ملخص
حتى وإن انتهت حرب أوكرانيا بإضعاف موسكو، فإن روسيا مرشحة لإعادة بناء جيش أكبر وأكثر اعتماداً على الطائرات المسيرة والضربات الدقيقة خلال خمسة إلى سبعة أعوام. الناتو لا يزال متفوقاً، لكنه لم يتكيف بما يكفي مع ساحة حرب جديدة تهيمن عليها المسيّرات والقدرات الدقيقة، مما يفرض على واشنطن وأوروبا استعداداً مبكراً لتهديد روسي طويل الأمد.
وصلت حرب أوكرانيا، وهي الآن في عامها الخامس، إلى نقطة تحول جديدة. فالقوات الروسية تتعثر بوضوح في ساحة المعركة، فيما تؤتي استراتيجية كييف الهادفة إلى جعل الحرب عبئاً بلا مردود على روسيا ثمارها. لكن مستقبل الأمن الأوروبي لا يتوقف على نتيجة هذه الحرب وحدها. فحتى إذا هزمت روسيا، فإنها ستظل التهديد الرئيس في أوروبا لأعوام مقبلة. فعلى رغم اقتصادها الراكد، وأوضاعها الديموغرافية المتدهورة، ونظامها السلطوي المتصلب، لا تزال روسيا القوة الرئيسة التي تملك القدرة والرغبة في تقويض البنية الأمنية للقارة. كما أن إعادة بناء الجيش الروسي بعد الحرب ليست مسألة احتمال، بل مسألة وقت.
ينقسم مخططو الدفاع والمحللون حول حجم الخطر الذي قد يمثله الجيش الروسي مستقبلاً، وحول السرعة التي يمكن أن يتنامى بها هذا التهديد. يخشى بعضهم أن تكون موسكو قادرة على مواصلة عدوانها بعد وقت قصير من انتهاء حرب أوكرانيا، فيما يرى آخرون أن إعادة بناء جيشها، بعدما أضعفته الحرب واستنزفته، قد تستغرق أعواماً طويلة. ويسود اعتقاد أن خسائر روسيا البشرية والمادية تركت قواتها في حال من الضعف الشديد، وأن جيشاً عجز عن تحقيق تقدم ملموس في أوكرانيا لا يمكنه، بأي حال، أن يهدد أوروبا.
لكن الاتجاهات الحالية ترجح أن روسيا ستعيد بناء جيشها، بما يكفي لجعله تهديداً كبيراً، بوتيرة أسرع مما توقعه المحللون عام 2022. ومن المرجح أن تستغرق هذه العملية ما بين خمسة وسبعة أعوام، مع أن موسكو قد تصبح قادرة، بعد وقت قصير من انتهاء الحرب الحالية، على استخدام القوة لتهديد دول في حلف شمال الأطلسي أو أوكرانيا على نطاق أكثر محدودية. وحتى إذا احتاجت إعادة البناء الكاملة إلى بضعة أعوام إضافية، فإن هذا الإطار الزمني يظل قصيراً وفق معايير التخطيط الدفاعي. وستمتلك روسيا قوة أكبر مما كانت لديها قبل الحرب، تضم عدداً أكبر من الجنود والطائرات المسيرة، وقدرات أوسع على تنفيذ ضربات في العمق. وستواصل إعطاء الأولوية للإنفاق الدفاعي، والحفاظ على مستويات مرتفعة من الإنتاج الصناعي العسكري. غير أن طريق إعادة البناء لن يكون سهلاً. فتاريخياً، تعثرت عملية تطوير القوات الروسية بفعل تنازلات كثيرة، وتصاميم مفرطة في الطموح، ونقص الموارد، وسوء في التنفيذ. وغالباً ما كانت هذه العملية تمضي خطوتين إلى الأمام، ثم تتراجع خطوة إلى الوراء.
وفيما تركز الولايات المتحدة وكثير من الدول الأوروبية على ضمان نجاح أوكرانيا، ينبغي لها أيضاً أن تفكر في ما بعد هذه الحرب، وأن تبدأ الاستعداد للتحدي الطويل الأمد الذي تمثله روسيا. فالجيش الروسي سيظل قوياً بما يكفي لتهديد أراضي دول الناتو وتقويض الحلف، لا سيما إذا أصبح استمرار الالتزام الأميركي موضع شك. وبدلاً من القتال بالنمط الذي اتبعه الجيش الروسي خلال العامين الماضيين في أوكرانيا، إذ هيمنت الدفاعات المحصنة وحرب المواقع على ساحة المعركة، ستسعى موسكو إلى استعادة قدرتها على تنفيذ مناورات هجومية واسعة النطاق. وسيحتفظ الجيش الروسي بتركيزه التقليدي على القوة النارية، بما في ذلك المدفعية وقدرات الضربات الدقيقة، مع إدخال أعداد كبيرة من تشكيلات الطائرات المسيرة إلى بنيته القتالية. ولا تزال قوات الناتو متفوقة في المجمل، لكنها لم تتكيف بعد مع بعض هذه التحولات، مما قد يعرضها لخسائر أكبر في الأيام الأولى من أي حرب مستقبلية مع روسيا.
