فراس ناجي.. جريدة المدى
هناك فرصة تاريخية لإعادة تشكيل مفهوم المشرق الإسلامي كقطب عالمي فعّال بأبعاد جيوسياسية واقتصادية وحضارية. فالإنجازات الاستراتيجية لإيران ومحور المقاومة في الحرب الكبرى اليوم ونشوء حلف مكّة للدفاع المشترك كنواة لنظام أمن إقليمي جماعي، هي بوادر لجغرافية سياسية جديدة في المنطقة لم نشهد مثيلها منذ قرون. لكن الواقع العربي في هذا المشرق كدول هشّة ومجتمعات منقسمة يمثّل تحدياً لهذا التحول الإقليمي؛ فما هي التبعات الداخلية لهذا التحول في العراق ولبنان كإنموذج لدول المشرق العربي؟
من المنظور الواسع، نجحت إيران ومحور المقاومة في صّد العدوان الأمريكي-الإسرائيلي عليها، والسيطرة على مضيق هرمز مع تعطيل القواعد الامريكية في المنطقة، ما أسفر عن تفكيك نظام الحماية الأمريكي ودفع تركيا والسعودية الى التحالف مع باكستان لملئ الفراغ الجيوسياسي الناتج؛ وبالتالي لإمكانية تشكيل مسار لنظام أمن جماعي جديد بالتشارك مع إيران. من هذا المنظور، هذه لحظة تاريخية تتصّدى فيها قوى المشرق الإسلامي لمشروع غربي توسعي بقدراتها الذاتية ما يمثّل سابقة لم نرى مثيلها منذ الغزو الفرنسي لمصر في 1798. ان استثمار القوى الفاعلة في المنطقة لهذه اللحظة التاريخية، يمكن أن يؤدي الى اعادة تشكيل المشرق الاسلامي على اسس تكاملية، تشمل بالإضافة الى الأمن المشترك، المصالح الاقتصادية المشتركة والإرث الحضاري الإسلامي السائد في المنطقة.
لكن المسار الواقعي لاستثمار هذه الفرصة التاريخية هو حافل بالتحديات والتناقضات خاصة خلال الفترة الانتقالية ما بين تثبيت توازن القوة الاستراتيجي الراجح حالياً لصالح إيران وقوى محور المقاومة، وبين تسليم أمريكا بهذا الواقع. خلال هذه الفترة الحرجة، ستستمّر المواجهة بين الطرفين وقد تتوسع الحرب اقليمياً بصراعات جانبية بسبب فائض القوة التكتيكي لدى التحالف الأمريكي-الاسرائيلي والذي يمكن أن يُستخدم لفرض تنازلات على الطرف الآخر، أو لخلق فوضى في المنطقة. ومن هذه الاحتمالات، التصعيد في جبهات لبنان أو العراق للضغط على إيران لتخفيف شروطها لإنهاء القتال، أو اثارة الفوضى في سوريا للتأثير على الوضع الداخلي في العراق ولبنان. لكن هذا سيكون لفترة محدودة حتى تصل أمريكا الى نقطة استنزافها، فتنسحب عسكرياً بصورة أحادية عندما تسّلم بأن الثمن الذي تدفعه هو أعلى بكثير من أي مكاسب يمكن أن تجنيها من هذه المواجهة.
كذلك هناك التوتر والتصعيد في الجبهة اليمنية ما بين السعودية وأنصار الله، فيسعى أنصار الله الى إعادة تعريف ثقلهم الجيوسياسي بما يعكس الإنجازات التي حققوها في مختلف مواجهاتهم مع التحالف الأمريكي-الإسرائيلي، بينما تحاول السعودية الحفاظ على نقاط قوتها في الأزمة اليمنية التي تعتبرها تهدد أمنها القومي. خلال هذه المرحلة، ستخضع العلاقة ما بين أطراف تحالف مكة الثلاثي وما بين إيران ومحور المقاومة، الى الضبط والمعايرة لتثبيت حدود نقاط اللقاء والاختلاف على أساس الاولويات الاستراتيجية والمصالح المتبادلة. فيمكن أن تتنازل السعودية مثلاً عن بعض نقاط قوتها السابقة مقابل تأمين أمنها، بينما تضغط إيران على حلفائها للتنازل عن بعض المكاسب الجزئية مقابل الحفاظ على مكتسباتها الاستراتيجية.
