تبدو المشكلات في سوريا هذه الأيام وكأنّها “ترندات”، وليست مشكلات.. يأتي “ترند”، ويذهب آخر، وتبقى الذهنية نفسها؛ فمع كل “ترند” ثمة مُهاجمون، ومهجومٌ عليهم، وثمة من يُدافع عن المَهجوم عليهم، وثمة من يهجم على المُدافعين، وهكذا إلى أن يتم نسيان الموضوع بوصفه مشكلة.
ومع ازدياد هذه الظاهرة رسوخًا وتكرارًا، لم يتبقَّ من فكرة التعامل مع المشكلات إلا ما يتركه أثر الهجوم والدفاع في البشر، وأثر العنف في نمط التفكير، وفي خيارات النقاش الوطني في المستقبل. أمَّا تشخيص المشكلات، ودراسة أسبابها، وطرائق علاجها، وتفاديها في المستقبل، فهذه كلها تصبح موضوعات جانبية، إن حصل وتجرأ أحدهم على تركيز الحديث فيها، يُقمع قمعًا شديدًا. وكأن الرسالة النهائية في سوريا هذه الأيام تقول: إياكَ والتفكير، فهذا بحد ذاته فعلٌ كفيلٌ باستعداء الجمع الكبير، ويؤدي بصاحبه إلى الصعلكة؛ لأنَّه يُنبذ من قبل مجموعته العصبية، ولا يعود مشمولًا بالنعرة الضرورية للاستمرار في العيش هذا البلد الحُر.
على سبيل المثال، في الأيام القليلة الماضية كان لدينا ثلاثة عناوين وطنية كبرى تؤثر في حياة الناس بحق، وتستحق أن تكون موضوعات وطنية، وكان ينبغي أن نعالجها، ونتدبَّرُها، ونستخلص منها الدروس، ونحدد أسبابها بدقة، ونضمن ألَّا تتكرر في المستقبل بوساطة نقاشٍ عقلاني، هادئ وشفاف، على مستوى الدولة والمجتمع. كان العنوان الأول، فيضان نهر الفرات. والثاني، الإعلان عن استشهاد أطفال الدكتورة رانيا العباسي قتلًا على يد شبيح من أبشع شبيحة النظام البائد وأكثرهم إجرامًا. والثالث، مشكلة طلَّاب السويداء الذين سيظلون من دون امتحانات الشهادات الأساسية والثانوية. هذه عناوينُ مشكلاتٍ كبيرة لا يتم تناولها إلا بوصفها “ترندات”، سوف تُنسى قريبًا، ويتصدَّر غيرها، وهكذا. لذلك تم اختزال الموضوع الأول بزيارة الرئيس إلى دير الزور بعد اعتذاره بالنيابة عن أبيه بوصف هذا الاعتذار “ترندًا سابقًا مُتصلًا”، وتحوَّل الموضوع الثاني إلى هجومٍ على الباحثة التي أوقعت بالمجرم الشبيح بتهمة إخفاء معلومات، أو الدفاع عنها؛ وتحوَّل الموضوع الثالث، مثل العادة، إلى نقاشٍ مليء بالطائفية والميوعة والركاكة من مختلف الأطراف.
هذه الموضوعات الثلاث المتزامنة في طرحها هذه الايام، تستحقُّ ورشة تفكيرٍ وطني كبرى، لأن المتضررين بسببها يستحقون حلولًا منصفة؛ ولأن هذه الموضوعات مؤشرٌ لنوعية مشكلات البلد في المستقبل. وهي من نوعية المشكلات الخطيرة؛ ليس لأنَّنا أخفقنا في تفادي وقوعها، ولا لأنَّنا أخفقنا في ابتكار حلولٍ لها فحسب، بل لأنَّ طريقة تعاطينا معها طريقةٌ قاصرة، وليس لدينا طريقة للتعبير عن هذا القصور إلا بأن نحوِّل مشكلاتنا إلى “ترندات” فنبدو وكأننا “مناضلون”، وهذا النوع من “النضال” هو الوحيد الذي أتقنه كثيرٌ من السوريين خلال الأعوام الخمسة عشر الأخيرة، إضافةً إلى حمل السلاح بطبيعة الحال.
إذا كان تعاطي الفضاء العمومي السوري مع هذه المشكلات الثلاث المتزامنة مثالًا على طرائق فعلنا وتفكيرنا، فعلينا أن نقر بغياب أي فعلٍ حقيقي للتعامل معها يستحق أن نقول أنَّه فعلٌ مهمٌ؛ فلا زيارة الرئيس لدير الزور، والتطبيل المرافق لها، أوقفت فيضان النهر، ولا خلع الرئيس رداءه اعتذارًا عن كلام أبيه (كما يفيد “الترند”) يعيد الضحايا أو يعوِّض المحصول التالف من أثر الفيضان. (وهذا بطبيعة الحال لا يلغي أهمية أن يزور الرئيس المتضررين، لكنَّ النقد هنا لطريقة فهم الموضوع بعقل “الترند” وليس للزيارة نفسها). وأيضًا، لم تغيِّر حملة الهجوم على الباحثة التي نشرت التسجيلات المصوَّرة لأمجد يوسف، أو حملة الدفاع عنها، شيئًا في معنى العدالة الانتقالية، ولم تعطِنا الحملتان تصورًا للطريقة التي ينبغي أن نفهم بوساطتها العدالة الانتقالية وأهدافها. وفي السياق نفسه لم تُنقذ السجالات الطائفية بين الموتورين أكثرَ من أربعة عشر ألف طالبٍ في السويداء من رسوبٍ أكيد، بينهم محرومون للسنة الثانية على التوالي؛ ولم تنقذهم سجالات الشامتين، ولا حتى سجالات المتعاطفين..