ففي الأعوام المقبلة، سيظل الجيش الروسي يجمع بين ملامح المستقبل وأثقال الماضي. ولا شك في أن أي صراع بين الناتو وروسيا سيكون مختلفاً عن الحرب الدائرة في أوكرانيا، لكن الأداء الروسي الضعيف ونقاط الضعف الواضحة لا ينبغي أن يدفعا دول الناتو إلى الاطمئنان أو التهاون. فالتهديد المستمر الآتي من موسكو ليس تهديداً يجوز لواشنطن أن تستخف به أو أن تلقي عبء التعامل معه ببساطة على الأوروبيين. لذلك تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون إلى نقاش أكثر واقعية حول طبيعة التهديد العسكري الروسي في المستقبل، وكيفية ردعه.
أزمة إعادة البناء العسكري
لا تحدث عملية إعادة البناء العسكري فقط بعد القتال العنيف، فالقوات المسلحة في أي بلد تظل في حال تحول مستمر. وكما أوضحت المحللة العسكرية دارا ماسيكوت، لا ينبغي قياس هذه العملية “فقط من خلال استعادة أعداد الأفراد والمعدات إلى مستويات ما قبل الحرب”، بل بوصفها “عملية لاستعادة الوظائف القتالية والكفاءة والقدرات” اللازمة لتنفيذ المهام العسكرية. ولا يمكن فهم القوة العسكرية بوصفها مفهوماً مجرداً، فهي تتوقف على السيناريو المطروح. فعندما تطرح دول الناتو تقديرات زمنية مختلفة لإعادة بناء الجيش الروسي، قد يكون السبب أنها تنطلق من سيناريوهات مختلفة. فالقوة اللازمة لتوغل روسي محدود عبر الحدود داخل إحدى دول البلطيق قد تختلف جذرياً عن القوة المطلوبة لغزو بولندا.
وينبغي أن ينطلق تحليل إعادة بناء الجيش الروسي من احتمال خوض عمليات قتالية واسعة النطاق، لأنها تمثل الخطر الأكبر على الناتو والتحدي الأصعب للقوات الأميركية في أوروبا. ولتنفيذ عمليات بهذا الحجم، لن يحتاج الجيش الروسي إلى استعادة قوته البشرية ومعداته فحسب، بل إلى استعادة قدرته أيضاً على قيادة التشكيلات الكبيرة ودعمها، مثل الجيوش والفيالق والفرق، والتنسيق بين مختلف أفرع القوات. فالقدرة على تنفيذ عمليات أكثر تعقيداً هي من أبرز ما يميز الجيوش الحديثة، وهي من المجالات التي تعثر فيها الجيش الروسي في بداية الحرب في أوكرانيا. وفي الوقت نفسه، يتعين على الناتو أن يأخذ في الحسبان تهديدات أخرى قد تمثلها روسيا، من بينها حملة برية أكثر محدودية، مدعومة بضربات مكثفة بالصواريخ والطائرات المسيرة.
ويجب أن يدرك المحللون أيضاً أن الجيش الروسي لن يُعاد بناؤه بالحجم والهيكل اللذين كان عليهما قبل الحرب. بل سيتجه إلى إعادة صياغة واسعة لبنيته، بما يتيح استيعاب قوة أكبر تضم مدفعية تقليدية، وتشكيلات مشاة آلية ودبابات، ووحدات للطائرات المسيرة. وسيضم الجيش الروسي في المستقبل عدداً أكبر من المشاة، في تراجع عن الخفوض السابقة، ومزيداً من تشكيلات الطائرات المسيرة لتوفير الدعم الناري أو تنفيذ الضربات الدقيقة. وسيظل هذا الجيش يسعى إلى الموازنة بين القدرة القتالية والحجم والجاهزية، معتمداً على مزيج من المجندين الإلزاميين، والجنود المتعاقدين، والتعبئة الجزئية لجنود الاحتياط. وستكون بعض التشكيلات الدائمة قادرة على الانتشار سريعاً من دون الاعتماد على المجندين، بحسب طبيعة السيناريو، فيما ستحتاج تشكيلات أخرى إلى استدعاء الاحتياط للوصول إلى كامل قوتها القتالية. كما أن اضطرار الجيش الروسي إلى إبقاء قوة برية كبيرة على امتداد خط الجبهة مع أوكرانيا، البالغ طوله نحو 800 ميل، حتى بعد انتهاء الحرب، سيحدد أيضاً الوحدات التي ستكون متاحة لديه للنشر في أماكن أخرى.
ومن أسباب الغموض الذي يحيط بمسار تطور القوات الروسية أن قادة عسكريين من الجيل الأقدم، مثل رئيس هيئة الأركان العامة فاليري غيراسيموف، هم من رسموا الاتجاه الحالي. فقد خلص غيراسيموف من إخفاقات روسيا في المراحل الأولى من حرب أوكرانيا إلى أن الجيش لم يكن سوفياتياً بما يكفي، أي إنه افتقر إلى العدد الكافي من الجنود والمعدات والاحتياطات والتشكيلات القادرة على خوض حرب استنزاف. وفي أواخر عام 2022، وقبل كثير من التطورات التي شهدتها الحرب الجارية في أوكرانيا، بما في ذلك الدور الحاسم للطائرات المسيرة في ساحة المعركة، أعلنت القيادة العسكرية عزمها على توسيع القوات بصورة كبيرة. وسعت أيضاً إلى التراجع عن إصلاحات سابقة وإزالة هياكل قيادة كانت قد ساعدت القوات المسلحة على تنفيذ عمليات مشتركة بين الأفرع بكفاءة أكبر، وفي بعض الحالات بدا واضحاً أنها تشخص المشكلات على نحو خاطئ. لكن هؤلاء القادة لن يكونوا مستقبل الجيش الروسي. فقد تتغير الرؤية المتعلقة بالصورة التي ينبغي أن تكون عليها القوات الروسية مع صعود ضباط يملكون خبرة قتالية حديثة إلى مراتب أعلى.
