كاتب تونسي
مما ورد على لسان الرئيس السوري أحمد الشرع أنه طلب من الرئيس الأميركي منح ولاية نيوجيرسي لإسرائيل. قال إن حديثه هذا جاء في إطار المزاح، باعتبار ترامب رئيسًا للولايات المتحدة ورمزًا لسيادتها، وبالتالي فهو يمتلك حق التصرف في جزء من أراضي بلاده، أما هضبة الجولان المحتلة فلها أصحابها، وليس بإمكان أي شخص أو جهة اتخاذ قرار بشأنها من خارج دائرة القرار الوطني السوري.
في 25 آذار – مارس 2019، وقّع الرئيس ترامب إعلانًا رئاسيًا تعترف فيه الولايات المتحدة الأميركية رسميًا بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، في خطوة لاقت رفضًا من سوريا والمجتمع الدولي الذي يعتبرها أرضًا محتلة. قوبلت تلك الخطوة برفض دولي واسع، لاسيما وأنها تنطبق عليها المقولة المأثورة: «من لا يملك أعطى لمن لا يستحق»، التي عادة ما تُطلق على الوعد الصادر في 2 تشرين الثاني – نوفمبر 1917 عن وزير خارجية بريطانيا آنذاك آرثر جيمس بلفور، بمنح وطن قومي لليهود على أرض فلسطين التاريخية. كان هدف الشرع أن يقول للرئيس ترامب: “لا أتوقع منك التخلي عن أراضٍ خاضعة للسيادة الأميركية، لذا لا تطلب مني التخلي عن أراضٍ من وطني. وإذا كنت لا تزال ترغب في إظهار اللطف للإسرائيليين، فامنحهم قطعة من أرضك”.
خلال المؤتمر السنوي لصحيفة جيروزاليم بوست لعام 2024، تحدث مارك ليفنسون، الرئيس المشارك للجنة نيوجيرسي الإسرائيلية، عن تلك الروابط، فقال إن الولاية الأميركية تتعاون بشكل وثيق مع منظمات التنمية الاقتصادية المختلفة لربط الشركات الإسرائيلية الناشئة بالشركاء والمستثمرين المحليين. حيث يضم قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي المزدهر في نيوجيرسي شركات بارزة مثل نايس كوربوريشن، وبلوفاين، وتيفا، مردفًا: “تضم منطقتنا أقوى المجتمعات اليهودية وأكبر النظم البيئية الإسرائيلية في الشتات. وهناك رحلات جوية يومية مباشرة إلى منطقة الولايات الثلاث من تل أبيب أكثر من أي سوق أميركية أخرى”، مبرزًا: “نيوجيرسي كانت دائمًا رائدة في مجال إنشاء الشراكات مع شعب إسرائيل والاحتفاء بها”.
مزحة الرئيس السوري أحمد الشرع مع ترامب حول منح نيوجيرسي لإسرائيل أبرزت رفضه القاطع لقرار الضم مؤكداً أن الجولان أرض سورية غير قابلة للتصرف
وأشار ليفنسون إلى نيوجيرسي باعتبارها وجهة مثالية للعائلات والشركات الإسرائيلية، مؤكدًا على موقعها الاستراتيجي وقيادتها القوية وإرثها الدائم من النجاح والتعاون. فبموقعها على الساحل الشرقي، تُعد مركزًا حيويًا للأعمال التجارية الدولية. وعلى الرغم من صغر مساحتها نسبيًا، تتميز ببنية تحتية متطورة، ومدارس حكومية من الطراز الأول، وجامعات بحثية ذات شهرة عالمية.
تُعتبر نيوجيرسي رابع أصغر ولاية أميركية، ولكن ترتيبها الحادي عشر من حيث السكان. ويُعد افتتاح مكتب “اختر نيوجيرسي” في تل أبيب علامة فارقة أخرى في التزام الولاية بهذه الشراكات، والتي تتجلى بشكل أكبر في الجهود التعاونية الأخرى بين مؤسسات مثل جامعة بن غوريون ومعهد نيوجيرسي للتكنولوجيا.
تابع ليفنسون: “في نهاية المطاف، نحن نبني إرثًا من النجاح في ولايتينا”، مختتمًا حديثه بالتشديد: “يجب أن تعلم إسرائيل أن أصدقاءكم في نيوجيرسي سيكونون دائمًا إلى جانبكم”، مؤكدًا للحضور دعم نيوجيرسي الثابت واستعدادها للتعاون مع إسرائيل في مختلف المجالات.
