
قبل أعوام قليلة فحسب، كان ظهور سيارة “الإرشاد” الخضراء في هذا الشارع كفيلاً بإثارة القلق لدى كثير من النساء، خشية التعرض للتوقيف أو الاستجواب أو النقل إلى مراكز الاحتجاز بتهمة “مخالفة قواعد الحجاب.
يرى بعض الباحثين أن النظام الإيراني لم يتخل عن مشروعه المرتبط بالحجاب الإلزامي، وإنما انتقل إلى مرحلة جديدة من إدارته، تتراجع فيها هيمنة الدوريات الميدانية لمصلحة منظومة رقابية تعتمد بصورة كبرى على التكنولوجيا والضغوط الاقتصادية والإجراءات البيروقراطية.
للوهلة الأولى يبدو المشهد في شارع ولي عصر، أحد أشهر شوارع طهران وأكثرها حيوية، وكأنه يعكس مدينة تجاوزت واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في تاريخ النظام الإيراني. نساء يتجولن بقمصان قصيرة الأكمام أو بلا أكمام، وسراويل جينز ضيقة أو فضفاضة، بعضهن تغطي رأسها، فيما اختارت أخريات السير من دون حجاب. المقاهي مكتظة بالزبائن، وحركة المرور تسير ببطء كعادتها، بينما يغيب عن المشهد ما كان حتى وقت قريب أكثر عناصره حضوراً: دوريات “شرطة الأخلاق”
قبل أعوام قليلة فحسب، كان ظهور سيارة “الإرشاد” الخضراء في هذا الشارع كفيلاً بإثارة القلق لدى كثير من النساء، خشية التعرض للتوقيف أو الاستجواب أو النقل إلى مراكز الاحتجاز بتهمة “مخالفة قواعد الحجاب”، أما اليوم، فلم تعد تلك الدوريات جزءاً من المشهد الروتيني، على رغم أن قانون الحجاب الإلزامي لا يزال قائماً، ولم يصدر أي قرار رسمي بإلغائه أو حتى بتخفيف إلزاميته.
هذا التحول يثير سؤالاً جوهرياً: هل تراجع النظام الإيراني فعلاً عن أحد أبرز رموزه الأيديولوجية، أم أنه اكتفى بتغيير أسلوب إدارة هذا الملف؟
تكشف شهادات واردة من داخل إيران أن النساء أصبحن يتمتعن بهامش أوسع بكثير في اختيار ملابسهن مقارنة بما كانت عليه الحال قبل أعوام. وتقول إحدى سكان طهران، البالغة من العمر 30 سنة، لإذاعة “راديو فردا”: “لم أر شرطة الأخلاق منذ فترة طويلة جداً”، مضيفة، طالبة عدم الكشف عن هويتها لأسباب أمنية، أن “النساء يرتدين اليوم ما يشأن”.
كذلك تروي امرأة في الـ40 من عمرها، وهي أم لطفلين، تجربة لم يكن من الممكن تصورها قبل أعوام قليلة، فقد دخلت أخيراً إلى دائرة الضرائب من دون أن تغطي شعرها، ولم يطلب منها أحد ارتداء الحجاب إلا عند عبور بوابة المبنى، وتقول: “قال لي الموظف: بمجرد خروجك يمكنك خلعه، لم أتمالك نفسي من الضحك، فهم يدركون تماماً كيف تنظر النساء إلى مسألة الحجاب”.
ولا تعكس هذه الشهادات مجرد تغير في السلوك الاجتماعي، بل تشير إلى تبدل واضح في طريقة تعامل السلطات مع واحدة من أكثر القضايا حساسية منذ قيام النظام الإيراني عام 1979.
ومع ذلك فإن هذا المشهد قد يقود إلى استنتاج متسرع مفاده بأن النظام تراجع عن سياسة الحجاب الإلزامي أو تخلى عنها، فالواقع يبدو أكثر تعقيداً.