الكم على حساب النوع
ينبغي لمحللي شؤون الدفاع أن يتعاملوا بحذر مع فكرة أن الجيش الروسي استنزف بشدة في هذه الحرب، وأن تعافيه سيستغرق وقتاً طويلاً. فعلى رغم الخسائر الهائلة، توسعت القوات المسلحة الروسية خلال الحرب، وازداد إنتاج البلاد من الذخائر الرئيسة وأنظمة الأسلحة. صحيح أن الجيش الروسي تراجع كثيراً في بعض المجالات، ولا سيما في جودة ضباطه ومستوى أفراده عموماً، لكنه أظهر أيضاً قدرة على التكيف والتطور.
قُتل ما لا يقل عن 400 ألف جندي روسي في العمليات القتالية داخل أوكرانيا، فيما يشير تقرير للاستخبارات البريطانية صدر في نهاية مايو (أيار) الماضي إلى أن العدد يقترب من 500 ألف قتيل، وأصيب ما بين 600 ألف و800 ألف آخرين بجروح خطرة. وعلى رغم هذه الخسائر الفادحة، ازداد حجم القوات من نحو 850 ألف فرد في الخدمة الفعلية قبل الحرب إلى 1.3 مليون حالياً. وازداد حجم كثير من التشكيلات إلى الضعف أو ثلاثة أمثاله، وأضيفت إلى معظمها وحدات للطائرات المسيرة والاستطلاع والاقتحام والحرب الإلكترونية. واقتداء بالتجربة الأوكرانية، استحدثت روسيا فرعاً قتالياً جديداً مخصصاً لحرب الطائرات المسيرة، يعرف باسم “قوات الأنظمة المسيرة”. وعلى رغم أن كثيراً من الوحدات الحالية سيتقلص حجمها بعد الحرب، وأن وحدات الاقتحام والتشكيلات الاحتياطة ستلغى، فمن غير المرجح أن يعود الجيش إلى حجمه قبل الحرب.
في الوقت نفسه، تكبدت روسيا خسائر هائلة في المعدات. فوفقاً لبيانات مفتوحة المصدر، فقد الجيش الروسي، حتى بداية مايو الماضي، أكثر من 14 ألف مركبة قتالية مدرعة، و2100 قطعة مدفعية، وآلافاً من المعدات الأخرى. ومع تزايد فاعلية الضربات الأوكرانية، باتت خسائر روسيا في أنظمة الدفاع الجوي أكبر بكثير مما كانت عليه في المراحل الأولى من الحرب، مما يثير تساؤلات حول قدرتها على استبدال هذه الأنظمة الباهظة الثمن التي لا يسهل تعويضها. ومع خسائر الطائرات وأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، تترك الحرب آثاراً كبيرة في القوات المسلحة الروسية. وعلى المدى القريب، سيزيد ذلك من انكشافها أمام القوة الجوية للناتو ولقدراته المتفوقة في تنفيذ الضربات الدقيقة بعيدة المدى.
ومع ذلك، أعاد الجيش الروسي خلال الأعوام الأربعة الماضية آلاف المركبات وقطع المدفعية من مخزوناته إلى الخدمة. وأعاد تأهيل آلاف المركبات أو أنتج أخرى جديدة، فيما زودته كوريا الشمالية بأكثر من 300 قطعة مدفعية. واليوم، يرجح أن يمتلك الجيش الروسي عدداً من المركبات القتالية المدرعة، بما فيها الدبابات، يعادل أو ربما يفوق قليلاً ما كان لديه عند بداية الحرب. وقد تكون هذه المعدات أقل حداثة من تلك التي امتلكها عام 2022، لكن روسيا تواصل زيادة إنتاج المركبات الجديدة. وتشير التقديرات إلى أنها تنتج سنوياً أكثر من 200 دبابة من طراز “تي-90 أم” T-90M، وهي أكثر الدبابات تطوراً في ترسانتها. وإذا استمر هذا المعدل، فقد تشكل دبابات “تي-90 أم” نصف الدبابات في القوة المدرعة الروسية خلال سبعة إلى ثمانية أعوام. وتواصل روسيا إنتاج أنظمة الدفاع الجوي بوتيرة سريعة، ومن المرجح أن تعدل تصاميمها المستقبلية استناداً إلى ما تعلمته من الحرب في أوكرانيا.
وتنتج روسيا حالياً ملايين الطائرات المسيرة التكتيكية سنوياً، وباتت قادرة على تصنيع عدد أكبر بكثير من صواريخ كروز والصواريخ الباليستية مقارنة بما كان عليه الوضع عند بداية الحرب. ويعد الارتفاع في إنتاج الطائرات المسيرة الهجومية الكبيرة ذات الاستخدام الواحد لافتاً بصورة خاصة، إذ يطلق الجيش الروسي منها في أوكرانيا ما معدله 6500 طائرة شهرياً. ففي عام 2025، أنتجت روسيا أكثر من 70 ألف طائرة من هذا النوع، وتعاقدت في عام 2026 للحصول على 100 ألف طائرة إضافية في الأقل. وتواصل قدرات هذه الأسلحة التحسن. فقد طور الجيش الروسي قدرته على تنفيذ الضربات، وعالج مشكلات واجهها في بداية الحرب، مثل التأخير بين رصد الهدف واستهدافه. وقد تنتهي الحرب بامتلاك روسيا كمية مماثلة من المعدات، وعدد أكبر من الأفراد، وقدرات أوسع في مجال الطائرات المسيرة والضربات الدقيقة، مقارنة بما كانت تمتلكه عند بدء غزوها لأوكرانيا. وبمعدلات الإنتاج الحالية، قد تمتلك روسيا، خلال أعوام قليلة بعد انتهاء الحرب، مخزوناً من ملايين الطائرات المسيرة التكتيكية ومئات الآلاف من منظومات الطائرات المسيرة الهجومية الأكبر حجماً وذات الاستخدام الواحد. لذلك ينبغي أن تأخذ تقييمات القدرة العسكرية الروسية في الحسبان هذا التوسع الكبير في قدرتها على تنفيذ ضربات عميقة، وما يشكله ذلك من تهديد للوحدات والقواعد والبنية التحتية الحيوية.