تُعرّف ولاية نيوجيرسي نفسها بأن موقعها المركزي بين بوسطن وواشنطن العاصمة يمنح الشركات الإسرائيلية سهولة الوصول إلى أكثر من 46 مليون مستهلك في غضون أربع ساعات بالسيارة، مع خيارات توصيل محسّنة في نفس اليوم. كما تُوفر منطقة شمال شرق نيوجيرسي، التي تبعد 20 دقيقة فقط عن مدينة نيويورك عبر قطار PATH أو العبّارة، تكاليف عقارية أقل بنسبة 40% مقارنةً بمدينة نيويورك.
ويوفر مركز نيوجيرسي إسرائيل للشركات الإسرائيلية الأدوات والموارد اللازمة للتوسع الناجح في السوق الأميركية عبر نيوجيرسي. وإدراكًا للتحديات التي يفرضها التعامل مع بيئة اقتصادية جديدة، فإن المركز يقدم دعمًا مجانيًا وسريًا مصممًا لتلبية الاحتياجات الفريدة للشركات الإسرائيلية. وتشمل خدماته التقييم التفصيلي، واستجابات مقترحات الأعمال المخصصة، ومساعدة اختيار الموقع، والمعلومات القيمة عن الموارد الحكومية. كما يسهل التعريف بالشراكات بين القطاعين العام والخاص، وفتح الأبواب أمام فرص التواصل والتعاون والنمو.
العلاقة الوطيدة بين نيوجيرسي وإسرائيل بما فيها الاستثمارات والشراكات الاقتصادية شكّلت خلفية ساخرة لموقف الشرع الذي استخدمها لتوضيح المفارقة بين السيادة والشرعية الدولية
شهد العام 1988 توقيع ولاية نيوجيرسي على اتفاقية «الولاية الشقيقة» مع إسرائيل، وذلك في عهد حاكم نيوجيرسي توماس كين. وفي العام 1989 تأسست لجنة نيوجيرسي-إسرائيل تحت إشراف وزارة خارجية ولاية نيوجيرسي الأمريكية بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية والعلمية والثقافية والتعليمية وتشجيع الاستثمارات المشتركة.
في العام 2018، زارت منظمة «اختر نيوجيرسي» إسرائيل لأول مرة مع الحاكم فيل مورفي. وفي العام 2023، أُعلن عن تأسيس مركز نيوجيرسي إسرائيل، مما يمثل علامة فارقة تاريخية في الشراكة الدائمة بين الولاية الأمريكية والدولة العبرية. يوفر المركز للشركات الإسرائيلية الأدوات والموارد اللازمة للتوسع الناجح في السوق الأميركية عبر نيوجيرسي. وتشمل خدماته التقييم التفصيلي، واستجابات مقترحات الأعمال المخصصة، ومساعدة اختيار الموقع، والمعلومات القيمة عن الموارد الحكومية. كما يسهل التعريف بالشراكات بين القطاعين العام والخاص، وفتح الأبواب أمام فرص التواصل والتعاون والنمو. ويقدم المركز إسرائيل على أنها “أمة الشركات الناشئة” التي تمتلك منظومة ابتكارية تعكس النمو الاقتصادي لولاية نيوجيرسي.
تضم ولاية نيوجيرسي ما يقارب 550 ألف يهودي (حوالي 6٪ من سكان الولاية)، ما يجعلها واحدة من أكبر التجمعات اليهودية في الولايات المتحدة بعد نيويورك. ويتركز معظمهم في مقاطعة بيرغن (شمال نيوجيرسي) – في مدن مثل إنجلوود، وفورت لي، وبيرغنفيلد، وباراموس – بالإضافة إلى مراكز مجتمعية أخرى في مقاطعتي إسكس (ليفينغستون، وشورت هيلز) وميدلسكس (أديسون، وهايلاند بارك). تُعرف مدينة إديسون بـ”المدينة الإسرائيلية” لوجود جالية إسرائيلية كبيرة فيها، تضم متاجر إسرائيلية، ومنصة “والا بيز”، وصحيفة إسرائيلية. أما مدينتا هوبوكين وجيرسي سيتي، فتكتظان بالشباب الإسرائيليين.
