طالب عبد العزيز..جريدة المدى
الهوّة تتسع بين المشتغل في حقل الثقافة والحاكم في حقل السياسة، فالاول يريد أن يجعل من أفكاره وتطلعاته قاعدة لبناء البلاد، وفهماً في إدارة شؤونها، فيما يرى الثاني بتلك الأفكار والتطلعات تهديداً له، وبذلك لن تقوم للبلاد قائمة في ظل الصراع البيّن هذا، وستقف البلاد عند النقطة الحرجة التي ستأخذ أبناءها الى الهاوية لا محالة.
على الرغم من كل محاولات السياسة العراقية الأخيرة في انتزاع إدارة الثقافة من أيدي العاملين الحقيقيين عليها، سواء في الوزارة أو الحقول والاقسام الأخرى إلا أنَّ المحاولات تلك لم تقدر على تغيير بوصلة الثقافة إللهم إلا في بعض النفوس الرخوة والهشة، وظلت المحاولات في حدود تحجيم الفعل الثقافي لا تغيير بوصلته بشكل نهائي، لهذا نجد الخطاب الثقافي الذي يقال في معظم الفعاليات قلما يثني على الأداء السياسي، إن لم نقل يهاجمه بلغة ناعمة أحيانا وتخشن أو تتصدى في منصات أخرى، مطالبة بوجوب الانتباه لأهمية الثقافة في الحياة ومستقبل البلاد، بعيداً عن المنافع السياسية الشخصية والحزبية، التي تغلب على التفكير السياسي بصورة عامة.
في احتفالية مئوية شعراء الحداثة التي أقيمت في بغداد قبل أسبوعين تحدث الأمين العام لإتحاد الادباء والكتاب بكلمة مرتجلة نبه فيها الى خطورة أهمال الثقافة في الحياة العراقية، وشدد على وجوب إعطاء النخب المثقفة دوراً في صنع القرار، ومثل هذه نسمعها في كل ندوة ومهرجان واحتفالية للأدب والفنون، وكلها تصب في ذات المشكلة، التي باتت مزمنة بسبب السياسات الخاطئة التي تتبناها القوى السياسية الحاكمة، التي تعتقد بأن حلقات الثقافة زائدة عن الحاجة، ويمكن الاستغناء عنها، لذا فالعمل على تحجيمها وإقصائها ضرورة دينية، وهذا ما نسمعه ونلمسه في كثير من خطابات هؤلاء.
كان وزير المالية في حكومة السيد المالكي يرى بأنَّه يواجه اشكالاً شرعياً في صرف رواتب أعضاء الفرق الفنية من الممثلين والموسيقيين والراقصين والمغنين والمخرجين وكتاب السيناريوهات ووو ونجد بعضهم يغادر القاعة التي دعي لها وتصدر مجلسها حال سماعه أصوات المطربين ونغمات آلات الموسيقيين، ومثلهم من يرسل الجماعت المتشددة للعبث وتخريب الفعاليات الثقافية أو تهديد القائمين عليها، حتىى لتبدو الحياة حكراً على هؤلاء، الذين أداروا عجلتها الى الوراء وأظلم على أيديهم مستقبل أبنائنا.
مع تعظيمنا للجهود التي يبذلها القائمون على مهرجان بابل للثقافات، الذي يقام سنوياً في مدينة الحلة، وهو محاولة مخلصة أخرى في تقديم صورة مختلفة للحضارة الرافدينية، عبر محاكاة الاثار والأدب والفنون، بعيداً عن الصورة النمطية السيئة، والمتخلفة عن عراق اليوم التي تقدَّم في فضائيات العالم، لا نجد ما يدلُّ على اهتمام الحكومات المحلية المتعاقبة في تطوير المدينة، فهي متخلفة في الشوارع والجسور والبنايات ومختنقة بالازدحام، وتفتقد الى أبسط مرافق الترفيه البريء، وتبدو المدينة كما لو أنها لم تخرج من سنين الحرب الإيرانية-العراقية وحصار التسعينات، ترى أين صرفت المليارات طوال السنين الـ 23 الماضية؟ ولماذا لم تتطور المدن هذه؟ ومن الذي يقف وراء هذه؟ أهو المثقف صاحب الفكرة العظيمة التي لم يؤخذ بها أم السياسي ذو الأداء السيء المتحكم بالمال والنفوذ؟