خطوتان إلى الأمام وخطوة إلى الوراء
على رغم أن حجم العتاد قد يكون المعيار الأسهل قياساً، فإن جودة القوات المسلحة لا تقل أهمية عند تقييم التهديد العسكري الروسي المستقبلي. وكما أوضح المؤرخ العسكري ستيفن بيدل منذ زمن، فإن طريقة استخدام الجيش لقواته أهم في تحديد فعاليته القتالية من أعداد الجنود والأسلحة المسجلة على الورق.
فالجيش الروسي كان، وسيظل، قوة مركبة غير متجانسة، متفاوتة في الجودة والقدرة. وخلال الحرب في أوكرانيا، تحسن أداء القوات المسلحة الروسية كثيراً في الاستهداف الديناميكي، وتنفيذ الضربات الدقيقة، ودمج الطائرات المسيرة في العمليات القتالية، واستخدام الأسلحة الموجهة الدقيقة بعيدة المدى بطرق أكثر تطوراً. وتطورت قدرة الجيش الروسي على تطبيق مفاهيم تقوم على الربط بين الاستطلاع والقوة النارية، وبين الاستطلاع والضربات الدقيقة، بما يتيح دمج أنظمة الاستطلاع مع المدفعية والضربات الدقيقة في الوقت الفعلي. وقد جعلت الخبرة القتالية، والاستثمار في القدرات التنظيمية، والتعديلات التي طرأت على هيكل القوات، الجيش الروسي أكثر قدرة على استخدام الطائرات المسيرة والأسلحة الموجهة الدقيقة على نطاق واسع.
كذلك طور الجيش الروسي أساليب أفضل للتعامل مع بعض القدرات الغربية التي واجهها في أوكرانيا، ونجح في حالات محددة في ابتكار وسائل فاعلة للتصدي لها. فقد أعادت روسيا تنظيم منظومات الإمداد والتموين والقيادة والسيطرة، بما يقلل من فاعلية الضربات الدقيقة الأميركية التقليدية بعيدة المدى. ونتيجة لذلك، استنفدت أوكرانيا مع مرور الوقت جانباً كبيراً من عنصر الصدمة الذي وفرته أنظمة أسلحة سبق أن استخدمتها، بما في ذلك أنظمة الصواريخ المتحركة بعيدة المدى مثل “هيمارس”. وفي المقابل، تربك أنواع جديدة من الطائرات المسيرة الهجومية الرخيصة ذات الاستخدام الواحد، المزودة بأنظمة استهداف آلية، خطوط الإمداد الروسية داخل أوكرانيا، فيما لم تحصل جيوش الناتو بعد على هذه الأنظمة بأعداد كبيرة.
وعلى رغم الصعوبات التي يواجهها الجيش الروسي في أوكرانيا، فقد أثبت أنه قادر على التكيف. ففي هذه الحرب، تستغرق دورات التكيف عادة ثلاثة إلى أربعة أشهر، إذ ينسخ أحد الطرفين التكتيكات أو التقنيات التي يستخدمها الطرف الآخر. ومع أن الجيش الروسي أبطأ من الجيش الأوكراني في الابتكار التكتيكي، فإنه أثبت قدرته على تعميم الحلول داخل قوة عسكرية كبيرة. ويحرز تقدماً في مسألة أشد تعقيداً، هي التعلم العسكري، وهي عملية أطول مدى من التكيف في زمن الحرب. وكما كتبت ماسيكوت في “فورين أفيرز”، “بحلول مطلع عام 2023، كانت موسكو قد أنشأت بهدوء منظومة معقدة للتعلم، تشمل قاعدة التصنيع الدفاعي والجامعات والجنود على امتداد سلسلة القيادة. واليوم، يرسخ الجيش هذه المعرفة على المستوى المؤسسي، ويعيد مواءمة شركات التصنيع الدفاعي ومؤسسات البحث لدعم حاجات الحرب، ويربط الشركات التقنية الناشئة بموارد الدولة”.
لكن الجيش الروسي عانى تاريخياً نقص الاستثمار في العنصر البشري، ووضع ثقته بدلاً من ذلك في التكنولوجيا. فكثيراً ما تكون التدريبات العسكرية معدة وفق سيناريوهات مسبقة، وتعامل اختبارات الجاهزية وبرامج التدريب كإجراءات شكلية ينبغي اجتيازها. وكانت النتائج متفاوتة في أحسن الأحوال، وكثيراً ما جاءت أدنى بكثير مما تعلنه الرواية الرسمية. وفي بعض الأحيان، لا تملك القوات الروسية المستوى اللازم لتنفيذ المفاهيم التي يطورها الجيش، مما يعرقل قدرته على استيعاب الدروس التي يتعلمها. فعندما تدخلت روسيا في سوريا عام 2015، على سبيل المثال، بالغ الجيش الروسي في الترويج للخبرة التي اكتسبها، وأرسل أطقم الطيران وكبار الضباط إلى منطقة القتال بالتناوب. وقد ساعدته تلك الخبرة في بعض المجالات، لكن المسؤولين بالغوا عموماً في تقدير أثرها الإيجابي في القوات.
