ملخص
ليس من المعقول أن تكون هناك نسختان من ترمب، نسخة تتصور طهران أن صاحبها وافق في مذكرة التفاهم، لا فقط على وقف النار على كل الجبهات بما فيها لبنان، بل أيضاً على إنهاء حال الحرب وإجبار إسرائيل على الانسحاب من لبنان بلا قيد ولا شرط، والتسليم بأن يحتفظ “حزب الله” بالسلاح ويجدده إلى جانب بقية الأذرع الإيرانية. ونسخة يركز صاحبها في الاتفاق الإطاري، لا فقط على “سحب السلاح من الجماعات المسلحة من غير الدول”، بل أيضاً على تدمير البنية التحتية لهذه الجماعات التي تقرأ في هذا التعبير ما يتجاوز الوجه العسكري إلى الوجوه الاجتماعية والمالية والتعليمية والصحية للبيئة الحاضنة لها.
عاملان يشكلان، من بين عوامل أخرى، القاسم المشترك بين اتفاقين: “اتفاق 17” مايو (أيار) عام 1983 بين لبنان وإسرائيل بوساطة أميركية، واتفاق “الإطار الثلاثي” في يونيو (حزيران) 2026 بين لبنان وإسرائيل وأميركا. العامل الأول هو اضطرار بيروت إلى التفاوض المباشر مع تل أبيب، لأنه الخيار الوحيد الذي يضمن الانسحاب الكامل للاحتلال الإسرائيلي من لبنان. والثاني أن الاعتراض على الاتفاق في المرحلتين هو لإسقاط الاتفاق، لا من أجل البحث عن حل أو اتفاق أفضل.
والمفارقة أن الدولة اللبنانية التي فقدت قرار الحرب والسلام تحملت، بطبائع الأمور، مسؤولية التفاوض لاستعادة الأرض التي احتلتها إسرائيل في اجتياح عام 1982 بسبب حروب الفصائل الفلسطينية من أرض لبنان تحت شعار تحرير فلسطين، وتلك التي أعادت احتلالها بسبب حروب “حزب الله” لإسناد غزة بين خريف 2023 وخريف 2024 ثم إسناد إیران في ربيع 2026.
اتفاق 17 مایو تحمس لإنجازه وزير الخارجية الأميركي جورج شولتز أيام الرئيس رونالد ريغان. وهو يشكو من أنه واجه في البداية معضلة تفاوض بين “تلموديين وتجار شرقيين” في إشارة إلى مناحيم بيغن وشارون والمسؤولين اللبنانيين. ويروي في كتاب “اضطراب وانتصار: سنواتي كوزير للخارجية” رفضه “عرض مسؤولين وغير مسؤولين بينهم كيسنجر لخطة تنطلق من القول: لا تدعوا مشكلات لبنان تطغى على ما عداها، بل قدموا مشروعاً للشرق الأوسط، وقال: هذه فكرة سيئة، أزمة لبنان شيء وإيجاد تسوية شرق أوسطية شيء آخر، ولن أساوم بواحد من أجل آخر”.
لكن الاتفاق الذي وافق عليه المجلس النيابي جرى إسقاطه بعد عام بقوى ومصالح تتجاوز بالطبع الاعتراض المحلي. أولاً بالتراخي في واشنطن، حيث تغلب رأي القوى التي تريد التركيز على أزمة الشرق الأوسط ككل. وثانياً بالرفض الإسرائيلي الذي عبّر عنه شارون في مقال نشرته “وول ستريت جورنال” بالقول: “عام 1983 رعى شولتز الاتفاق الفقير البائس بين إسرائيل ولبنان بعدما فرض على إسرائيل تقديم تنازلات خطرة. وهذا اتفاق سقط يوم توقيعه”. وثالثاً بالرفض السوري حين جرى ربط الانسحاب الإسرائيلي بالانسحاب السوري، وهو ما أعطى الرئيس حافظ الأسد عملياً “حق الفيتو” إلى جانب قوله لموفد الرئيس أمين الجميل إلى دمشق لإبلاغها بتفاصيل الاتفاق: “الاتفاق جاهز من قبل، وأنا مستعد لخوض 10 حروب من أجل إسقاطه”. ورابعاً بالدعم السوفياتي لسوريا بالسلاح وفي اللعبة الإقليمية.
