عالمُ السياسة إدوارد بانفيلد طرحَ مفهومَ «النزعة العائلية اللاأخلاقية»، ويقصد به عجز النَّاس عن العمل معاً من أجل المصلحة العامة. تركيز الفرد يكون على مصالحه الشخصيةِ أو عائلته أو قبيلته، وأي شيء خارج هذه العلاقاتِ لا يعنيه. مفهوم المصلحةِ العامة خارجٌ عن تفكيره ولا يقع ضمن اهتماماته.
تأثير ثقافة «النزعة العائلية اللاأخلاقية» مدمّر على تطور المجتمعات، لأنَّ الجميعَ يعمل فقط لتعظيم المكاسبِ المادية للعائلة القريبة، حتى بطرق غير شرعية أحياناً.
يقول بانفيلد إنَّ مثل هذه الثقافة تنتج ما يلي: «لا أحد يخدم مصلحة الجماعة إلا إذا خدم مصلحتَه الشخصية أولاً. يتم تجاهل القانون عندما لا يوجد خوف من العقاب. تنتشر الرشوة والمحسوبية عندما يكون الإفلات منهما ممكناً».
ما يقصده الكاتبُ أنَّ المجتمعات التي تهيمن عليها الشكوكُ والأحقاد والحسد والمصلحة العائلية الضيقة، تجد صعوبة في بناء العمل الجماعي، فتتعثَّر التنمية حتى لو توافرت الموارد. لا توجد أي أسباب خارجية تدفع الفرد للتصرف على هذا النحو. إنَّها، مرة أخرى، الثقافة التي تشكّل تفكيره وسلوكه.
الفقر ليس بسبب قلَّة الموارد أو الاستعمار، ولكن بسبب هيمنةِ المصالح الضيقة وغياب أي شعور عام بالمصلحة العامة للوطن الأكبر.
من جانبه، يُحمّل الصحافي الفنزويلي كارلوس رانخيل الأساطيرَ الثقافية التي سيطرت على أميركا اللاتينية، مسؤوليةَ هيمنة ذهنية التخلف. من هذه الأساطير فكرة «المتوحّش النبيل»، وهي صورة الهندي قبل وصولِ الأوروبيين، وتصويره كأنَّه يعيش حياةً مثالية أشبهَ بالنعيم قبل أن يدمّرها الاستعمار الأوروبي.
الأسطورة الثقافية الأخرى هي أسطورة «الثوري النبيل»، وهي صورة شخصية الثائر الماركسي اللينيني الذي يحمل على كاهله إنجاز مهمة بطولية؛ وهي تطهير أميركا اللاتينية من التَّأثير الاستغلالي والفاسد لأوروبا والولايات المتحدة الأميركية!
المشكلة الكبرى التي يعزو إليها فشل أميركا اللاتينية هي الإيمانُ اليقيني لدى قطاعاتٍ ثقافية وسياسية وشعبية بأنَّ أميركا «الإمبريالية» هي خلف تخلّفِ أميركا اللاتينية.
ويهاجم الكاتبُ بشدةٍ الثقافةَ الإسبانية التي هيمنت على أميركا اللاتينية، ويتهمُها بزرع قيمٍ ثقافية مناهضة للتقدم والنجاح، إذا قورنت بكندا والولايات المتحدة التي سيطرت عليهما الثقافةُ الإنجليزية أو الأنغلوسكسونية بشكل عام.
يقول الكاتب: «إنَّ من سوء حظ أميركا اللاتينية أنَّها استعمرت من قبل إسبانيا في مرحلة تاريخية بدأت فيها إسبانيا ترفض روحَ الحداثة الصاعدة، وتقف ضد العقلانية والتجريبية وحرية الفكر، أي ضد الأسس التي قامت عليها الثورةُ الصناعية والليبرالية الحديثة والتنمية الرأسمالية».
من القيم السلبية التي نقلتها الثقافةُ الإسبانية في ذلك الوقت إلى أميركا اللاتينية: النفور من العمل، والميل إلى العنف، وغياب التعاون الاجتماعي، والنزعة السلطوية وفقاً لقول الكاتب.
ولا يتوقف الكاتبُ عن نقد الهيمنة الإسبانية على أميركا اللاتينية، ويقول إنَّ تقاليد الاحتكار والامتيازات والقيود المفروضة على النشاط الاقتصادي الحر ما زالت راسخة في المجتمعات ذات الأصل الإسباني.
الكنيسة الكاثوليكية لعبت دوراً سلبياً ومضراً في الثقافة اللاتينية، بحيث لم تشجّع على السلوك العملي والانضباط والادخار والالتزام والمسؤولية الاجتماعية، وذلك على العكس من الثقافة البروتستانتية التي أثرت عميقاً في ثقافة المجتمعات بأميركا الشمالية.
ويرى أنَّه لو غزا الإسبان أميركا الشمالية، فمن المرجّح أن تكون الولايات المتحدة وكندا دولتين متعثرتين. من حسن حظهما أنَّ العكس هو الذي حدث. هذا دليل آخر على أنَّ الثقافة تلعب دوراً محوريّاً في مصير المجتمعات، ولكن الاعتراف بذلك جارح للكبرياء، والأسهل هو إلقاء اللوم على الأشرار في الخارج!