وتعلم الجيش الروسي أيضاً بعض الدروس الخاطئة. فخلال مرحلة الإصلاح العسكري التي سبقت الحرب في أوكرانيا، أنشأ الجيش الروسي قيادات استراتيجية مشتركة، وهي مقار قيادة موحدة فوق مستوى الجيش، قادرة على قيادة أنواع مختلفة من القوات، بهدف تحسين التكامل بين أفرع القوات المسلحة وتعزيز قدرتها على تنفيذ عمليات مشتركة. وبعدما فشل في استخدام هذه القيادات كما كان مقرراً، ألغتها هيئة الأركان العامة وأعادت السيطرة على الأفرع إلى مقارها الرئيسة المتخصصة. وكانت النتيجة أن الجيش الروسي أصبح أقل تكاملاً، وسيحتاج في زمن الحرب إلى هياكل قيادة وسيطرة أكثر ارتجالاً. وهذا مثال على تشخيص خاطئ للمشكلة، ثم التكيف معها بطريقة تجعل الوضع أسوأ.
وعلى رغم التحسن في بعض المجالات، فقد خسر الجيش الروسي قدرته على تنفيذ مناورات واسعة النطاق بالأسلحة المشتركة. فقد قتل في الحرب كثير من الضباط والعسكريين المدربين اللازمين لإدارة العمليات القتالية الكبرى. وبدلاً منهم، اعتمدت القوات الروسية على جنود اقتحام متعاقدين جدد، لا يتلقون غالباً أكثر من أسبوعين من التدريب قبل إرسالهم إلى المعركة. ومنذ عام 2024، باتت روسيا تقاتل بتشكيلات أصغر فأصغر. فقد اعتمدت أولاً على مجموعات اقتحام من المشاة تضم ستة إلى ثمانية جنود، ثم بدأت أخيراً ترسل جندياً أو جنديين في كل مرة للتسلل إلى المواقع الأوكرانية. وهكذا تنفذ القوات الروسية عمليات صغيرة على جبهة واسعة، وتتقدم ببطء وبكلفة هائلة. وقد أنشأت موسكو مساراً ثابتاً لتعويض المشاة الذين تخسرهم، لكن استعادة مستوى الجودة والخبرة الذي كانت تمتلكه سابقاً ستستغرق أعواماً. فقد تعلم الجيش كيف يوجه الجنود الأفراد بواسطة الطائرات المسيرة، وكيف يقاتل بمجموعات صغيرة من مشاة الاقتحام، لكن هذه الأساليب لا تحل محل جيل كامل من قادة الكتائب والأفواج الذين فقدوا، وكانوا يعرفون كيف ينفذون مناورات هجومية واسعة النطاق. ونتيجة لذلك، سيجد الجيش الروسي صعوبة في الاستفادة من المزايا التي توفرها قوته المتنامية من الطائرات المسيرة وقدراته المحسنة على الضرب، لدعم العمليات البرية الهجومية.
كلف لا يمكن استردادها
تواجه إعادة بناء الجيش الروسي عقبات كبيرة بسبب تراجع القدرات الداخلية للدولة. وأوضح هذه العقبات أن روسيا تفتقر إلى العدد الكافي من المؤهلين للخدمة في قواتها المسلحة. فعلى رغم أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين رفع الحد الأقصى لسن الخدمة من 27 إلى 30 عاماً، وزاد مجدداً السقف الرسمي لعدد القوات المسلحة الروسية إلى نحو 1.5 مليون فرد في الخدمة الفعلية، فمن غير المرجح أن تتمكن موسكو من بلوغ هذا الرقم. وقد ازداد الوضع الديموغرافي غير المواتي سوءاً بسبب ارتفاع الوفيات خلال جائحة كورونا والخسائر البشرية في الحرب. وتعاني روسيا أيضاً نقصاً في العمالة الماهرة، فيما يبلغ معدل البطالة 2.2 في المئة، ويتنافس قطاع الصناعات الدفاعية مع الجيش على استقطاب العمال المؤهلين. وكما كتب المحلل المتخصص في الشؤون الروسية ألكسندر كولياندر في مايو الماضي: “يحتاج الجيش إلى رجال للقتال، وتحتاج مصانع السلاح إلى رجال لتزويده بما يحتاج إليه. والنتيجة سوق عمل شديدة الضيق، إلى حد أن أصحاب الأعمال العاديين بالكاد يستطيعون الاستمرار”.