فالقانون لا يزال نافذاً، والسلطات لم تعلن إلغاءه أو حتى تجميد العمل به، كذلك فإن مشاريع القوانين المتعلقة بـ”العفاف والحجاب” ما زالت تنص على عقوبات في حق المخالفات، ولم يصدر أي موقف رسمي يشير إلى تغيير في الأساس القانوني لهذه السياسة، لذلك يرى عدد من الباحثين أن ما حدث لا يمثل تراجعاً عن الحجاب الإلزامي، بقدر ما يعكس انتقال النظام إلى مرحلة جديدة في إدارة الصراع مع المجتمع.
من التململ الصامت إلى انتفاضة مهسا أميني
يصعب فهم المشهد الحالي من دون العودة إلى الأعوام التي سبقت وفاة مهسا (جينا) أميني في سبتمبر (أيلول) 2022، فالتغير في موقف شريحة واسعة من النساء تجاه الحجاب لم يبدأ مع تلك الحادثة، بل كان يتشكل شيئاً فشيئاً على مدى أعوام، مع اتساع الفجوة بين المجتمع والدولة، وازدياد أعداد النساء اللاتي بدأن يتحدين القيود المفروضة على اللباس في الأماكن العامة، سواء من خلال ارتداء الحجاب بصورة فضفاضة أو التخلي عنه في بعض الأماكن.
وخلال تلك المرحلة، أدت ناشطات حقوقيات وصحافيات وإعلاميات دوراً في إبقاء هذا الملف حاضراً في النقاش العام، داخل إيران وخارجها، ومن بينهن الناشطة الإيرانية مسيح علي نجاد، التي أسهمت حملاتها الإعلامية في تسليط الضوء على قضية الحجاب الإلزامي، إلى جانب جهود كثير من النساء الإيرانيات اللاتي واصلن الاحتجاج بوسائل مختلفة داخل البلاد، على رغم الاعتقالات والضغوط الأمنية.
غير أن وفاة مهسا أميني أثناء احتجازها لدى “شرطة الأخلاق” مثلت نقطة تحول مفصلية، إذ حولت قضية الحجاب من احتجاجات متفرقة إلى حركة اجتماعية واسعة، وأطلقت واحدة من كبرى موجات الاحتجاجات في تاريخ النظام الإيراني.
وللمرة الأولى منذ عام 1979 لم يعد الحجاب مجرد قضية دينية أو قانونية، بل تحول إلى رمز للصراع بين السلطة وقطاعات واسعة من المجتمع، ولا سيما النساء والشباب، فشعار “المرأة، الحياة، الحرية” تجاوز المطالبة بحرية اختيار اللباس، ليعبر عن رفض أوسع لطريقة إدارة الدولة لعلاقتها بالمجتمع.
وعلى رغم نجاح الأجهزة الأمنية في احتواء الاحتجاجات ميدانياً، فإنها لم تتمكن من إعادة المجتمع إلى ما كان عليه قبل عام 2022، وخلال الأعوام التالية، اتسعت دائرة النساء اللاتي اخترن عدم التزام الحجاب في الأماكن العامة، حتى أصبح ذلك مشهداً مألوفاً في كثير من شوارع طهران وعدد من المدن الكبرى.
وتقول الباحثة والكاتبة والناشطة الإيرانية في مجال حقوق المرأة منصورة شجاعي إن الحكومة “اضطرت إلى القبول بما كانت النساء يطالبن به في ما يتعلق بالحجاب”، مؤكدة أن مستوى العنف والقمع الذي كان سائداً في السابق لم يعد كما كان، وإن كان ذلك لا يعني أن القانون قد تغير.
وترى شجاعي أن ظهور نساء من دون حجاب على شاشة التلفزيون الرسمي خلال الأشهر الأخيرة لا يعكس تحولاً في قناعة النظام، بقدر ما يعكس حجم الضغوط التي فرضها المجتمع، وتضيف أن السلطة تحاول تقديم رسالة مفادها بأنها لا تعارض النساء غير المحجبات، شرط ألا يتحول ذلك إلى تحد سياسي مباشر لسياساتها.
