سوزان موسى درة.. كاتبة سورية،
رفعتُ رأسي نحو السماء فجأة و حدّقتُ بكتلٍٕ بيضاء، وبعد لحظات تملّكني إحساسٌ كبيرٌ بالرضى، وراح يتسلل إلى قلبي وابتسمت، وشعرت أن السيارة وكأنها تتحرك، ثم تتراجع بي نحو الخلف.
كان ذلك لثوان معدودة، وتلك الثوانٕ المعدودة فقط جعلتني افكر باني حظيت بشيء عظيم قبلها، فرحت استعيد ما حدث معي صباحاً.
كنت برفقة شقيقتي في أحد المولات التجارية الجديدة، وبعد حوالي ساعة وبينما كانت أقدامي تكرج نحو القسم المخصص للادوات المنزلية لاحظت رفاً من الأكواب غالية الثمن، فقررت أن احصد لنفسي الرفاهية واشتري كوباً مميزاً قياسه مثالي يناسب كل ما يمكن أن يطيب لي سواء كان قهوةً ام شاي ام ميلو أو أي مشروب ساخن.
تقدم نحوي شاب لطيف ابيض الوجه بلحية خفيفة جداً ، وبدأ بمرافقتي لا اعرف كيف اشرح بهاء وجهه ونوره، شعرتُ أنه كرسول مختلف لزمن مختلف. -“
شو ممكن ساعدك مدام؟” ضحكت:” شكراً إلك بس بدي اشتري كوب واحد” صار يفتح علباً ويعرض علي أنواعاً وأشكالاً مختلفةً الألوان ثم أمسك علبةً كرتونيةً صغيرة وأخرج منها كوباً فما كان مني إلا أن ضحكت من قلبي: –
” لا خيو ما بدي الأخضر، مابدي حكي عن النظام ” ضحك من كل قلبه ثم أمسك علبة ثانية وفتحها فضحكت مرة أخرى وقلت له: -“
لا لا دخيلك لا ما بدي احمر، ما بدي ارجع للنجمة الحمراء، ولا لنجمتين ولا حتى ل ثلاثة خلصنا شعارات ووطنية” ضحكنا معاً وراح يفتح أمامي كل العلب فقلت له: -“
أي لون مختلف حيالله اصفر أبيض ازرق نعم نعم ازرق ” حملت الكوب الأزرق ولاحقني اهتمامه مع ابتساماتٍ عذبة، و عندما أمسكت الفاتورة فوجئتُ بأن ثمن الكوب اغلى مما توقعته بكثير، فطلبت من الموظفة إعادته إلى الرف، وحملت بعض الضروريات التي اشتريتها، وغادرت مع رأسٍ اثقل بكثير، وعبر نافذة الحافلة رحتُ افكر:
المواطن السوري المحاصر بالخوف، والتاريخ، والطائفية، والوضع الاقتصادي؛ لم يعُد يطمح إلّا إلى العودة للبساطة والتلقائية.
فهل “البساطة والتلقائية” قادرة على هدم الجدران الطائفية المصطنعة؟!
وهل يمكن الخلاص من “الأهوال الطائفية والجسدية” في جعل “التلقائية حلالاً !؟
المواطن السوري لم يعد مرتبطاً بالخوف من “الشعارات” أو بالصراع السوري او بأيّ خطابٍ قوميٍّ تقليدي، او حتى بفوبيا الهوية السياسية. رغبة المواطن السوري العادي تكمن اليوم في التخلص من الاستقطاب الحاد الذي دمّر البلاد، والبحث عن مساحة محايدة للعيش بسلام بعيداً عن التخوين أو التصنيف.
ليس هذا فقط. إنَّ المحاولات الفردية البائسة لصنع “رفاهية شخصية صغيرة” وسط الخراب الاقتصادي، و العجز المادي، والانكسار اليومي جعل الأمنيات البسيطة (مثل كوب قهوة مميز في كافيه بسيط) بعيدة المنال، وأمّا استعادة الماضي (النوستالجيا) لخلق شعوراً آنيّاً بالرضى، فقد باتت كطقس سوري يومي لأن الذاكرة (صباح اليوم الفائت، أو الزمن السوري القديم) أرحم من الحاضر الثقيل، فإن تمكنت سورية من أن تقود البُسطاء من أهل الكتب، بدلاً من العسكريين، أو المؤدلجين، أو أمراء الحرب.
سيدرك جميع السوريين أن التلقائية في جميع الأمور حلال. ولن تفتك بهم أي اهوال طائفية أو جسدية، و سيتدفقون نحو الوراء كل فترة لكن ليضحكوا للحظاتٍ لا أكثر. كآلية دفاعية للنجاة والاستمرار.