لقد عسكر الاقتصاد الروسي، لكن موسكو لم تضعه في حال حرب تقتضي تعبئة كاملة لقاعدتها الصناعية الدفاعية. وبحسب المتخصصة في الشأن الاقتصادي ألكسندرا بروكوبينكو، تنفق روسيا 40 في المئة من موازنتها، أو ثمانية في المئة من ناتجها المحلي الإجمالي، على الجيش. ويعادل ذلك تقريباً ضعف ما كانت تنفقه على الدفاع قبل حرب أوكرانيا، لكنه يظل أدنى بكثير من مستويات الإنفاق السوفياتي في المرحلة الأخيرة من الحرب الباردة. ومنذ عام 2025، دخل الاقتصاد الروسي مرحلة ركود. فالعجز في موازنات الأقاليم يتسع، والحكومة المركزية تقترض أكثر. ولا تستطيع الزيادة الأخيرة في عائدات صادرات النفط، الناتجة من الحرب الأميركية مع إيران، معالجة المشكلات البنيوية في الاقتصاد الروسي. وقد سعت الدولة إلى زيادة إيراداتها لتغطية كلفة الحرب، لكن ذلك سيزيد الضغط على القطاعات المنتجة في الاقتصاد من أجل تمويل المشتريات العسكرية ودفع مستحقات الجنود. وفي المرحلة المقبلة، ستجد موسكو صعوبة في الحفاظ على سياساتها الاقتصادية الحالية، وكبح التضخم، والإبقاء على مستويات مرتفعة من الإنفاق الدفاعي.
ومنذ عام 2022، وسعت روسيا إنتاجها الصناعي الدفاعي بصورة كبيرة، لكنها فعلت ذلك على نحو غير متوازن، إذ أنتجت ذخائر وصواريخ دقيقة وطائرات مسيرة أكثر بكثير مما أنتجت من أنظمة الأسلحة الرئيسة. وقد تباطأت الطاقة الإنتاجية كثيراً بعد الطفرة الأولى بين عامي 2022 و2024. ولا تزال العقوبات الغربية وضوابط التصدير تحد من قدرة روسيا على إنتاج أدوات التصنيع والمكونات اللازمة للصناعات العسكرية. وأنشأت موسكو منظومة فاعلة لإصلاح المعدات وإعادة تأهيلها، لكن كثيراً من معدات قواتها البرية يعتمد على مخزونات قديمة ورثتها من الاتحاد السوفياتي. وهذا يعني أن معظم ما يستخدمه الجيش الروسي حالياً لا يمكن استبداله بسهولة مرة أخرى. ومع استهلاك هذه المخزونات لتجهيز القوة الموسعة التي تقاتل حالياً في أوكرانيا، تستنزف روسيا احتياطاتها من المعدات، وتضعف بالتالي قدرتها المستقبلية على التعبئة العسكرية.
لكن على الناتو أن يأخذ في الحسبان الاستثمارات التي قامت بها روسيا وما تنطوي عليه من تداعيات مستقبلية. فقد تكبدت موسكو بالفعل كلفة زيادة الإنتاج الدفاعي، وحولت مئات الآلاف من العاملين إلى مجمعها الصناعي الدفاعي. وبعد الحرب، سيبقى هذا الإنفاق مرتفعاً، حتى إذا تراجع عن مستوياته في زمن الحرب. وعلى رغم الجهود المبذولة لحرمان روسيا من التكنولوجيا، فإنها تواصل الحصول على مكونات وأدوات تصنيع بجودة تكفي لكثير من الاستخدامات الدفاعية. ومن المتوقع أن يبلغ الإنفاق الدفاعي الروسي 180 مليار دولار في عام 2026. ولأن روسيا تسدد معظم مشترياتها الدفاعية بالروبل لا بالدولار، فإن قيمة هذا الإنفاق، عند احتسابها وفق تعادل القوة الشرائية، تعادل فعلياً ما بين 400 و500 مليار دولار. وبهذه المعادلة استطاعت موسكو مواصلة الحرب، وتوسيع إنتاجها الدفاعي، والتعاقد مع أكثر من 400 ألف جندي سنوياً منذ عام 2023.
الماضي ليس مقياساً للمستقبل
تاريخياً، لم تكن مشكلة الجيش الروسي في تصور شكل القوة العسكرية، بل في تطويرها فعلياً. فما يبدو واعداً في البداية سرعان ما يتعثر حين تصطدم الطموحات الكبيرة والمفاهيم المستقبلية بقيود الموارد، وضعف التدريب، ومحدودية القدرة التنظيمية. وقد يكون تصميم القوة والمفاهيم العملياتية سليماً في ذاته، لكن الجيش لا يملك الموارد الكافية لتحويله إلى واقع، فتكون النتيجة سلسلة من التنازلات والحلول الوسط.
ولا يزال التفكير العسكري الروسي الحالي يشدد على وجود قوة دائمة، ومستويات أعلى من الجاهزية، وقدرات أكبر على تنفيذ الضربات الدقيقة. كما لا يزال الجيش يرى في الناتو تهديده الرئيس، ويركز على الاحتفاظ بالقدرة على خوض حرب إقليمية أو واسعة النطاق. وقد خلص الجيش الروسي إلى أن إخفاقاته في أوكرانيا لم تكن ناتجة من خطأ في مفاهيمه العسكرية، بل من عجز قواته عن تنفيذها. أما التغير الأبرز، فكان في افتراضاته السابقة عن طبيعة ساحة المعركة، التي كان يتوقع أن تكون مجزأة وأن تنتشر فيها القوات على نطاق أوسع. فالتركيز السابق على الدفاع القائم على المناورة يتراجع الآن لمصلحة العودة إلى حرب المواقع ونمط القتال الذي شهدته أوكرانيا.