لكن هذا التفسير لا يجيب وحده عن السؤال الأهم: لماذا اختارت السلطات هذا التوقيت تحديداً لتغيير أسلوب تعاملها مع ملف الحجاب، على رغم أنها كانت تعده طوال أكثر من أربعة عقود أحد أهم ركائز شرعيتها الأيديولوجية؟
هل تراجع النظام… أم غير أسلوب المواجهة؟
قد يوحي المشهد في شوارع طهران، للوهلة الأولى، بأن النظام الإيراني تراجع عن واحدة من أكثر سياساته الأيديولوجية تشدداً، غير أن التدقيق في الواقع يكشف عن أن ما تغير ليس جوهر السياسة، بل أسلوب إدارتها.
فالحجاب الإلزامي لا يزال منصوصاً عليه في القوانين الإيرانية، ولم تعلن السلطات إلغاءه أو حتى تجميد العمل به، كذلك لا تزال مشاريع القوانين الخاصة بـ”العفاف والحجاب” تنص على عقوبات في حق المخالفات، لكن الفارق الجوهري يتمثل في أن الدولة لم تعد ترغب في فرض هذا القانون بالطريقة التي اعتادها الإيرانيون طوال العقود الماضية.
ويجمع عدد من الباحثين على أن هذا التحول لم يكن ثمرة مراجعة فكرية أو استجابة لمطالب حقوقية، بل جاء نتيجة تداخل مجموعة من الضغوط السياسية والأمنية والاقتصادية التي دفعت النظام إلى إعادة ترتيب أولوياته.
فعلى الصعيد الداخلي تواجه إيران واحدة من أكثر مراحلها تعقيداً منذ عام 1979، فالاقتصاد يعاني معدلات تضخم مرتفعة والعملة الوطنية فقدت جزءاً كبيراً من قيمتها، فيما تتسع دائرة الفقر وتتراجع القدرة الشرائية، تزامناً مع تصاعد الاحتجاجات المطلبية في قطاعات مختلفة، من العمال والمتقاعدين إلى المعلمين والطلاب والعاملين في القطاع الصحي وسائقي الشاحنات.
وفي موازاة ذلك، لم تستعد الدولة حتى اليوم قدرتها على احتواء التداعيات الاجتماعية والسياسية التي خلفتها احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية”، فهذه الاحتجاجات، على رغم نجاح الأجهزة الأمنية في إنهائها ميدانياً، أحدثت تحولاً عميقاً في علاقة المجتمع بملف الحجاب، حتى باتت أعداد متزايدة من النساء يتعاملن مع خلع الحجاب في الأماكن العامة بوصفه حقاً شخصياً، لا فعلاً استثنائياً يستوجب الخوف أو التردد.
ثم جاءت الحرب الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لتضيف طبقة جديدة من التعقيد، فمع انشغال المؤسسة الأمنية بإدارة تداعيات المواجهة العسكرية ورفع مستوى التأهب الأمني، لم يعد فتح جبهة داخلية جديدة حول الحجاب خياراً منخفض الكلفة بالنسبة إلى السلطات.
وقبل اندلاع الحرب بأسابيع قليلة، شهدت إيران تظاهرات واسعة احتجاجاً على تدهور الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تكتسب في عدد من المدن أبعاداً سياسية. وقد عززت تلك الاحتجاجات قناعة دوائر صنع القرار بأن أي احتكاك جديد مع النساء في الشوارع قد يتحول إلى شرارة يصعب احتواؤها، ولا سيما في ظل تراكم الغضب الشعبي الناتج من تردي الأوضاع المعيشية.
وتنسجم هذه القراءة مع ما تذهب إليه الباحثة الإيرانية منصورة شجاعي، التي ترى أن تراجع مستوى العنف في تطبيق قانون الحجاب لا يعني تغير القانون نفسه.