اذن فمسار النظام الإقليمي الجديد – الذي يمكن أن يجلب الاستقرار والتنمية الى المنطقة – يتطلب أن تكون المقاومة فاعلة في العراق ولبنان؛ فاذا خسرت قوى المقاومة معركتها في العراق ولبنان، تنتصر استراتيجية التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وتتحقق رؤيتهم في تفتيت البلدين والتسيّد على مجتمعاتهم. ولنا في ما يحدث في سوريا اليوم، درس مهم في اختبار الرؤى التي تفترض نجاح موقف الحياد في خضّم الحرب الكبرى في المنطقة. فسوريا تمّر اليوم في حالة فوضى كبيرة نتيجة انكشافها الجيوسياسي أمام أمريكا وإسرائيل، رغم قبولها بشروط أمريكا وعدم تشكيلها لأي تهديدات عسكرية على إسرائيل، بينما تتدخل إسرائيل في الشأن السوري عبر التوغلات وفرض مناطق حماية خارج سيطرة الحكومة السورية، والاستهداف المستمر للبنية التحتية والمنظومة الدفاعية السورية، واشعال النزاعات الداخلية. ولنا أيضاً في التجارب التاريخية العالمية دروساً وعِبَر عندما تحالف الحزب الشيوعي الصيني بقيادة ماو تسي تونغ مع حزب الكومينتانغ القومي بقيادة تشانغ كاي شيك لمواجهة الغزو الياباني للصين رغم الصراع الأهلي بينهما قبل وبعد الغزو الياباني. اذن، عندما تمّر الأوطان في غمار الصراع الوجودي – كما هو حال المنطقة اليوم – لابد من تغليب المصلحة الوطنية الجيوسياسية على أي خلاف سياسي داخلي؛ ومن هذا المنظور فدعم قوى المقاومة في العراق ولبنان اليوم والتي هي من أهم أوراق القوة والردع التي تمتلكها مجتمعاتهم هو الضمانة الحقيقية لهذه المجتمعات في الحفاظ على تماسكها ووجودها الوطني، وبالتالي قدرتها على تجاوز هذه الفترة العصيبة للوصول الى الاستقرار والتنمية.
لكن هناك معضلتان بالنسبة الى دول المشرق العربي مثل العراق ولبنان والتي تنشط فيها قوى متحالفة مع إيران ضمن محور المقاومة؛ المعضلة الأولى هي إن هذه القوى لا تمثّل الاجماع الوطني حالياً، ولها دور غير بنّاء في إضعاف سلطة الدولة، مع ارتباطات بمنظومة الفساد التي تدير نظام المحاصصة الطائفية في كلا البلدين؛ بينما المعضلة الثانية هي إن هناك تناقض في الموقف الاستراتيجي بين قوى المقاومة هذه، وما بين حكومات دولها. ففي العراق مثلاً، تستخدم أمريكا نفوذها المالي -عبر سيطرتها على واردات النفط العراقي- للضغط على الطبقة السياسية العراقية والتأثير عليهم بشأن نزع سلاح المقاومة واختيار الحكومة. ففرضت قيوداً مشددة أدت الى الايقاف الجزئي لإرسال عوائد النفط الى العراق، لم تنتهِ إلا بعد تشّكل حكومة الزيدي وتعهدها بتطبيق شروط أمريكا في تموز 2026. هذا طبعاً فيما عدا الوسائل السياسية والعسكرية الأخرى التي تمتلكها أمريكا للضغط على الحكومة العراقية. ولا تختلف الحكومة اللبنانية كثيراً في ضعفها أمام الضغوط الأمريكية، والذي دفعها الى القبول بالمفاوضات المباشرة مع إسرائيل رغم شروطها المجحفة، وبنزع سلاح المقاومة اللبنانية.
انّ استهداف قوى المقاومة في لبنان والعراق يجرّد البلدين من أوراق القوة والردع لديهم، وبالتالي يضعهما هدفاً سهلاً لتحقيق الاستراتيجية الإسرائيلية لتفتيت الدولة وتدمير مقدراتها، وتفكيك مجتمعاتها الوطنية؛ ناهيك عن احتمالات الحرب الاهلية والصراعات الداخلية اثناء عمليات الاستهداف هذه. في المقابل، فأن ترك قوى المقاومة في البلدين بدون أي ضبط مجتمعي أو وطني، هو أيضاً يهدد المصالح الوطنية وقد يؤدي الى أن تدفع مجتمعات البلدين أثماناً باهظة نتيجة توّحش التحالف الأمريكي-الإسرائيلي وتجاوزه لأي ضوابط أخلاقية دولية، خاصة إذا كان هناك خلل كبير في توازن القوة لصالح المعتدين. أمّا عند الانتصار المتوقع لقوى محور المقاومة عندما يتحقق الانسحاب الأمريكي العسكري من المنطقة ويتكامل النظام الاقليمي الجديد للأمن الجماعي فيها، فسيبقى النظام السياسي في البلدين هشاً بسبب ضيق القاعدة الوطنية لقوى المقاومة، ما يشكّل عائقاً حقيقياً للاستقرار الاجتماعي والسياسي فيهما. فيكون من الصعب حينها معالجة تداعيات ذلك أو اقناع قوى المقاومة المنتصرة، بأن تنفتح خارج انحيازاتها الطائفية والايديولوجية.