وإلى جانب بنية القوات نفسها، تبقى الثقافة العسكرية من أصعب ما يمكن تغييره في أي جيش، لأنها قد تكون في زمن الحرب أقوى من العقيدة العسكرية المكتوبة. فالجيش الروسي يعاني مركزية مفرطة في اتخاذ القرار، تثبط مبادرة الجنود وتعاقب عليها، كما يعتمد على الإكراه لا على الاحتراف لضمان الانضباط. وتسود داخله أيضاً قلة ثقة بين الجنود والقادة، وتزوير متكرر في التقارير القتالية، وغياب ضباط صف قادرين على إدارة القوات بفاعلية. وقد تفشى الفساد إلى حد أن بعض الجنود يدفعون المال لتجنب المشاركة في الهجمات. ولا يزال الجيش الروسي متأخراً عن نظرائه الغربيين لأنه لا يستثمر بما يكفي في العنصر البشري والتدريب والثقافة التنظيمية التي تتيح له القتال بفاعلية أكبر.
لكن هذه النواقص، ومعها الأداء الضعيف الذي ظهر في أوكرانيا، لا تعني أن الجيش الروسي يمكن الاستهانة به. فالضباط والقادة الأوكرانيون أنفسهم يأخذون التهديد العسكري الروسي على محمل الجد. وهناك أيضاً ميل شائع إلى اعتبار آخر حرب خاضتها دولة ما مؤشراً إلى طبيعة الحرب التالية التي قد تخوضها. فبعد الغزو الروسي لجورجيا عام 2008، على سبيل المثال، تأخر المحللون في إعادة تقييم الإصلاح والتحديث العسكريين في روسيا، مما جعلهم غير مستعدين للتحركات العسكرية الروسية اللاحقة في شبه جزيرة القرم عام 2014 وسوريا عام 2015. وبعد التدخل في سوريا، ذهبوا إلى الطرف الآخر، فبالغوا في تقدير قدرات الجيش الروسي، وأغفلوا المشكلات البنيوية والحلول الوسط التي ظل عالقاً فيها. فلكل حرب سياقها الخاص، ومن المغري، لكنه خطر، أن نستنتج من أداء روسيا في أوكرانيا عام 2026 شكل الأيام الأولى من حرب محتملة بين الناتو وروسيا.
صحيح أن أوكرانيا لا تقاتل بالطريقة التي قد يقاتل بها الناتو في حرب مستقبلية محتملة مع روسيا، وأن الحلف يتمتع، من نواحٍ كثيرة، بموقع قوي في مواجهة الجيش الروسي. لكن لدى الناتو تحدياته الخاصة. فكثير من القوة التي يفترض أن الحلف يمتلكها يعتمد في الواقع على الولايات المتحدة، سواء من خلال قواتها المسلحة أو ما توفره من دعم لوجيستي وتقني وقدرات تنظيمية لا غنى عنها. وقد تطورت جيوش الناتو أصلاً للعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة، لا لخوض عمليات قتالية واسعة النطاق بصورة مستقلة. لذلك، لا تكفي زيادة الإنفاق الدفاعي وحدها لمعالجة المشكلة، لأن خطط الناتو الحالية تفترض دوراً أميركياً قوياً وقيادة أميركية مستمرة للأمن الأوروبي، في وقت أشارت واشنطن خلال الأعوام الأخيرة إلى رغبتها في تقليص هذا الدور.
تتمتع الولايات المتحدة والناتو بتفوق كبير في القوة الجوية والبحرية، وقدرات الضربات الدقيقة، ونوعية القوات، والاستخبارات. لكنهما يفتقران إلى خبرة أوكرانيا في التعامل مع ساحة معركة تغص بالطائرات المسيرة، وتخضع لمراقبة واسعة النطاق، وتنتشر فيها قدرات هجومية جديدة يستخدمها الجيش الروسي حالياً. وفي المقابل، عدلت روسيا هيكل قواتها، وقدراتها التنظيمية، وتقنياتها، وتكتيكاتها، بحيث تستطيع استخدام هذه القدرات على نطاق واسع ضد تشكيلات الناتو التي قد تواجهها. وتظل روسيا قوة نووية كبرى، ولديها أفضلية كبيرة في الأسلحة النووية التكتيكية المصممة لتعويض التفوق التقليدي للناتو. وفي غياب اتفاقات تقليدية للحد من التسلح، مثل معاهدة “نيو ستارت” التي انتهى العمل بها في فبراير (شباط) الماضي، تلقي الترسانة النووية الاستراتيجية الروسية غير المقيدة حالياً، إلى جانب أسلحتها النووية التكتيكية، بثقلها على أي مواجهة محتملة في المستقبل.
لذلك، من الضروري أن يأخذ مخططو الدفاع في الحسبان الطريقة التي قد يقاتل بها الجيش الروسي مستقبلاً، مع إدراك أن الطائرات المسيرة وغيرها من التقنيات الناشئة قد تكون أكثر حسماً من الدبابات السوفياتية المحدثة. ولا تزال القوة الجوية بالغة الأهمية، لكن التكيف مع التحديات التي تفرضها التطورات العسكرية الروسية قد يستغرق وقتاً. وقد يجد الناتو صعوبة في توظيف تفوقه الجوي التقليدي لتعطيل فرق الطائرات المسيرة المنتشرة على نطاق واسع، أو للتعامل مع الأعداد الكبيرة من الطائرات المسيرة الهجومية الرخيصة ذات الاستخدام الواحد التي تمتلكها روسيا. وتفتقر القوات البرية في الناتو إلى ما يكفي من الدفاعات الجوية والتقنيات المضادة للطائرات المسيرة لحماية تشكيلاتها وتمكينها من المناورة. ولا يزال من غير الواضح مدى قدرة مزايا الناتو الحالية ومفاهيمه العملياتية على مواجهة جيش روسي راكم هذه القدرات بأعداد كبيرة، وتعلم كيف يستخدمها.