ومن هنا، فإن ما يبدو تراجعاً في تطبيق قانون الحجاب لا يعكس، في نظر كثير من المراقبين، تغييراً في قناعة النظام، بقدر ما يمثل إعادة تموضع فرضتها موازين القوى داخل المجتمع، فالدولة التي كانت ترى في الانتشار الكثيف لدوريات “شرطة الأخلاق” رمزاً لهيبتها، أصبحت تدرك أن الكلفة السياسية لأي مواجهة جديدة في الشارع قد تكون أعلى بكثير من المكاسب التي تحققها.
غير أن ذلك لا يعني أن النظام تخلى عن أدوات الرقابة، بل إنه بدأ ينقلها تدريجاً من الشارع إلى فضاءات أقل ظهوراً وأكثر فاعلية، معتمداً على الرقابة الرقمية وكاميرات المراقبة والضغوط الاقتصادية والإجراءات الإدارية، بدلاً من المواجهة المباشرة.
من شرطة الأخلاق إلى الرقابة الرقمية… كيف أعاد النظام بناء أدوات السيطرة؟
إذا كان اختفاء سيارات “شرطة الأخلاق” من شوارع طهران قد أوحى لكثير من الإيرانيين بأن الدولة تراجعت عن فرض الحجاب الإلزامي، فإن الوقائع تشير إلى أن ما تغير لم يكن السياسة، وإنما أدوات تنفيذها.
فعلى مدى أكثر من أربعة عقود، اعتمد النظام الإيراني على نموذج يقوم على الحضور الأمني المباشر في الشارع. وكانت سيارات “الإرشاد” تجوب المدن، وتوقف النساء، وتفتش لباسهن، وتنقلهن إلى مراكز الاحتجاز، فيما كان الاحتكاك المباشر بين عناصر الأمن والمواطنين يشكل الركيزة الأساس لتطبيق قانون الحجاب.
لكن هذا النموذج نفسه تحول، بعد احتجاجات عام 2022، إلى عبء سياسي وأمني على الدولة، فكل مواجهة في الشارع أصبحت تحمل إمكان التحول إلى مقطع مصور ينتشر خلال دقائق على وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعل موجة جديدة من الغضب داخل إيران وخارجها، كما حدث عقب وفاة مهسا أميني.
ومنذ ذلك الحين، بدأت السلطات تعتمد نموذجاً مختلفاً يقوم على تقليص المواجهة المباشرة مع النساء، مقابل توسيع أدوات الرقابة غير المرئية، فبدلاً من أن يكون الشرطي هو من يوقف المرأة في الشارع، أصبحت الكاميرا تؤدي هذا الدور.
وخلال العامين الماضيين، وسعت السلطات استخدام كاميرات المراقبة المزودة بأنظمة التعرف إلى الوجوه، لرصد النساء غير الملتزمات بالحجاب في الشوارع ومحطات المترو والمجمعات التجارية والطرق العامة. وبعد تحديد الهوية، ترسل إلى بعض النساء رسائل نصية تحذيرية، أو تتخذ في حقهن إجراءات إدارية وقضائية، من دون الحاجة إلى توقيفهن في الشارع. ولا يقتصر الأمر على المراقبة الإلكترونية، بل يمتد إلى تحميل المجتمع نفسه جزءاً من كلفة تطبيق القانون.
فبدلاً من ملاحقة النساء بصورة مباشرة، اتجهت السلطات إلى ممارسة ضغوط متزايدة على أصحاب المقاهي والمطاعم والمتاجر والمراكز التجارية وحتى الشركات الخاصة، من خلال الإغلاق الموقت أو فرض الغرامات، إذا قدموا خدمات لنساء لا يلتزمن بالحجاب الإلزامي.
وبهذه الطريقة، لم تعد الدولة الطرف الوحيد الذي يواجه المرأة، بل أصبح صاحب المقهى ومدير المركز التجاري وسائق سيارة الأجرة وصاحب الفندق، جميعهم مطالبون عملياً بالمشاركة في تطبيق القانون، خشية التعرض للعقوبات.
