جريمة قتل، تتوضح ملابساتها فصلاً تلوَ الآخر، وكذلكَ مسعى أبعد للرواية: رصدُ ظرفٍ اجتماعي هشٍّ في بلادٍ أنهكتها سنوات حرب طويلة. تبدو الحياة كما تصوّرها رواية «الآن بدأت حياتي» للكاتب السوري سومر شحادة، وإن نجت من موتٍ مباشر بالسلاح، مشوّهة تنمو في ظلّ الحرب وعلى هامشها، تلك الحرب التي تُرخي بثقلها على الحياة العامة والخاصة، مع تصدّر جهاتٍ مافيوية للمشهد مستغلةً الظرف العام.

تدور أحداث الرواية خلال يوم واحد هو الزمن الواقعي للحدث، بين ليلة تقع فيها الجريمة ونهار تالٍ يحمل مجريات التحقيق. تنتهي سهرة وداع الأصدقاء لعائلة (يوسف وريما) المسافرين خارج البلاد، بسقوط يوسف عن سطح البناء، ويتحول السرد إلى استعراض حياة الشخصيات وعلاقاتها التي تتشابك وتعكس الواقع في تردّيه ومحاصرته للذات الإنسانية التي لم يعد يشغلها إلا البحث عن مخرج من دوامة الانتهاك والانهيار.

في خضم تأرجح تصنيف موت يوسف بين الانتحار والقتل والملابسات الغامضة للحادث، تسود في المدينة (اللاذقية) ضجة كبيرة، فالمحامي يوسف (القتيل) شخصية هامة ومعروفة، ولهذا فإن موته يحمل الكثير من الاحتمالات، وتكثر الأقاويل عن تورطه مع جهات مُتنفّذة تتجه إليها أصابع الاتهام. ومع إحساس اللاانتماء لدى الجميع في بلد (دخل الأسر) على حد تعبير إحدى الشخصيات، سيطر إحساس عام بأن اللاذقية مدينة استُبيحت بالجريمة إذ أصبح الموت كالطيف الذي يتجول فيها ولا أحد يعرف من سيزور. وأمام تصاعد الرأي العام يُوقَف العزاء لإجراء التحقيق وتقديم المجرم للعدالة.

لكنه في الحقيقة لم يكن أكثر من تحقيق شكلي لرد الأقاويل وإسكات الناس، وإغلاق الملف بصورة غير نزيهة. هكذا يتحول التحقيق إلى جريمة مضافة تُقتل فيها العدالة.

قالبٌ تجريبي

رواية الآن بدأت حياتي (دار الكرمة) هي الرابعة لكاتبها سومر شحادة، بعد حقول الذرة الفائزة بجائزة الطيب الصالح للإبداع عام 2016، ورواية الهجران الفائزة بجائزة نجيب محفوظ عام 2021، ورواية منازل الأمس.

يُوظف شحادة لعبة الأصوات (البوليفونية) في محاولة تجريبية، وهي مسرحة الحدث، وذلك عبر تقسيمه للرواية إلى فصول: الشخصيات التي تُعرّفنا بلسانها عن نفسها وحياتها وذكرياتها وما تقوله عن الآخر، ثم المَشاهد، التي تنتهي بالعرض، أمّا العتبات التي تتناوب مع المشاهد فهي لتسريب الحكايات بينها. خلال ذلك يسبر شحادة الشخصيات وعالمها الداخلي وأزماتها الخاصة النفسية والاجتماعية منذ الطفولة، حتى تلك الشخصيات البعيدة التي تحضر في ذاكرة الآخرين على مسرح الجريمة، نتعرف على بنيتها السيكولوجية ونمط حياتها وتأثرها بالجو العام، كاشفاً تلك الخيانات التي ارتكبوها في حق بعضهم وكيف دمرت حياتهم.

أرخَت الأزمة العامة المستمرة في البلاد منذ عقود بثقلها على المجتمع الصغير، حتى بدت كأنها توزّعت على أفراده فكان لكل منهم أزمته الخاصة والثقيلة. وأصبح الطموح إلى مغادرة البلاد حالة طبيعية، وقد تباينت مواقف الشخصيات من ذلك، بين من يرى الهجرة انتقاصاً للكرامة، ومن يرى أن البقاء والعيش في ظروف سيئة هو حياة ناقصة ومُعطلة يدور فيها الإنسان حول نفسه كأنه يعيش في الماضي.

وهذا هو واقع حياة «إياس» أحد شخصيات الرواية، إذ يعيش على الهامش وخارج الزمن الحقيقي، فلا يُدرك مروره منذ أن تركته زوجته وهاجرت مع ابنه. وهو ممزّق بين الإحساس بالغُبن جراء تخلي زوجته عنه، والإحساس بالذنب لتخليه عن ابنه نور وليَسمح له بالسفر مع طليقته. يعيش إياس في بيته مع أغراضهما وفوضى الأشياء كما تُركت، وكأن الزمن توقف برحيلهما. غير أن لقاءه في سهرة الوداع بـ «لين»، التي تعرفه جيداً، من خلال زوجته، بينما لا يعرفها هو، يُعيد له إحساساً قديماً كان قد غادره، ويُدرك أنه آن الأوان للتحرر من نمط حياة بات يعيشه كوصمة. يشجعه على ذلك ما وجده في لين من بوادر الأمان والاقتراب الذي يشبه الحب ولكن ليس هو، تُشكّل هذه اللحظة التي يُقرر فيها مغادرة الماضي، والبدء من جديد، أي العودة للحياة، لحظة فارقة في حياته فيقول (الآن بدأت حياتي)، العبارة التي منحت الرواية عنوانها.