في العام 2020، أظهر استطلاع رأي أجراه معهد برانديز للناخبين اليهود أن غالبية الناخبين اليهود الأميركيين يقيمون في أربع ولايات: نيويورك (1.2 مليون يهودي بالغ)، وكاليفورنيا (930 ألفًا)، وفلوريدا (665 ألفًا)، ونيوجيرسي (440 ألفًا). وهذا ما يجعل دعم إسرائيل قضية محورية في نيوجيرسي بالنسبة للمرشحين لمنصب حاكم الولاية، ومجلس الشيوخ الأميركي، ومقاعد الكونغرس، ويفسّر كيف أن زيارات إسرائيل أصبحت أمرًا لا غنى عنه في حملات هؤلاء المرشحين.
انتبه الرئيس السوري إلى خصوصية تلك العلاقة الوطيدة والعميقة والقوية بين نيوجيرسي وإسرائيل، واعتمد أسلوبًا كاريكاتوريًا في توضيح موقفه من قرار الرئيس ترامب منح الجولان للدولة العبرية، فسأله ساخرًا: «ماذا لو منحت نيوجيرسي لإسرائيل؟»، ملاحظًا أن تلك الولاية “مليئة بالديمقراطيين الذين لا يصوتون لك، لذا ربما يكون من الأفضل إعطاؤها للإسرائيليين”.
قرار ترامب الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان قوبل برفض دولي واسع فيما شددت الأمم المتحدة بقرارها 497 على بطلان الضم واعتبار الجولان أرضاً محتلة
ما كان الرئيس السوري ليتجرأ على ممازحة الرئيس الأميركي بذلك الأسلوب، لولا امتلاكه معطيات كاملة عن ميولاته الشخصية، وعن طبيعة العلاقة المتوترة بينه وبين ولاية نيوجيرسي، التي تتسم بتوترات سياسية وقانونية حادة، مدفوعة بصدامات مباشرة حول السياسات الفيدرالية والتوجهات المحلية للولاية ذات الأغلبية الديمقراطية بقيادة الحاكمة ميكي شيريل، لاسيما وأن الساحة تشهد صراعًا قضائيًا مستمرًا بين إدارة ترامب والمدعية العامة بالوكالة للولاية جينيفر دافنبورت.
سعى الشرع بتلك المزحة لإبراء ذمته من أي اتهام قد يلاحقه بزعم النزول عند رغبة ترامب في بيع هضبة الجولان أو التخلي عنها لإسرائيل. ومن على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة، شدد على أن الجولان سيبقى أرضًا سورية، معتبرًا أن إجراءات الضم باطلة وفق القرارات الأممية. كانت إسرائيل قد احتلت هضبة الجولان في أعقاب حرب الأيام الستة عام 1967، وبدأت في بناء مستوطنات في الأراضي التي احتفظت بها وبدأت في بناء مستوطنات في الأراضي التي احتفظت بها تحت إدارتها العسكرية حتى عام 1981، عندما أقر الكنيست قانون هضبة الجولان، الذي طُبّق بموجبه القانون الإسرائيلي على المنطقة. وقد وصفت الأمم المتحدة ذلك بالضم وأدانته في قرارها رقم 497.
بهذا السياق، شدد الرئيس السوري أحمد الشرع على أن الجولان سيبقى أرضًا سورية، وأن أي إجراءات إسرائيلية لضمها تفتقر إلى الشرعية الدولية، مؤكدًا أن القرارات الأممية واضحة في اعتبارها أرضًا محتلة لا يجوز التصرف بها. أراد الشرع من خلال مزحته مع الرئيس الأمريكي أن يبرز المفارقة بين سيادة الولايات المتحدة على أراضيها، وبين محاولة فرض سيادة إسرائيل على أرض ليست لها، وأن يوضح أن أي تنازل عن الجولان ليس من صلاحيات أي طرف خارجي، بل هو قرار سيادي يخص الشعب السوري وحده.
وبذلك، جاءت عبارته الساخرة لتكشف عن موقف سياسي صريح: رفض مطلق لقرار ترامب، وتأكيد على أن الجولان قضية وطنية غير قابلة للمساومة، وأن أي محاولة لتشريع الضم الإسرائيلي ستظل باطلة في نظر القانون الدولي والشرعية الأممية.