ونتيجة لذلك، قد تتكبد جيوش الناتو في أي حرب مستقبلية خسائر أكبر بكثير مما ينبغي. فكثير منها صغير الحجم، ولا يستطيع تحمل خسائر كبيرة، خصوصاً في الأيام الأولى من الصراع. وخلال العام الماضي، شاركت وحدات أوكرانية متخصصة في الطائرات المسيرة في تدريبات مع قوات الناتو، وكانت النتيجة واضحة في كل مرة: لا يعرف أعضاء الحلف كيف يعملون في بيئة يغلب عليها الانتشار الكثيف للقدرات الدقيقة، أي في ساحة معركة تهيمن عليها أنظمة رخيصة غير مأهولة أو ذاتية التشغيل، قادرة على تنفيذ الاستطلاع والضربات الدقيقة في الوقت الفعلي. وهذا يعني أن قوات الناتو ليست مهيأة بعد لبيئة شبيهة بتلك التي نشأت في أوكرانيا، إذ أصبحت الطائرات المسيرة من الكثرة بحيث تفوق بكثير أعداد الأفراد والمعدات، كما أنها لم تستعد بما يكفي للطريقة التي يمكن أن تستخدم بها هذه الطائرات، إلى جانب أنظمة التسليح التقليدية، لمنع المناورة أو تمكينها. ولا تكمن المشكلة في أن الأسلحة أصبحت أكثر دقة فحسب، بل في أن جيوشاً مثل الجيش الروسي استثمرت في الأدوات اللازمة لاستخدام هذه الدقة على نطاق واسع وبفاعلية. لذلك، وعلى رغم الأداء الروسي الضعيف عموماً في مواجهة القوات الأوكرانية، فإن الجيش الروسي عام 2026 يمثل تهديداً مختلفاً للناتو عن الجيش الذي بدأ الحرب عام 2022.
وللتعامل مع هذا التحدي، يجب على مخططي الدفاع في الولايات المتحدة وأوروبا استخلاص الدروس الصحيحة من الحرب في أوكرانيا. فقد تأخروا في استيعاب التجربة الأوكرانية، وفي إدراك الطريقة التي يغير بها الانتشار الكثيف للقدرات الدقيقة طبيعة ساحة المعركة. وغالباً ما ينشغل المخططون والقادة العسكريون بما تستطيع التكنولوجيا فعله، فيغفلون التغييرات المطلوبة في بنية القوات وقدراتها التنظيمية حتى تصبح هذه التكنولوجيا جزءاً فعلياً من طريقة القتال. فالاستراتيجية تعني الاختيار. فإذا احتاجت الجيوش إلى مزيد من الطائرات المسيرة، أو وحدات الحرب الإلكترونية، أو وسائل دفاع جوي أقل كلفة، فعليها أن تقرر أي أنواع من الوحدات ستتخلى عنها. ويمكنها، مثلاً، استبدال وحدات الاستطلاع التقليدية بوحدات من دون طواقم، أو تقليص بعض تشكيلات الدعم لتوسيع فرق الطائرات المسيرة. وبوجه عام، تحتاج جيوش الناتو إلى أن تصبح أكبر حجماً. فالتحديات المعقدة، مثل الدفاع الجوي والصاروخي، تتطلب بناء منظومة متكاملة من أجهزة الاستشعار ووسائل الإطلاق، تجمع بين القدرات المتقدمة والخيارات الأقل كلفة، حتى تتمكن من خفض الكلف ومواجهة خطر الطائرات المسيرة الهجومية الرخيصة ذات الاستخدام الواحد، القادرة على إغراق الأجواء وإرباك الدفاعات. ويجيد القادة العسكريون ومخططو الدفاع الحديث عن ضرورة تعزيز الجاهزية العسكرية، لكنهم غالباً لا يبدون استعداداً كافياً لاتخاذ الإجراءات العملية أو القرارات الصعبة التي تتطلبها استثمارات قد تحتاج إلى أعوام كي تؤتي ثمارها.
ينبغي النظر إلى التحدي الذي يمثله الجيش الروسي من زاويته الصحيحة. فروسيا كانت، ولا تزال، قوة تتراجع. كان ذلك صحيحاً قبل غزوها الشامل لأوكرانيا عام 2022، وسيبقى صحيحاً مهما كان مسار الحرب. لكن هذا التراجع بطيء لا مفاجئ. وسيؤثر هذا التآكل التدريجي في قدرة روسيا على إعادة بناء جيشها، لكنه لن يمنعها بالضرورة من ذلك. كما أن لدى روسيا تاريخاً في إعادة بناء قواتها المسلحة بسرعة تفوق التوقعات بعد الهزائم أو فترات التراجع. وتبقى القوات المسلحة أقوى أدوات القوة الوطنية في يد روسيا، والأداة التي تلجأ إليها موسكو بوتيرة مثيرة للقلق. وحتى إذا تمكنت أوكرانيا، بدعم غربي، من إلحاق هزيمة حاسمة بروسيا، فلا ينبغي لواشنطن وحلفائها في الناتو أن يستهينوا بالتهديد العسكري الروسي المقبل، أو أن يتجنبوا الاستثمارات الضرورية في إعادة التسلح. بل عليهم أن يبدأوا الآن استعدادات بعيدة النظر لمواجهة التحدي الذي ستفرضه قوة روسية يعاد بناؤها.
ترجمة عن “فورين أفيرز” يوليو (تموز)/ أغسطس (آب) 2026 – نشر في 23 يونيو (حزيران) 2026
مايكل كوفمان زميل أول في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي.