ويقول عدد من الباحثين إن هذه المقاربة تحقق للنظام هدفين في آن، فهي تخفف الاحتكاك المباشر بين الأجهزة الأمنية والمواطنين، وتوزع كلفة فرض القانون على المجتمع والقطاع الخاص، بما يقلل من احتمالات اندلاع مواجهات واسعة كالتي شهدتها البلاد خلال الأعوام الأخيرة.
ويظهر هذا التحول أيضاً في مشاريع القوانين الخاصة بـ”العفاف والحجاب”، التي تميل إلى استبدال بالعقوبات التقليدية عقوبات مالية وإدارية، تشمل الغرامات الباهظة والحرمان من بعض الخدمات العامة وفرض قيود على المعاملات الإدارية، فضلاً عن إجراءات قد تصل إلى تجميد بعض الامتيازات أو فرض قيود على الأنشطة الاقتصادية للمخالفين، وبذلك انتقلت الدولة من نموذج يقوم على إظهار القوة إلى نموذج يقوم على إدارة السلوك.
ففي السابق كان الهدف أن يرى الجميع دوريات “شرطة الأخلاق” وهي تجوب الشوارع بما تحمله من رسالة ردع علنية، أما اليوم فلم تعد السلطة في حاجة إلى هذا الاستعراض، فالكاميرات المثبتة على أعمدة الإنارة وأنظمة التعرف إلى الوجوه وقواعد البيانات الإلكترونية والرسائل النصية، تؤدي المهمة نفسها، ولكن بكلفة سياسية أقل، ومن دون أن تثير الاحتقان الذي كانت تسببه مشاهد توقيف النساء في الشوارع.
ولهذا، يرى بعض الباحثين أن النظام الإيراني لم يتخل عن مشروعه المرتبط بالحجاب الإلزامي، وإنما انتقل إلى مرحلة جديدة من إدارته، تتراجع فيها هيمنة الدوريات الميدانية لمصلحة منظومة رقابية تعتمد بصورة أكبر على التكنولوجيا والضغوط الاقتصادية والإجراءات البيروقراطية.
غير أن هذا التحول يطرح سؤالاً لا يقل أهمية: إذا كانت الدولة قد نجحت في تطوير أدوات الرقابة، فهل نجحت في استعادة السيطرة على المجتمع؟ أم أن المجتمع هو الذي فرض على السلطة إعادة صياغة قواعد الاشتباك؟
عندما فرض المجتمع على الدولة تغيير قواعد اللعبة
إذا كان اختفاء دوريات “شرطة الأخلاق” من شوارع المدن الإيرانية يمثل تحولاً واضحاً في طريقة تعامل النظام مع ملف الحجاب، فإن السؤال الأهم لا يتعلق بما إذا كانت الدولة قد غيرت سياستها، بل بمن فرض على الآخر هذا التغيير.
فالسلطات الإيرانية لم تعلن يوماً تخليها عن الحجاب الإلزامي، ولم تبد أي استعداد لمراجعته من الناحية القانونية أو الأيديولوجية، بل ما زالت تعده جزءاً من هوية النظام الإيراني، وتصفه بأنه أحد “الثوابت الشرعية” التي لا تقبل المساومة.
لكن ما تغير على أرض الواقع هو قدرة الدولة على فرض هذا القانون بالطريقة التي اعتمدتها طوال أكثر من أربعة عقود.
فقد أدركت المؤسسة الأمنية، بعد احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية”، أن المواجهة اليومية مع النساء في الشوارع لم تعد تحقق الغاية التي صممت من أجلها، إذ باتت كل عملية توقيف، وكل احتكاك مع امرأة بسبب طريقة لباسها، يحملان احتمال التحول إلى أزمة سياسية وإعلامية تتجاوز حدود المدينة التي وقعت فيها الحادثة، لتصبح قضية رأي عام داخل إيران وخارجها خلال ساعات.