لذلك ينبغي من الآن بناء حركة وطنية جامعة في العراق ولبنان تتبنّى مبدأ حق المقاومة في هذا الصراع، لأن ذلك سيصعّد الضغط على أمريكا، ويعزز من فرص انسحابها العسكري، وبالتالي من ولادة وترسيخ النظام الاقليمي الجماعي الجديد؛ ومن جهة أخرى، سيعمل ذلك على بناء وضع مجتمعي أكثر استقراراً في البلدين، سواء خلال الفترة الانتقالية، أو عند استرداد الاستقلال والسيادة من هيمنة المعسكر الامريكي-الاسرائيلي. أي أنّ الألم والمشقة الآن اللازمين لبناء القاعدة والارضية المجتمعية للمقاومة الوطنية، ستثمر فرصاً واقعية للتنمية والازدهار عند انهيار نظام الهيمنة الأمريكية في المنطقة والتحول لنظام أمن جماعي مشرقي مترسخ؛ وهذا هو فحوى معنى النضال الوطني على مرّ العصور، والمرحلة التي نمر بها اليوم في المنطقة لا تختلف عن ذلك. ولعل الوضع في لبنان هو الأصعب لأن هذا الموقف الوطني المساند لقوى المقاومة، يستدعي النضال ضد الاحتلال الإسرائيلي الوحشي في جنوب لبنان؛ غير إن ميزان القوة الإقليمي الذي فرضته إيران ومحور المقاومة سيتوسّع مع تكامل وترسّخ نظام الأمن الإقليمي القادم، وبالتالي يعزز من العمق الاستراتيجي للمقاومة اللبنانية ضد العدوان الإسرائيلي.
فلابد من موقف مبدئي وواضح للفواعل الوطنية في العراق ولبنان يهدف للحفاظ على بنية الدولة والاستقرار المجتمعي في الفترة الانتقالية وتحقيق إجماع شعبي حول ذلك؛ فيسعى للاستقلال التام عن النفوذ الامريكي بكافة المجالات السياسية والعسكرية والمالية مع تبنّي حق قوى المقاومة في الاحتفاظ بسلاحها ما دامت سيادة الدولة منتهكة. كما يشمل ذلك المنع التام لانتشار السلاح بصورة مكشوفة في المجتمع لأن هذا لا يخدم المقاومة الحقيقية التي يجب أن توّجه سلاحها لخدمة تحقيق الاستقلال والسيادة الوطنية، وبما لا يعّمق الانقسام المجتمعي ويزيد من هشاشة الدولة وقصور شرعيتها.
إن تبنّي هكذا موقف في العراق أو في لبنان، ينبغي أن يكون في موقع المعارضة للسلطة الحاكمة في هذه الفترة التي تتعرض فيه حكومتا البلدين الى الضغوط الأمريكية لنزع سلاح المقاومة واتخاذ قرارات اقتصادية لصالح أمريكا؛ فيعمل الضغط الشعبي على حماية المقاومة من جهة، وتأمين السلم الأهلي من جهة أخرى، فيما يتم ضبط وتيرة هجمات المقاومة من خلال قنوات اتصال مُحكمة بين المعارضة الوطنية وقوى المقاومة. فيمكن لهذه المعارضة أن تستلم الحكم حين يتحقق الانسحاب الأمريكي من المنطقة -باعتبارها تمثّل الاجماع الوطني- لتدير عملية التكامل مع نظام الأمن الجماعي الجديد في المنطقة، وبما يمنح الفرصة لتجاوز مرحلة المحاصصة الطائفية والدخول في مرحلة الشراكة الوطنية الحقيقية.
لقد خسرت أمريكا هيمنتها الاستراتيجية على المنطقة، فيما يحل محلها نظام أمني جماعي تتكامل فيه القوى المشرقية الفاعلة. فعلى القوى الوطنية في بلدان المشرق العربي أن تواكب حركة التاريخ بتبني مواقف تدعم هذا التحول الجيوسياسي في المنطقة، بينما تعمل على اصلاح أنظمة الحكم في بلدانها لخدمة شعوبها ومجتمعاتها.