدات المقاومة” التابعة لمجاهدي خلق داخل إيران برؤية استراتيجية واضحة ومحكمة، بعيدًا عن الفوضى، تركز نشاطها على جمع المعلومات النوعية وتنفيذ الضربات الموجهة ضد مراكز القمع، ممهدة الأرضية لإسقاط النظام من الداخل بقوة الشعب وإرادته الحرة. ومع إعلان السيدة مريم رجوي تشكيل الحكومة المؤقتة استنادًا إلى خطة النقاط العشر، يتبلور البديل الديمقراطي القادر على قيادة مرحلة الانتقال السلمي للسيادة إلى الشعب الإيراني، وبناء جمهورية حرة خالية من الملالي والاستبداد والفساد.