اللعبة تتكرر اليوم، ولكن في ظروف متغيّرة وتبدل بعض اللاعبين. الوزير مارکو روبيو أيام الرئيس دونالد ترمب بدل شولتز. الاعتراض المحلي محصور عملياً بقوة “الثنائي الشيعي” وملاحظات حول التفاصيل لدى أطراف أخرى. رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام متمسكان بالتفاوض إلى النهاية، ويلفتان أنظار الجميع إلى أن ما جرى توقيعه في واشنطن هو مجرد “إطار توجيهي” للتفاوض على اتفاق نهائي. الدعم الدولي والعربي، ولا سيما الخليجي، قوي. سوريا صارت في موقع آخر يساعد لبنان. إسرائيل لا توحي أن الأولوية لديها هي لعرقلة الاتفاق. وإيران اليوم في موقع النظام السوري الساقط. وهي تصر على التفاوض عن لبنان والإمساك بالورقة اللبنانية في التفاوض مع أميركا، والإيحاء أن موقف ترمب في “مذكرة التفاهم” بين أمیركا وإيران يختلف عن موقفه في اتفاق “الإطار الثلاثي” بين لبنان وإسرائيل وأميركا.
وليس من المعقول أن تكون هناك نسختان من ترمب، نسخة تتصور طهران أن صاحبها وافق في مذكرة التفاهم، لا فقط على وقف النار على كل الجبهات بما فيها لبنان، بل أيضاً على إنهاء حال الحرب وإجبار إسرائيل على الانسحاب من لبنان بلا قيد ولا شرط، والتسليم بأن يحتفظ “حزب الله” بالسلاح ويجدده إلى جانب بقية الأذرع الإيرانية. ونسخة يركز صاحبها في الاتفاق الإطاري، لا فقط على “سحب السلاح من الجماعات المسلحة من غير الدول” بل أيضاً على تدمير البنية التحتية لهذه الجماعات التي تقرأ في هذا التعبير ما يتجاوز الوجه العسكري إلى الوجوه الاجتماعية والمالية والتعليمية والصحية للبيئة الحاضنة لها.
والسؤال هو: ما البديل من التفاوض لتحسين الشروط اللبنانية في الاتفاق النهائي؟ البديل من سقوط اتفاق 17 مايو كان سلسلة حروب داخلية في قلب حرب لبنان المحلية والإقليمية والدولية. قتال مع سوريا، قتال مع إسرائيل التي احتفظت بجزء من الجنوب. حروب إسرائيلية بين “تصفية الحساب” و”عناقيد الغضب “استمرات حتى الانسحاب الكامل عام 2000، ثم حرب 2006 وحرب الإسناد بعدها. ولم تتوقف الحروب حتى بعد اتفاق الطائف عام 1980.
المشكلة الصعبة في الاتفاق الإطاري، وبالتالي في التفاوض على الاتفاف النهائي هي ربط كل شيء بسحب السلاح من “حزب الله” وترك المسؤولية على الجيش والقرار السياسي. والموقف المعلن هو أن الدولة ليست في وارد الصدام مع “الحزب” بصرف النظر عما إذا كان مستعداً للصدام معها أو لا. والسيناريو في هذه الحال واضح: طي الاتفاق، وبقاء السلاح والاحتلال معاً إما في مرحلة “هدوء” وإما في معاودة الصدام العسكري.
وفي هذا الوضع لا الدولة تستطيع استعادة الأرض بالدبلوماسية. ولا “الحزب” يستطيع تحرير الأرض بالقوة التي قاد استخدامها إلى الاحتلال. ولا إيران تستطيع إجبار أميركا على إجبار إسرائيل على الانسحاب. وليس أخطر من الحرب سوى اللاحرب واللاسلم، في بلد أسير لا هو حي ولا هو ميت.
