خليل حسين محرر بموقع السفينة
يبقى السؤال مفتوحاً: هل نشهد اليوم تحولاً استراتيجياً حقيقياً في مسار الحركة الكردية في شمال وشرق سوريا، أم أننا أمام محطة جديدة من محطات التعثر التي رافقت التجربة السياسية خلال السنوات الماضية؟ وهل دفعت التطورات الأخيرة النخب الكردية إلى مراجعة نقدية جادة لواقع المنطقة، أم أن الأزمة ما زالت تُدار بالأدوات ذاتها التي ساهمت في إنتاجها؟
على امتداد أكثر من عقد من الزمن، تشكلت في منطقة شرق الفرات تجربة سياسية وإدارية استثنائية فرضتها ظروف الحرب السورية وتراجع سلطة الدولة المركزية. وقد تمكنت هذه التجربة من تحقيق جملة من الإنجازات الأمنية والإدارية، وساهمت في حماية المنطقة من الفوضى التي اجتاحت أجزاء واسعة من البلاد. غير أن هذه الإنجازات لم تكن كافية لإخفاء الإخفاقات التي تراكمت مع مرور الوقت، سواء على مستوى الإدارة أو الاقتصاد أو الحياة السياسية.
فقد أفضى احتكار القرار السياسي وتغليب الولاء الحزبي على الكفاءة إلى نشوء حالة من الجمود السياسي، ترافقت مع تنامي مظاهر الفساد وضعف الرقابة والمساءلة. كما أدى تضييق هامش المشاركة أمام القوى السياسية الأخرى إلى إضعاف الحياة العامة وإفقاد المؤسسات جزءاً مهماً من شرعيتها المجتمعية. وفي نظر كثيرين، فإن النفوذ الذي مارسه حزب الاتحاد الديمقراطي، إلى جانب التأثير الواضح لقيادات قنديل في رسم السياسات العامة، أسهم في تكريس نموذج إداري أقرب إلى المركزية الحزبية منه إلى الإدارة التشاركية التي تحتاجها منطقة متعددة القوميات والثقافات.
اليوم، وبعد سنوات من التجربة، تبدو الحاجة ملحة لإجراء مراجعة سياسية شاملة لا تقتصر على تقييم الأخطاء، بل تتجاوز ذلك نحو إعادة تعريف المشروع السياسي نفسه. فالتحدي لم يعد مقتصراً على كيفية إدارة منطقة شرق الفرات، بل أصبح مرتبطاً بالسؤال الأكبر: ما هو موقع هذه المنطقة في مستقبل سوريا؟ وما طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمع مكوناتها المختلفة ضمن إطار وطني جامع؟
إن أي مشروع سياسي لا يستطيع الاستمرار طويلاً إذا فقد قدرته على استيعاب التنوع الاجتماعي والسياسي الذي تقوم عليه المنطقة. فشرق الفرات ليس فضاءً كردياً فحسب، كما أنه ليس عربياً أو سريانياً فقط، بل هو مساحة مشتركة تشكلت عبر التاريخ من تفاعل شعوب وثقافات متعددة. ومن هنا فإن استقرار المنطقة ومستقبلها مرهونان بقدرة أبنائها على بناء شراكة حقيقية تتجاوز الانقسامات القومية والحزبية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية القوى المجتمعية والمدنية والثقافية التي ما زالت تمتلك القدرة على لعب دور الوسيط بين المكونات المختلفة. فالأمل لا يكمن فقط في إصلاح مؤسسات السلطة، بل أيضاً في إطلاق مبادرة مجتمعية واسعة يقودها الكرد والعرب والسريان والآشوريون وسائر مكونات المنطقة، بهدف صياغة رؤية مشتركة لمستقبل شرق الفرات ضمن سوريا موحدة.
كما أن السلطة القائمة أمام فرصة تاريخية لإثبات قدرتها على التحول من نموذج الإدارة الحزبية إلى نموذج الحكم الرشيد القائم على المشاركة والشفافية وسيادة القانون. فدعم تيار سياسي عابر للهويات الضيقة، يجمع بين الكرد والعرب والسريان حول مشروع الدولة المدنية الدستورية، قد يشكل المدخل الأكثر واقعية للخروج من حالة الاستقطاب والانقسام التي تعيشها المنطقة.
إن سوريا المستقبل لن تُبنى بمنطق المنتصر والمهزوم، ولا بسياسات الإقصاء والتهميش التي دفعت البلاد إلى أزماتها المتلاحقة. بل ستُبنى على أساس المواطنة المتساوية والاعتراف المتبادل والشراكة الكاملة بين جميع أبنائها. دولة يكون فيها الانتماء للوطن فوق الانتماءات الفرعية، وتكون فيها المؤسسات خاضعة للمساءلة والقانون، لا لإرادة الأحزاب أو مراكز النفوذ.
إن التحولات الجارية في المنطقة قد تكون فرصة لإعادة تصحيح المسار، لكنها قد تتحول أيضاً إلى فرصة ضائعة إذا لم تُستثمر في إجراء مراجعات شجاعة وصادقة. وبين هذين الاحتمالين تقف النخب السياسية والمجتمعية أمام مسؤولية تاريخية: إما الانخراط في مشروع إصلاحي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار والشراكة، وإما الاستمرار في إدارة الأزمات حتى تتفاقم وتصبح أكثر تعقيداً.
وربما يكون الدرس الأهم الذي أفرزته السنوات الماضية هو أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، ولا بالهيمنة الحزبية، بل ببناء عقد اجتماعي جديد يشعر فيه جميع أبناء المنطقة بأنهم شركاء متساوون في صنع القرار وفي رسم ملامح سوريا الحرة والمستقرة التي يتطلعون إليها.