هذا النوع من المشكلات متوَّقع من دون شك؛ فهي في مجملها مشكلاتٌ طبيعيةٌ متداخلةٌ مع السياسة والمسائل التقنية، كما في فيضان النهر. ومشكلاتٌ من إرث المرحلة السابقة، تحيل بمجملها على قدرتنا على النهوض بفكرة العدالة الانتقالية الضرورية، كما في قصة أطفال الدكتورة رانيا العباسي. وأخيرًا مشكلات تحيل على نقصٍ في الأهلية اللازمة للسياسة الوطنية، وفقر العقل السياسي للسلطة، وتضخمِ العقل الطائفي، والميلِ إلى العنف بوصفه وسيلة وحيدة للنصر، أو لاستكمال النصر على كل شيء، بما يجعل البلد في مشروع حربٍ دائم؛ إضافةً إلى سماجة الاستقواء بالإسرائيلي، وتحية قادة اسرائيل، وسماجة الذين يكررون ذلك في كل حين.
لو أردنا أن نضع عنوانًا ملائمًا لهذا المشهد كله لكان الملائم أن نقول: غياب السياسة. فهذه الطرائق من النقاش والتفكير والعمل طرائق تدل على غياب السياسة، بل لا تدل على شيءٍ مثلما تدل على غياب السياسة في هذا البلد. ولا نقول إنها نتيجةُ سياسةٍ سيئة، بل إنها نتيجة غيابٍ كاملٍ للسياسة بوصفها علم بناء الشراكة الوطنية، وتدبير الاختلاف، والعمل معًا.
قد يكون من أكثر واجباتنا أهمية، والحال هذه، مناهضة ذهنية المشيخة، ولو قليلًا. لأنَّ شيخ الدين غير مفيدٍ لتفادي فيضان الفرات السنة القادمة، والشيخ فلان والشيخ علَّان المنتشرين في مؤسسات الدولة هذه الأيام بوصفهم أصحاب قرار، لن يكونوا قادرين على تفادي مشكلاتٍ مماثلة ما لم يكونوا مؤهلين لما يتنطَّعون له. وأيضًا، ينطبق الأمر نفسه على “شيوخ العلمانية” المنتشرون في أوساطٍ معاكسة مُعارضة، أو في منصات الانفصال، فهؤلاء أيضًا غير مفيدين للعدالة الانتقالية، ولا لتفادي الكوارث. وأيضًا لن يكون “شيخ العقل” مفيدًا لعقول أبنائنا في المستقبل إن ظلوا من دون تعليم. هذا لا يعني أننا ضد المشايخ، لكن يعني أننا ضد الذين ليس لديهم أي تأهيل إلا أنهم مشايخ.
يعني ذلك أنَّ البلد تحتاج إلى السياسة لا إلى الشيوخ؛ إلى ذهنية السياسية لا إلى ذهنية المشايخ؛ فالمشايخ على اختلاف أنماط إيمانهم، وعقائدهم، يشتركون منهجية التفكير نفسها. وبطبيعة الحال هذا ليس موقفًا معاديًا لشيوخ الدين، ولا لشيوخ العلمانية ايضًا، ولا حتى لشيوخ القبائل، فلهم جميعًا كثير التقدير والاحترام بقدر ما يحترمون أنفسهم ويحترمون أبناء وطنهم. لكن هذه محاولة للقول إن ذهنية المشيخة مركَّبة على ثنائيات قطعية حدية مُنتهية: مثل الخير والشر، الجنة والنار، الكفر والإيمان، الإسلامي والعلماني، الـ “نحن” والـ “هم”، وإلى ما هنالك. وأن هذه الثنائيات القطعيَّة الحديَّة هي التي تُحدد منهجية تفكير المشايخ، ولهذا السبب بالتحديد يتقاطع “عقل المشيخة” مع “عقل الترند” في سوريا هذه الأيام. حيث صار لزامًا على السوري لكي يواكب “ترندًا” ما، أن يبحث في الموضوع نفسه عمَّن يهجوه، وعمَّن يقدِّسه، ليشكِّل ثنائية حديَّة تجعله أقرب إلى شيخ منه إلى مواطن؛ وإلا لن يواكب “الترند” كما ينبغي، فيضيع “بوسته” بين “البوستات”. وتجنُّب هذا الضياع، يا للأسف، صار معيارًا لتقويم النجاح أو الإخفاق.
ولنفكِّر بهدوء ونصدق أنفسنا التفكير، ماذا بعد؟
