بغداد- لم يطرح المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق توم باراك صراحةً فكرة نقل قوات البيشمركة إلى المؤسسة العسكرية الاتحادية العراقية، لكنه وضع توحيدها في إطار أوسع يتعلق بشكل الدولة واحتكارها القرار العسكري. وتصريحات باراك، التي جاءت بعد إعلان إقليم كردستان استكمال توحيد قوات البيشمركة، تتزامن مع تحرك بغداد لإعادة تنظيم العلاقة مع الفصائل المسلحة، ما يفتح سؤالاً حول ما إذا كانت واشنطن تدفع باتجاه معادلة أمنية عراقية أكثر توحيداً.
وقال باراك إن توحيد البيشمركة «أمر رائع للجميع»، معتبراً أن وجود «عملية عسكرية موحدة لدولة ذات سيادة» أمر أساسي، كما شدد على أن الأكراد حلفاء مهمون للولايات المتحدة، وأن واشنطن ستواصل مساعدتهم حتى مع انسحاب قواتها من العراق. وأكد في الوقت نفسه أن البيشمركة ليست ميليشيا.
وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من كونها صدرت في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة ملفات: إعادة تنظيم البيشمركة، ودمج «قسد» في مؤسسات الدولة السورية، ومساعي الحكومة العراقية لإخضاع الفصائل المسلحة بصورة أكبر لسلطة الدولة.
واستكمل إقليم كردستان في سبتمبر عملية طويلة لإعادة تنظيم قوات البيشمركة تحت وزارة شؤون البيشمركة، بعد عقود من الانقسام بين تشكيلات مرتبطة بالحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.
◄ توحيد البيشمركة يزيل أحد مصادر الانقسام داخل القوة الكردية، ويجعلها أكثر وضوحاً من حيث القيادة والسيطرة، في وقت تبحث فيه بغداد عن صيغة لإنهاء تعدد القوى المسلحة
وبموجب الهيكل الجديد، أُعيد تنظيم قوات الوحدتين 80 و70 ضمن قيادتي المنطقتين الأولى والثانية، وأصبحت الوزارة المرجعية الرسمية للقيادة والسيطرة. وتقول حكومة الإقليم إن العملية حظيت بدعم أميركي وتحالف دولي على مدى سنوات، فيما اعتبرتها خطوة نحو بناء قوة أكثر مهنية ووحدة.
لكن هذه الخطوة لا تعني، حتى الآن، دمج البيشمركة إدارياً في الجيش العراقي. فالإصلاح جرى داخل مؤسسات إقليم كردستان، بينما يؤكد قادة الإقليم أن البيشمركة قوة دستورية وجزء من منظومة الدفاع العراقية، مع المطالبة بتعزيز التنسيق بينها وبين الجيش الاتحادي وضمان حقوقها المالية.
وهنا تحديداً تكمن أهمية السؤال الذي تطرحه تصريحات باراك: هل تعتبر واشنطن توحيد البيشمركة نهاية لمسار الإصلاح، أم خطوة يمكن أن تؤسس لاحقاً لعلاقة أكثر تكاملاً بين القوات الكردية والمؤسسة الدفاعية الاتحادية؟
ولم يكتف المبعوث الأميركي بالحديث عن البيشمركة، بل استحضر في السياق نفسه تجربة سوريا. فباراك ينظر إلى دمج القوات المختلفة في مؤسسة عسكرية تابعة للدولة باعتباره جزءاً من بناء دولة ذات سيادة، حتى وإن اختلفت الظروف القانونية والسياسية من بلد إلى آخر.
وفي العراق، كان أكثر وضوحاً عندما تحدث عن الفصائل المسلحة، قائلاً إن الفصائل التي تبدأ في حل نفسها يمكن أن تندمج داخل الحكومة، ويحصل أفرادها على رواتب الدولة ويعملون ضمن مؤسسة واحدة، بما ينهي الحاجة إلى بقاء جماعات مسلحة خارج إطار الدولة.
