
تتلاعب إسرائيل بين الخطوط. تواصل التصعيد، بتفاوض أو من دونه، بحالة الاتفاق أو اللااتفاق. وما بين الخطوط، تتلاعب أيضاً بالتسريبات والتصريحات، بين كلام وزير الأمن يسرائيل كاتس عن استكمال المنطقة الأمنية، إنما مع استمرار العمل على تدمير الأنفاق في الجنوب، و”عدم الانسحاب من دون تفكيك سلاح حزب الله في كل لبنان”، إلى كلام رئيس الأركان إيال زامير عن الأيام المتوترة واحتمال اشتعال الحرب على مختلف الجبهات، وما بينهما التسريبات التي تتحدث عن انسحابات أو عملية إعادة تموضع وانتشار على منطقة تقع على مسافة 4 كلم بعيداً عن الحدود. وهنا، طرح الإسرائيليون خطاً جديداً هو الخط الرمادي.
أصبح جنوب لبنان مقسماً إلى ثلاثة خطوط. الخط الأزرق، وهو الذي يشير إلى خط الحدود المعترف بها دولياً، والذي يطالب به لبنان. الخط الأصفر، الذي يمتد إلى مناطق على عمق أكثر من 12 كلم في بعض النقاط. والخط الرمادي، الذي تقول التسريبات الإسرائيلية إنه سيكون ممتداً على مسافة 4 كلم. وهنا تختلط التفسيرات والتحليلات حول ما يعنيه ذلك، فهل ستنسحب إسرائيل من الخط الأصفر وتخفف انتشار قواتها، وتحتفظ بالمنطقة الرمادية؟ يبدو ذلك أمراً غير واقعي، نظراً لكل الظروف والوقائع الحالية. فأولاً، لا يمكن لإسرائيل أن تفكر بالانسحاب في هذه المرحلة على أبواب الانتخابات. ثانياً، لا يمكن لإسرائيل أن تنسحب من دون إنجاز ترتيبات واضحة مع لبنان وبرعاية دولية حول كيفية إدارة الجنوب، سواء بالخط الأصفر أو المنطقة الرمادية. ثالثاً، تستند إسرائيل على موازين القوى التي تعتبرها نفسها متفوقة ومتغلبة فيها، وتحقق إنجازات عسكرية. لذلك لن تفكر بالانسحاب أو تغيير هذه الوقائع، بل يريد نتنياهو استكمال فرض الوقائع وفق موازين القوى الحالية.
حسب الوقائع على الأرض، والعمل الإسرائيلي المستمر لتغيير كل المعالم في الجنوب، ومحو كل ما كان قائماً في السابق، إضافة إلى استكمال عمليات التفجير والتدمير، وربطاً بإعادة شق طرق مختلفة عن تلك التي كانت قائمة، وتغيير أسماء شوارع أو قرى وبلدات، يمكن الاستنتاج أن تل أبيب قد تفكر في جعل المنطقة الرمادية هي المنطقة الأمنية الثابتة بالنسبة إليها، والتي لا تريد الانسحاب منها في المدى المنظور إلا بشروط قاسية جداً، أقلها الوصول إلى اتفاق سلام وتطبيع مع لبنان، واتفاق أمني حول آلية إدارة هذه المنطقة والتحكم بها، وبمن يعود إليها ويتحرك فيها.
وبحال كان هذا التفكير الإسرائيلي هو القائم، فذلك يعني تحويل منطقة الخط الأصفر إلى منطقة عازلة للمنطقة الأمنية العازلة الأخرى المسماة الخط الرمادي، خصوصاً أن إسرائيل تعمل على تدمير كل قرى الخط الأصفر، وتجاوزه لتدمير المزيد من القرى وإعدام كل مقومات الحياة في القرى المحاذية له، والتي تشكل خط تماس معه. فمثلاً في بلدة زوطر الشرقية، أو في كفرتبنيت أو بعض المناطق أنشأ الإسرائيليون مواقع عسكرية عديدة، وتحولت هذه البلدات إلى ما يشبه القواعد العسكرية المتقدمة، والتي ستكون مهمتها حماية المنطقة الأمنية العازلة.
لاحقاً، قد يصل الإسرائيليون إلى مكان يطرحون فيه معادلة جديدة، وأن المنطقة الصفراء، والمنطقة الرمادية تحتاجان الى حماية من أي تهديدات عليهما قد تنجم من المناطق المحيطة، ما سيتخذه الإسرائيليون تبريراً نحو تنفيذ المزيد من العمليات العسكرية وتوسيعها باتجاه قرى وبلدات استراتيجية مرتفعة وكاشفة لقرى وبلدات الخط الأصفر أو الرمادي. وبذلك سيستند الإسرائيليون على تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي، بأن الهدف هو سحب سلاح حزب الله من كل الأراضي اللبنانية. كما سيستندون على العنوان الأميركي الأساسي وهو ضمان أمن إسرائيل وحقها بالدفاع عن نفسها، ما سيبقي الدولة اللبنانية أمام تحدي مواجهة حزب الله بنفسها، أو أن تستمر إسرائيل بتحركاتها.