وبذلك، لم يعد استمرار دوريات “شرطة الأخلاق” يمثل دليلاً على قوة الدولة، بقدر ما أصبح يكشف حدود قدرتها على فرض إرادتها على المجتمع.
ولعل هذا ما يفسر المفارقة التي تشهدها إيران اليوم، فالقانون لم يتغير، لكن الواقع الاجتماعي تغير، والدولة لم تعلن تراجعها، لكنها اضطرت عملياً إلى تقليص حضورها في الشارع، بعدما أصبحت كلفة المواجهة المباشرة أعلى من المكاسب التي تحققها.
ولا يقتصر هذا التحول على ملف الحجاب وحده، بل يعكس تغيراً أوسع في طبيعة العلاقة بين النظام والمجتمع، فمنذ أعوام، أخذت السلطة تميل إلى إدارة كثير من الملفات الاجتماعية بأساليب أقل صداماً، لا لأنها أصبحت أكثر انفتاحاً، وإنما لأنها باتت أكثر إدراكاً للحدود التي تستطيع القوة الأمنية بلوغها في مجتمع تغيرت أولوياته وأدواته وقدرته على المقاومة.
وفي المقابل لم يتحقق هذا التحول بقرار سياسي من أعلى هرم السلطة، بل جاء نتيجة تراكم طويل من صور المقاومة المدنية، فمنذ أعوام، واصلت آلاف النساء الخروج إلى الشوارع بحجاب فضفاض أو من دونه، على رغم الغرامات والاعتقالات والضغوط الاجتماعية، ومع مرور الوقت تحولت هذه الممارسات الفردية إلى ظاهرة اجتماعية يصعب احتواؤها، حتى أصبحت مشاهد النساء غير المحجبات جزءاً من الحياة اليومية في كثير من المدن الكبرى.
ومع ذلك سيكون من المبكر عد ما يجري انتصاراً نهائياً للمجتمع أو هزيمة كاملة للدولة، فالنظام الإيراني لم يتخل عن أدوات السيطرة، وإنما أعاد إنتاجها بصورة مختلفة، فاختفاء سيارات “شرطة الأخلاق” لا يعني نهاية الصراع حول الحجاب في إيران، بل يشير إلى انتقاله من مرحلة إلى أخرى، إذ إن المعركة التي كانت تخاض في الشوارع أصبحت تدار اليوم عبر الكاميرات وقواعد البيانات والرسائل النصية والغرامات وإغلاق المحال التجارية، في محاولة لإخضاع المجتمع بأدوات أقل ظهوراً وأكثر تعقيداً.
وربما تكمن المفارقة الأبرز في أن النظام الذي جعل من الحجاب، طوال أكثر من أربعة عقود، أحد أهم رموز شرعيته الأيديولوجية، يجد نفسه اليوم مضطراً إلى إدارة هذا الملف بمنطق تقليل الخسائر، لا بمنطق فرض الإرادة، وهو تحول لا يعكس تغيراً في قناعات السلطة بقدر ما يكشف تغيراً في موازين القوى داخل المجتمع الإيراني.
وفي النهاية قد لا يكون السؤال الحقيقي: أين اختفت شرطة الأخلاق؟ بل: هل ما زالت الدولة قادرة على استعادة الشارع بالطريقة التي كانت تفرض بها إرادتها طوال العقود الماضية؟
وحتى الآن، يبدو أن الإجابة لا تكتبها القوانين التي لا تزال سارية، بل يكتبها الواقع اليومي في شوارع طهران وغيرها من المدن الكبرى، مثل أصفهان وتبريز وسنندج ومشهد وزاهدان وشيراز والأحواز، حيث تتجول آلاف النساء بملابس لم يكن من الممكن تصورها قبل أعوام قليلة، في مشهد يلخص، أكثر من أي خطاب سياسي، التحول الذي طرأ على العلاقة بين المجتمع والسلطة، بفعل التراكمات الداخلية والمتغيرات الإقليمية والدولية.