وهذا الربط لا يعني أن واشنطن تضع البيشمركة والفصائل المسلحة في خانة واحدة. بل إن باراك نفسه أكد أن البيشمركة ليست ميليشيا، كما أن وضعها يستند إلى ترتيبات دستورية خاصة بإقليم كردستان. لكن حديثه يضع مبدأ وحدة المؤسسة العسكرية في قلب مقاربة أميركية أوسع للعراق وسوريا.
وتزامن ذلك مع تحرك رئيس الوزراء العراقي علي الفالح الزيدي لإعادة تنظيم ملف الفصائل المسلحة. فبعد أن كان الموعد الأول المطروح لنزع السلاح هو 30 سبتمبر، طرحت الحكومة مساراً يمتد حتى 30 يونيو 2027 لإنهاء وجود الفصائل ككيانات مسلحة مستقلة وإدخال أفرادها في مؤسسات الدولة وفق ترتيبات محددة.
وهنا تظهر نقطة التلاقي مع تصريحات باراك: واشنطن وبغداد تتحركان باتجاه مبدأ حصر القرار العسكري داخل مؤسسات الدولة، لكن تطبيق هذا المبدأ يختلف بحسب طبيعة كل قوة.
◄ واشنطن وبغداد تتحركان باتجاه مبدأ حصر القرار العسكري داخل مؤسسات الدولة، لكن تطبيق هذا المبدأ يختلف بحسب طبيعة كل قوة
فالحشد والفصائل المسلحة يمثلان قضية تتعلق بتعدد مراكز القوة داخل الدولة الاتحادية، بينما البيشمركة ترتبط بنظام الحكم الاتحادي وإقليم يتمتع بصلاحيات دستورية واسعة. لذلك فإن الحديث عن دمج البيشمركة في الجيش العراقي يحتاج إلى ترتيبات سياسية وقانونية تتجاوز مجرد إعادة تنظيم عسكري.
وتزداد أهمية هذه الأسئلة مع اقتراب اكتمال الانسحاب الأميركي من العراق في نهاية سبتمبر، وفق التفاهمات بين بغداد وواشنطن. وقد قال باراك إن سياسة إدارة الرئيس دونالد ترامب تتجه إلى تقليص التدخل العسكري المباشر، مع مساعدة الشركاء على تطوير قدرتهم على توفير أمنهم بأنفسهم.
في هذه البيئة، يصبح توحيد البيشمركة أكثر من عملية إدارية داخل الإقليم. فهو يزيل أحد مصادر الانقسام داخل القوة الكردية، ويجعلها أكثر وضوحاً من حيث القيادة والسيطرة، في وقت تبحث فيه بغداد عن صيغة لإنهاء تعدد القوى المسلحة.
لكن السؤال لا يزال مفتوحاً: هل تريد واشنطن أن تتوقف عملية توحيد البيشمركة عند حدود الإقليم، أم أن منطق «المؤسسة العسكرية الواحدة» الذي تحدث عنه باراك يمكن أن يقود لاحقاً إلى نقاش حول موقعها داخل منظومة الدفاع العراقية؟
المعطيات الحالية لا تشير إلى قرار أميركي معلن بدمج البيشمركة في الجيش الاتحادي. لكنها تشير إلى تحول مهم في البيئة الأمنية العراقية: توحيد القوات الكردية من جهة، ومحاولة إنهاء استقلالية الفصائل المسلحة من جهة أخرى، فيما تستعد البلاد لمرحلة ما بعد الوجود العسكري الأميركي المباشر.
وهكذا قد لا يكون السؤال الفوري هو متى ستندمج البيشمركة في القوات العراقية؟ بقدر ما يتعلق بما إذا كان العراق يتجه تدريجياً نحو قاعدة أمنية أكثر وضوحاً: قوى مسلحة موحدة القيادة، مرتبطة بالدولة، مع بقاء الخصوصية الدستورية لإقليم كردستان موضع تفاوض وتنظيم داخل النظام الاتحادي.