كان يوسف، القتيل، شخصية محورية يجتمع حولها الأصدقاء، وتربطه بكل منهم علاقة من نمط مختلف علنية أو سرية، وقد عاش تمزُّقه بين السفر والبقاء، فهناك ارتباطات أُشير إليها دون توضيح تلزمه بأداء ما، بينما يعيش تمزّقاً آخر بين السفر مع زوجته والرغبة بتركها. قُتِل يوسف لأسباب غامضة، لكن التحقيق لن يعدم وسيلة لإلباس التهمة لأقرب المقربين إليه، بغية إخماد الضجة التي أحدثها موته في الرأي العام.

شخصياتٌ مأزومة

شخصيات شحادة مأزومة تعود أزمات بعضها إلى الطفولة وتنشأ أحياناً من صدامها مع الواقع والسلطة المتحكمة فيه ومن يمثلها، ومع الجيل القديم الذي يُحاول السيطرة على خيارات الجيل الجديد، رغم أنه بدا عاجزاً وغير سوي، وصدامها مع الآخر بما يحمله من أفكار وطباع، إذ تشوهت العلاقات بما يُسقطه الإنسان المقهور على غيره في محاولة للخروج من أزمته. انعكس هذا التأزم على سلوك الشخصيات والروابط الاجتماعية والإنسانية التي تجمع بينها، فنرى تفكّك العلاقات الزوجية وسيطرة الكآبة والشرود، وكان لموت يوسف أن يكون درساً وبداية جديدة. لولا أن التحقيق ومن خلفه المافيات التي تحرك المشهد عن بعد، يوجه صدمة جديدة تُغلق الحلم بالتحرر والذي اختصره العنوان.

في التحقيق يبدو جلياً أن القتل كان تصفية حسابات لكن المطلوب كان – وخلال ساعات – العثور على مجرمٍ ما، يُحمَّل التهمة لإخماد البلبلة في الرأي العام، وإظهار الجريمة على أنها بغرض الانتقام الشخصي. ثم يقع الخيار على لين التي كانت تربطها علاقة سريّة مع القتيل، مع تثبيت الدافع بأنه خذلها في قرار سفره مع زوجته، ويختار المحققون إياس الصديق الأقرب ليوسف كمشجع للين على قتله، لإحساسه بالإهانة بعد اكتشاف علاقة زوجته بالقتيل.

أُلقي القبض على لين وإياس بينما كانا يعيشان لحظات اللقاء الأولى في محاولة لتخطّي أزمة الماضي والخذلان، لتنفيذ عدالة ممسوخة لا تغتال حياة الأشخاص فقط بل أيضاً البدايات الجديدة وكل حياة على أهبة البدء.

كان والد يوسف العجوز، فيما مضى محامياً شهيراً له سمعته على مستوى المدينة، وقد أورث ابنه المكتب وتلك السمعة التي انطلق منها الابن يوسف إلى مسارات أخرى. انتهى الأب إلى البطء الجسدي في علاقته مع المحيط – كما يصف شحادة – وإلى الإهمال الذي ينال كبار السن، وفي التحقيق بعد مقتل ابنه، كان عاجزاً عن النطق ولا يصدر عنه سوى الصفير، في تعبير عن شدة الصدمة العاطفية للأب بفقدان الكتف التي يستند إليها، وبَكَم الحق في إشارة إلى شيخوخة القضاء وعجز العدالة أمام ليِّ عنق القانون.

يُصوّر شحادة الأب بمشهدية عالية التأثير، حين يستنطقه المحقق وهو المكلوم ليجعلوه شاهدَ زور في قضية ابنه، ضد أقرب الناس إليه: إياس، الشخص الوحيد الذي سيعتني به بعد فقد ولده، والذي أوكل إليه يوسف مهمة العناية بأبيه بعد سفره خارج البلاد. وصف شحادة ردّة فعل الأب بطريقة مؤثرة وأقرب إلى مشهد سينمائي يحفر في الذاكرة، تماماً كما فعل في تصويره خلال السهرة حين فوجئ بخبر سفر ابنه.

هكذا يتحول التحقيق إلى مسرحية لإعدام العدالة. فلم تُضِع المافيا الفرصة لأخذ دور الدولة والقضاء وفرض النتائج التي تناسبها، عبر رجالها الذين في لجنة التحقيق ذاتها، في إشارة إلى مزاوجة العصابات مع السلطة بفعل الفساد الحاصل.

من خلال حدث واحد – وهو الجريمة – مدّ شحادة خيوط الرواية إلى عمق بنية المجتمع وواقع البلاد، حيث تحولت الجريمة «إلى قصة ألف ليلة وليلة بألسنة الناس بينما شهريار الموت يترقب حلقاته». وقد تجلى ذلك في نظرة عميقة نحو جوانيات الذات الإنسانية وسبر مكنوناتها، وعواطفها، وأزماتها، والعلاقات الإنسانية عامة، وتأثرها بالبيئة التي تجري فيها الأحداث، كما أن الطريقة التي اتبعها في مسرحة الحدث حملت التشويق والإثارة الهادئة دون الوقوع في المجانية، وجاءت بسرد مشدود ومُتمكن، مع تطعيم بالوصف الأدبي والشعري واللمسة الفنية والمهارة بالخروج من الخاص إلى العام الذي كان يجري في خلفية الرواية، ويُحكم الأحداث.